قرية عين غزال المهجرة
قلت في نفسي، ما الخطأ في العودة إلى تسمية الأمور والمواقع والقرى الفلسطينية بأسمائها الأصلية، بدء من الإشارة إلى اسم صاحب المقالة وأصل قريته ونشأته الفلسطينية الضاربة جذورًا عميقة في باطن الأرض والوطن. فهذا يشير انه كويكاني الأصل وذاك برواني وعمقاوي وسمراوي ومنشاوي وميعاري وداموني وهلم جرا، إلى ان نصل إلى كتابة وتدوين خمسمئة وثلاثين قرية ومدينة عربية فلسطينية جرى تشريد أهلها وهدم بيوتها ومسحها عن الخارطة الجغرافية الفلسطينية، على يد العصابات الصهيونية الإرهابية المسلحة في عام النكبة والمأساة 1948.
عُدت إلى جذوري منذ أسبوعين، حين بدأت أوقع واكتب مقالاتي الأسبوعية في الاتحاد باسم الكويكاني/ الابوسناني، وليس بالاسم العائلي وإنما بالانتماء إلى جذوري الأصلية مع الربط والإشارة إلى مكان إقامتي الحالية. ولكي يعرفني القراء والناس عمومًا بأنني انتسب إلى واحدة من عشرات بل مئات القرى الفلسطينية المهدمة والتي جرى مسحها من على وجه الأرض وبلدي كويكات هي واحدة من تلك القرى.
صحيح اني ولدت بعد اثني عشر عامًا على ارتكاب الجريمة الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني وبحق قريتي، ولكن جذور أهلي وآبائي وأجدادي تمتد لمئات السنين في باطن الأرض الكويكانية الفلسطينية. فأنا فلسطيني كويكاني الجذور والانتماء، دنوني (قرية دنون) الولادة أبو سناني المنشأ شيوعي وأممي العقائد والنضال، أسعى لتغيير الحال والواقع المر، بالعودة لجذوري الفلسطينية كي اهدم ما بناه الغزاة فوق تراب أجدادي واستعيد ملامح قريتي الفلسطينية، واحمل الشمس في وجه ظلامي وأعدائي.
بين أضلاع المثلث الثلاثة، تكونت شخصيتي وانتمائي السياسي والوطني، وهذه الأضلاع متساوية فالمسافة بين قريتي كويكات المهدمة، هي تقريبا نفس المسافة بين قرية دنون الفلسطينية حيث ولدت بعد النكبة بـ12 عامًا وقد غادرنا قرية دنون وأنا في الخامسة من عمري، إلى الضلع الثالث وهي قرية أبو سنان التي تبعد اقل من كيلو متر واحد إلى الشرق من كويكات، فرغم اللجوء القسري لعائلتي إلى أماكن بعيدة وكثيرة، إلا انها بقيت تحوم حول الأصل والجذور، مثل الحمامة التي تطير بعيدًا وقريبًا بحثًا عن حبات القمح والغذاء. ولكن تبقى تراقب عن كثب ما يجري لعشها وفراخها التي تشدها كلما ذهبت بعيدًا.
ولهذا تبقى قرانا الفلسطينية المهدمة وبأسمائها العربية الفلسطينية الأصلية هي الحكاية والرواية والجذور في تثبيت الحق المثبت في الوجدان الفلسطيني والشعبي والجماهيري. وعملية التثبيت تحتاج إلى أدلة وبراهين وكواشين ومستندات ومفتاح البيت، والمواطن الفلسطيني يملك كل ذلك وملامحه السمراء تدل على عمق انتمائه لهذه القرية أو تلك وللوطن ككل. فالقرية الفلسطينية الواحدة وأهلها المنتشرون سواء على بعد أمتار منها أو في أصقاع الأرض قاطبة يملكون أصل الحكاية والرواية وعلى امتداد صفحات التاريخ وطياته حين دونوا وحفروا عميقًا في باطن الأرض. فلم يجدوا ما جاء في الكتب والدراسات والمواعظ سوى ان الأرض الفلسطينية وما عليها وما في داخلها تعود لشعب فلسطين مهد الديانات السماوية الثلاث منذ الأزل وقبل وبعد طوفان سيدنا نوح عليه السلام، حين بشرت الحمامة التي أرسلها نوح من سفينته بان مياه الطوفان قد انحسرت وتراجعت وهي تحمل في منقارها غصن الزيتون، الذي هو علامة من علامات المحبة والسلام والوئام. وقد ارتبط اسم الزيتون منذ ذلك الحين بهذه الأرض الفلسطينية الطيبة والمعطاء، وكان الشعب الذي عاش فيها دهورا كاملة يزرع ويفلح ويجني ثمار هذه الشجرة الطيبة المباركة.
