للذين يقولون أن المقارنة بين الحرب الراهنة في افغانستان وحرب فيتنام تأخذ الأمور أبعد من اللازم، إليكم هذه الحقيقة: إنها لا تأخذ الأمور بعيدا بما يكفي. من جذور هذين الصراعين بين الشمال والجنوب إلى دور المتمردين وعدم جدوى انتخابات هذا الأسبوع الرئاسية في افغانستان، يستحيل تجاهل التشابهات بين الحربين. فقد تكون الوجوه والأماكن متغيرة لكن العدو يبقى قديما ومألوفا. وكلّما أبكرت الولايات المتحدة في الاعتراف بذلك، أبكرت في التوقف عن الوقوع في الأخطاء ذاتها في أفغانستان.
حتى وللوهلة الأولى، تنكشف المتوازيات البنيوية، لأن كلا من فيتنام وافغانستان (قبل التدخل الأميركي هناك) كانتا قد هزمتا بشكل مفاجئ قوة اوروبية في حرب عصابات طالت عقدا من الزمن، تبعها حرب شمالية ـ جنوبية إلى حد كبير، دامت عقدا آخر. أما المتمردون في البلدين فتمتعا بأفضلية حدود طويلة، وغير قابلة للمراقبة او الإغلاق، خلفها ملاذ ينعمون فيه بنفوذ سياسي مطلق.
في الحالتين، كانت الحروب برّيّة في آسيا، بخطوط لوجيستية تمتد على طول يتخطى التسعة آلاف ميل، وتضاريس قاسية يخترقها القليل من الطرقات، مما ألغى المزايا الأميركية في القدرة على التنقل والقوة المدفعية. كما تكشف عناصر مهمة اخرى تشابها مفاجئا: حوالى 80 في المئة من السكان في البلدين كانوا يعيشون في المناطق الريفية، فيما تجاوزت الأمية نسبة التسعين في المئة.
وفي البلدين، حاولت الولايات المتحدة خلق جيش «وطني» على نموذج صورتها الخاصة المبنية على جداول الجيش الأميركي التنظيمية. مع جيش الجمهورية الفيتنامية في الجنوب الفيتنامي، والجيش الوطني الأفغاني اليوم، بقي تعيين طواقم الاستشارة القتالية والتوجيه في الأولوية الدنيا. كما أن الولايات المتحدة قامت في الحربين بتضليل الأميركيين بشكل فادح في ما يتعلق بحجم القوات الوطنية، طوال فترة مديدة. ففي أفغانستان على سبيل المثال أعلنت القوات الأميركية عن 91 ألف جندي في الجيش الوطني الأفغاني على أنهم «مدربون و مجهزون»، رغم علمها جيدا انه لم يبق ما يتجاوز التسعة والثلاثين ألفا في الصفوف من المتوافرين للخدمة.
وأساءت الولايات المتحدة بعمق واستمرار، فهم طبيعة العدو الذي تقاتله في الحالتين. فقد أصرّت في فيتنام على خوض حرب ضد الشيوعية، فيما كان العدو يخوض حرب إعادة توحيد وطنية. أما في أفغانستان، فلا تزال مصرة على الخوض في مكافحة علمانية للتمرد، فيما العدو يقاتل جهادا، والتقاطع بين كيفية انتهاء التمرد وكيفية انتهاء الجهاد معدوم تماما. من الصعب أن تهزم عدوا لا تفهمه، وفي افغانستان كما كان في فيتنام، تخاض هذه المعركة في حرب مختلفة.
وليس كل هذا سوى غيض من فيض، لائحة طويلة من المتوازيات الملحوظة. فالمدهش فعلا هو الارتباطات الإستراتيجية العميقة؛ خسرت الولايات المتحدة الحرب في فيتنام رغم التحريفات التاريخية، بسبب تركيبة مهلكة من الفشل السياسي والعسكري، تتكرر تماما في افغانستان. وكما سجل اندرو كريبينيفيتش منذ سنوات عديدة، فشل الجيش في فيتنام لأنه أصرّ على قتال حرب المناورة لـ«ايجاد، وتثبيت، وتدمير» العدو، في ما أصبح معروفا بمهمات «ابحث و دمر»، عوضا عن حماية السكان في القرى. اما اليوم فتسمى هذه التكتيكات بمهمات «التمشيط والتطهير»، لكنها في الجوهر مطابقة تماما: تطهير قطع صغيرة من الأرض لفترات قصيرة في بلد كبير، على أمل قتل ما يكفي من عناصر العدو لحثّه على وقف القتال. لكن القدرة على التجنيد لم تكن نقطة ضعف شمال فيتنام، وليست اليوم نقطة ضعف حركة طالبان.
ونسبة العاملين في افغانستان على إعادة الاعمار الريفية كمهمة اولية (فرق إعادة إعمار الأرياف) تطابق تقريبا نسبة العاملين على «المصالحة» كمهمة أولية خلال حرب فيتنام، بحوالى 4 في المئة. اما المتبقي فمنشغل بمطاردة فتيان مراهقين أميين يحملون بنادقهم، في انحاء البلاد، أي ما يريدنا العدو تماما أن نفعل.
في هذه الأثناء، يشكل الفشل السياسي في كابول صدى لفشل سايغون. ويعتبر خبراء مكافحة التمرد أن الحكومة ناجحة عندما ينظر إليها على أنها شرعية من قبل 85 أو 90 في المئة من السكان؛ بعد انقلاب دييم لم يعد ذلك ممكنا في فيتنام، إذ تتالت الحكومات الفاسدة تماما، واحدة بعد الأخرى، فيما لم تكن أي واحدة منها شرعية في عيون الشعب. والوصف المعاصر لحكومات سايغون المختلفة يشبه تماما وصف حكومة قرضاي اليوم.
وبرغم كل الضجة التي أثيرت حول انتخابات هذا الأسبوع في أفغانستان، لن تكون حكومة كابول شرعية أبدا، لأن الديموقراطية ليست مصدرا لشرعية الحكم في أفغانستان، ولم تكن كذلك يوما. فالشرعية في افغانستان أتت حصرا خلال السنوات الألف الأخيرة من المصادر القبلية والدينية. أما الخطأ الأميركي الفادح في إلغاء الملكية الأفغانية الشعائرية فمثّل انقلاب دييم الأفغاني: بعده، لم يعد هناك سوى احتمال ضعيف لتأسيس حكومة وطنية شرعية وعلمانية.
ليس المهم من يفوز في انتخابات شهر آب الرئاسية في افغانستان: سيكون فاقدا للشرعية لأنه منتخب. يبدو أننا لم نتعلم شيئا من فيتنام.
(عن مجلة «فورين بوليسي»)
