بِلا هذا البَلاء

single


لقد جمع المذياع النَّاس حوله، منذ اكتشافه، ليستمعوا الى آخر الأخبار والمستجدَّات والأنباء ومنوَّعات أخرى من البرامج التَّرفيهيَّة والمسليَّة والفنيَّة، إذ كانت لَمَّته جميلة ومسليَّة وجامعة، خاصَّة عندما كانوا يبثُّون عبر الأثير أغاني لمطربين ومطربات من مختلف الأقطار العربيَّة، وتبدأ تعليقات المستمعين المستمتعين بهذه الأصوات الرَّنَّانة، حول الصَّوت واللحن والموسيقى والكلمات والشَّاعر، ويتناقشون حول انتقال البثِّ إلى مكان وجودهم وكيف يمكن لجهاز الرَّاديو أن يستحضر مطربًا أو مطربةً ويضعه في داخله وكيف أنَّ العين الحمراء، عين الجنِّ، في وسطه تراقب جمهور الحاضرين، كذلك كانت تدور نقاشات حول هذا الخبر أو ذاك، يخصُّ جيش الحلفاء أو حديثًا عن ثورة البلاشفة أو عن أخبار مجازر كفر قاسم ودير ياسين وقبية ودير القاسي..
لقد كان المذياع (الرَّاديو) جهازًا جامعًا، وكلمة مذياع تعني: أن تشيع الخبر والأمر وأن لا تكتُم السِّرَّ..
في الآونة الأخيرة وبعد تطوير وسائل البثِّ والبريد والهاتف، اخترعوا جهاز الإنترنت الثَّابت والمتنقِّل والهواتف الجوَّالة، ومنهم من بدأ يقول إنَّ هذا العالم الواسع والضَّخم بمساحة كرته الأرضيَّة وسكَّانها أصبحت قرية صغيرة مباحة الأسرار ومذيعة الأخبار وناشرة الافكار، حيث تذيع وتشيع جميعها، فمنها الصَّادقة والأمينة التي تريد الخير للعباد ومنها الكاذبة والمُلفَّقة والتَّحريضيَّة التي تبثُّ الفتنة والاقتتال والاحتراب والضَّغينة وتعيث في الأرض الفساد..
ما شدَّ انتباهي هو جهاز الاتِّصال الجوَّال (الهاتف المحمول)، خاصَّةً ذو الصَّرعة الأخيرة
والمُسمَّى آيفون، والذي بدأ يشُدُّ اهتمام حامليه ويسرق انتباههم ويأسرهم داخله، مثل صندوق العجب، "تع تفرَّج يا سلام على عجايب الزَّمان تع وشوف صندوق الاحلام" لدرجة أنَّهم أصبحوا عبيدَ وأسرى الجهاز.
يجب على الاختراع أن يكون خادم الانسان، لأنَّ الحاجة أمُّ الاختراع الذي عليه أن يعمل على راحته واستراحته، ويضع العالم بين راحتيه لرفاهه، لكنَّ الحقيقة هي عكس ذلك فتجد جماعة من الخلان يجلسون مع بعضهم البعض وكلُّ واحدٍ مشغول في آيفونه، أيقونته المقدَّسة، غير مبال لما يدور حوله وكأنَّهم اجتمعوا واتَّفقوا على أن يتفرَّقوا دون أن ينتبهوا أنَّهم التقوا ليجتمعوا سويَّة ويتحدَّثوا سويَّة عن أمور وهموم مشتركة أو مختلف عليها، فتجد كلَّ واحد منهمكًا يحادث جهازه، مشدوهًا به مفتونًا بصوره وألوانه ويراقص أصابعه على الشَّاشة، متنقِّلةً بين الاحرف والأرقام من خلال صفحات عديدة تتنقَّل بينها بلمسة إصبع، فمنهم من يضحك لرسالة أو نكتة أو صورة استلمها، أو يحزن لخبر أو حادثٍ، ناسيًا ما جمعه مع رفاقه وإخوانه، غير مبال لوجودهم.
وأحيانًا تجد افراد العائلة الواحدة في البيت في غرفة الاستقبال، يشاهدون التِّلفاز الذي يبثُّ فيلمًا أو برنامجًا وكأنَّه "طبل عند أطرش" لأنَّ "الطُّرشان" الحاضرين مشغولون في أجهزتهم، من رأس العائلة إلى أخمصها، "فإذا كان ربُّ البيت بالدَّفِّ ضاربًا فشيمة أهل البيتِ كلِّهم الرَّقص"، وتذهب التَّربية في مهبِّ الرِّيح..
لنراقب أنفسنا، وننزع عن معصمينا قيود هذه الصَّرعة الآسرة، "فكم هو جميل أن تُراقب نفسك" ونفتِّش عن الذي يجمعنا لتتماسك أواصر علاقاتنا، فنكون عائلة وثلَّة ومجتمعًا متفاهمًا مترابطًا ورابطًا متراصًّا، يأخذ الاختراعات والاكتشافات ويسخِّرها لمصلحة الإنسان والإنسانيَّة ونختار التَّطوُّر والتَّقدُّم، لأنَّ إنسانيَّتنا في إنساننا وفي داخل كلِّ فرد منَّا..
 فإمَّا حياة بِلا هذا البَلاء أو نقول: بَلَى لهذا البَلاء أو أنَّ خير الأمور وسط، ونأخذ اليقين الذي ينفع النَّاس، ويخدمهم ويطوِّرهم ويبقى في الأرض..

 


 حيفا

قد يهمّكم أيضا..
featured

وجهة نظر حول تهمة "عرقلة عمل شرطي"

featured

أبراهام بورغ وأيمن عودة

featured

أي مؤتمر نريد ولأي حزب نسعى

featured

المشروع القومي العربي..الى أين؟!

featured

عباس يقول لا لأوباما

featured

شرطة قمع وكذب بالقدس

featured

الفقر والمجاعة من أبرز مؤشرات "النمو الاقتصادي" في اسرائيل !

featured

هويّةٌ مزعومةٌ بل مُختَلَقَةٌ