*جذور باقية بعد 65 عامًا*
يعتب عليّ صاحبي، حين عنونت مقالتي السابقة بالكويكاني الابوسناني وسأل، هل تريد العودة إلى الجذور، قلت نعم. قال وهل بقي لك جذور بعد 65 عامًا من المأساة والتشرد. قلت ان 65 عامًا هي نسبيًا فترة قليلة من عمر التاريخ والأحداث التي تعصف بعالمنا اليوم، وان هناك شعوبا وأمما تعرضت على مر التاريخ إلى الكثير من القتل والمعاناة والحرمان، ولكن يا صاحبي لا يضيع حق وراءه مطالب، وانه طالما الإرادة الوطنية متوفرة والقيادة السياسية حكيمة في توجهاتها، فان مطلب حق العودة ووضع كل الأمور على الطاولة في مفاوضات اليوم، من مطلب حق العودة لانه يوجد شعب لم يمت وان حقوقه الوطنية مضمونة حسب القانون الدولي، إلى موضوع القدس عاصمة للدولتين إلى ترسيم الحدود والمياه وقيام الدولة، وان على المفاوضين من كلا الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ان يعرفوا ان مطلب حق العودة وحقوق اللاجئين بالنسبة لنا، هي أهم من قيام الدولة، وإذا كانت حقوق اللاجئين بالعودة إلى قراهم تشكل الرقم الصعب بل الأصعب في عملية التفاوض الحالية والتي ستنتهي إذا كتب لها النجاح بعد تسعة أشهر من الآن، فان حكام إسرائيل سيلجأون إلى اعتبار قضايا مثل القدس والحدود والسجناء والمياه قضايا صعبة من اجل عدم الاقتراب من الرقم الصعب والمعادلة الأصعب وهي عودة اللاجئين إلى قراهم.
قلت لصاحبي ان الحكومة الحالية هي ليست الحكومة القادرة على صنع السلام وتجنيب شعبها الحروب والويلات، هذه الحكومة تقترب كل يوم من حافة الانهيار بهدف الوصول إلى نقطة الصفر. وهي تعد منذ فترة لجولة أخرى من الحرب سواء مع الفلسطينيين أو السوريين واللبنانيين أو حتى الإيرانيين، وسيبقى الوضع يراوح ما بين استمرار المساعي وتوجيه البنادق والمدافع والصواريخ والطائرات إلى ان يصحو الشعب على نفسه من طول غفوته ويأخذ بزمام الأمور في إيجاد قيادة حكيمة تذهب إلى مفاوضات سلام عادلة وأساسها التعايش وبناء علاقات حسن الجوار على أساس الحقوق الكاملة لكل طرف من الأطراف.
واجب الشعب في إسرائيل والذي يجري التحدث باسمه وتزوير إرادته، بانه حان وقت خلع قيادات الحكم وتغيير الخارطة السياسية في البلاد التي تنسجم مع تطلعات شعوب المنطقة والشعب الفلسطيني.
إن أشد ما يمقت هذه الحكومة وحكام إسرائيل والحركة الصهيونية ككل هو استمرار التذكير والكتابة عن المأساة الفلسطينية وعام النكبة وحياة الشعب الفلسطيني المشرد وسيناريو التهجير وتدمير الـ530 قرية فلسطينية.
تصور يا صاحبي ان كل قرية وموقع فلسطيني وسكاني له مكانته وموقعه في الجغرافيا التاريخية والثقافة الفلسطينية، وفي رسم وتجسيد الحكاية والرواية الفلسطينية. وإذا جمعنا عشرات ومئات الأسماء والمعاني واستمعنا إلى مختلف النصوص والحكايات عن الإنسان الفلسطيني ومسمياته من جباله ووديانه وسهوله وزيتونه وصبره وتينه ولوزه وينابيعه وغيرها، سوف تجد في نهاية المطاف لوحة فسيفسائية متكاملة عن المجتمع والحياة الفلسطينية على تلال وروابي وسهول فلسطين. فحكام إسرائيل بادروا وسعوا إلى نسف وشطب وتدمير وإبادة وإفناء كل شيء مرتبط بتاريخ واسم هذا الشعب، فالمعركة مستمرة على الاسم والمعنى والموقع على الأرض والإنسان الفلسطيني، لدرجة ان سياسة التدمير وتزوير المواقع وطمس معالمها العربية الفلسطينية وكذلك تزوير التاريخ هي احدى ركائز الحركة الصهيونية وحكام إسرائيل حتى اليوم.
(كويكات / أبوسنان)
