يمكن لرئيس حكومة إسرائيل الماجدة أن يُفاخر! فلديه وزير أنعمت الأيّام عليه بملـَكة الدعابة. وهي خصلة حميدة محمودة لما فيها من وقع لطيف على الأنام. فمحبّو الدعابة في جميع ثقافات الشعوب، ويا لجمال جميع الشعوب وثقافاتهم، يراكمون فصولا فريدة من التاريخ الشفويّ، تحمل من الأصالة والصدق والعفويّة ما يفوق سائر الفصول المدوّنة تحت أعين السلطات الساهرة، قلقًا. فأيّ موقع، مهما نأى أو صغُر، لا تحفظ أجياله فصولا من قصص الدعابة ونوادر خفيفي وخفيفات الظلّ؟
هذا الوزير "المزّيح" إسمه يتسحاق أهرونوفيتش، وقد انتخبته جموع شعب اسرائيل ممثلا لها في البرلمان ضمن حزب "يسرائيل بيتينو" (إسرائيل بيتهم!) ومن هناك قفز الى الوزارة. وقد وصلت به روح الدعابة مبالغ حمّاريّة هذا الأسبوع، إذ قال لشرطيّ سريّ (!) من محطة بوليس تل أبيب: "أنت تبدو مثل عربوش حقيقيّ". وجاء هذا القول النّغش ردًا من حضرة الوزير على اعتذار ذلك الشرطيّ له عن أنه ملطّخ الهيئة.
إذًا فالتداعي الأول في دماغ الوزير ردًا على من يعتذر أمامه عن قذارة حاله، هو استحضار العرب. وليس هذا فحسْب، بل استعادتهم دماغيًا بصفة التحقير "عربوش". لكن هذا السّلوك الوزاريّ الجلِف جلب على أهرونوفيتش المتاعب، فكيف يفسّر حركة نويروناته العنصرية للرأي العام؟
لقد أعلن مكتبه الوزاريّ، قبل أن يدفع ضريبة اعتذار كلامية سريعة الذوبان، أن سيادة الوزير قال ما قال "في لحظة من الدّعابة، وبروح النكتة". من جهتي، سوف آخذ تعقيب مكتب سعادته على محمل الجدّ، على سبيل أن التصريحات الخارجة من ردهات الوزارات ليست مجرّد دعابة، حتى ولو كان مضمونها يتحدّث عن روح الدّعابة.
أو كي إذًا. هيّا نمازح الوزير المُنعم بروح الدّعابة، ولنقتدِ به كصاحب نكتة، ومع رفع الكلفة أيضًا، عملا بالفصول البشوشة في ميراثنا القرويّ المائيّ المقولة، صوّانيّ المضمون، وشوكيّ الوخز:
سعادة الوزير، أنت تبدو مثل ضفدع مصاب بإنفلونزا الخنازير، مثل ذبابة مُتخمة، مثل ضبع ممغوص، مثل زاوية تشكّل مبولة عامّة، مثل جرذ أغبر مفلّس، مثل سمكة متروكة منذ أسبوع في قيظ آب..
هنا سأسارع طبعًا للقول: ولا إشي، سعادة الوزير، "عمبمزح معك"..
وكذلك: سعادة الوزير، أنت تبدو مثل عنصريّ وضيع، مثل نازيّ جديد، مثل ملوّث بالاستعلاء، مثل مزكوم بوهم الاستقواء الذي سينقرض لا محالة، مثل بالون منفوخ بالعنف الدموي، مثل نتاجٌ حقير لمؤسسة بطش واهمة، مثل أيّ متغطرس مارق، مثل عضو كامل الحقوق في مزبلة التاريخ..
هنا سأسارع طبعًا للتوضيح للوزير: انا لا أمزح معك!
هذا السيّد المذكور أعلاه، كما يخبرنا موقع الكنيست، حاصلٌ على شهادة البكالوريوس في موضوع التاريخ العام. وهو برتبة مقدّم في الشرطة، كان نائب مدير الشرطة العام في السنوات ما بين 2002-2004 - مدير شركة الباصات "دان" في السنوات ما بين 2004-2005، نائب رئيسة الكنيست في الكنيست الـ 17، وهو عضو في لجان الكنيست التالية: الخارجية والأمن، الداخلية، البيئة، ومكافحة المخدرات. أيّ أنه شخصية كان يُفترض أن يصحّ اعتبارها جديّة، ينظر اليها الناس بتقدير، وقد يرى فيها البعض نموذجًا يُقتدى. لكن المشكلة أننا في إسرائيل!
تساءل البعض عمّا كان سيترتّب على مقولة بحقّ اليهود بهكذا مستوى منحطّ!. وتساءل آخرون عن الفرق بين هذه المقولة وسياقها وبين السياق الأوروبي الذي قـُتلت فيه جموع من اليهود وسط وصمهم بالتسمية التحقيرية Jid! وتوقف بعضٌ آخر عند "السهولة غير المحتملة" في اطلاق التفوّهات العنصريّة في اسرائيل!
إنها تساؤلات هامة، لكن الإجابة عليها بسيطة، ويا لتعقيدات البساطة.. ففي اسرائيل 2009 التي تتغذى من مستنقعات الاحتلال، القمع، التهجير، العنصرية، الاستعلاء، العنف، الشوفينية، الرأسمالية، التبلّد، التعصّب القومي، الانغلاق الأخلاقي – ستنتج مثل هذه الحثالات. وبما أنها تعيد إنتاج نفسها على الدوام، فيما لم يعِ المُصاب مرضه الفتّاك ولم يسارع إلى تدارك حاله، بعد، فإنه إنما ينتج انتحاره بيديه. فليست الأسماك وحدها التي تعفّن من رأسها، بل الدول والامبراطوريات مهما استقوت ومهما بطشت. وطالما تمضي هذه الدولة متكتمةً على مرضها الكولونياليّ العنصريّ العُضال، ويا للغباء، فلن ينتظرها سوى الهاوية. أمّا من تبقى من متعقّلين فيها، فلهم في التاريخ عبرة! وهو قاسٍ لا يرحمُ ولن يرحمَ، إلا من نظر فيه فاعتبر.. ولتبقَ ذكراك عطرة يا كارل ماركس بما قرأته في التاريخ من قوانين لا تحتمل المزاح.. ومثلك الشاعر أبو العتاهية القائل: "الدهر ذو دولٍ.."!
