ما بين السّرعة وبين البطء

single


نقول "في العجلة النّدامة وفي التّأنّي السّلامة" ونردّد "العجلة من الشّيطان" وكأنّ الشّيطان الرّجيم يحمّسنا و "يزقّنا" و "يدفشنا" جسدا وفكرا، لسانا وعقلا، فنقول ما نقوله ونفعل ما نفعله. وحينما نتعلّم قيادة السّيّارات نقرأ حكمة السّياقة "لا تسرعْ فالموت أسرع" ولكنّ هذه الحكمة تزول وتمّحي يوميّا على شوارعنا.
نحن شعب يحبّ السّرعة في حياته وفي تصرّفاته. نتناول طعامنا بسرعة ونقول ما قاله أجدادنا "غُبْ غبّ الجمال وقومْ قبل الرّجال". وجاء في كتب التّراث أنّ جماعة شاهدوا إعرابيّا يلتهم جديا مشويّا فقال له أحدهم: هل بينك وبينه عداوة؟ فأجاب: هل هناك علاقة قربى بينك وبين أمّه؟
يجلس الأوروبيّون حول المائدة يتناولون طعامهم لمدّة ساعة أو ساعتين. يمضغون الطّعام ببطء ويتلذّذون به ويناقشون موضوع السّاعة ويتندّرون بالفكاهات فهناك طقوس وتقاليد عندهم للطّعام وأمّا نحن فنتناول طعامنا خطفا. يحضر مئات المدعوّين إلى مأدبة العرس فيأكلون اللحم والأرزّ واللبن والكبّة النّيّئة في دقائق. هل نفعل ذلك لأنّ آباءنا وأجدادنا الأعراب اعتادوا تناول الطّعام من المناسف وهم واقفون أم لأنّنا أبناء عائلات كثيرة الأولاد يجتمع أفرادها حول الصّينيّة أو اللجن ولا يفوز بحصّة الأسد إلا الجسور السّريع؟
ونحن نغضب بسرعة. نغضب مثلا من قرار أمريكيّ يتناقض مع قضيّتنا فنشتم  البيت الأبيض ورئيسه وهما يستحقّان الشّتم يوميّا عدد ما يقرأ المسلم المتديّن سورة الفاتحة، ونغضب من تصريح بريطانيّ يتضادّ مع مصالحنا فنلعن لندن، ملكةً ورئيسا، وهما يستحقّان اللعنة يوميّا منذ مائة عام ولكنّ سرعة غضبنا تعادل سرعة هدوئنا فنحن كما قال شيخ حكيم منّا "مثل قنّينة الكازوز نفتحها فتثور بسرعة وتهدأ بسرعة إلى الأبد".
ونتّخذ قراراتنا بسرعة تفوق سرعة أصواتنا أحيانا، ونقود سيّارتنا بسرعة، وندفن أمواتنا بسرعة، وننساهم بسرعة، ونخوّن قائدا ونشتم ملكا ونسبّ رئيسا ونعلنها حربا شعواء على شاعر أو كاتب أو فنّان أو مناضل وطنيّ بسبب جملة قالها ولم تعجبنا، أو بسبب ندوة شارك فيها، وسرعان ما نعود نصفّق له كأنّ شيئا لم يكن.
نحن نحبّ بسرعة كأنّنا نختلس الحبّ اختلاسا أو كأنّها فرصة المختلس كما قال الشّاعر، ونكره بسرعة وننسى بسرعة ونصفح بسرعة، ولكنّ هذه السّرعة، ويا للعجب، لا تقترب منّا في قضايا عديدة، فمنذ عقود وربّما منذ قرنين ونحن نسير ببطء مثل السّلحفاة كي ندخل إلى الثّورة الصّناعيّة وإلى دنيا التّكنولوجيا وميادين الحداثة وروح العصر وما زلنا بعيدين.
استقلّت معظم الدّول العربيّة من الاستعمار في العقد الذي استقلّت فيه الصّين فأين عالمنا العربيّ وأين الصّين؟
دمّر الغرب اليابان في الأربعينات من القرن الماضي، في الحرب العالميّة الثّانية، وفرضوا عليها شروطا وقيودا، أعني في العقد الذي استقلّت فيه دول عربيّة عديدة، فأين اليابان اليوم وأين الدّول العربيّة؟ بل أين ماليزيا وأين الهند وأين كوريا وأين عالمنا العربيّ؟
كم جامعة عربيّة في المائة الأولى أو في المائة الثّانية من جامعات العالم؟ وكم عالِما عربيّا فاز بجائزة نوبل في الطّبّ أو الاقتصاد أو الفيزياء أو الكيمياء أو الرّياضيّات؟ وكم اختراعا مسجّلا على اسم عالم عربيّ؟
يا لها من سرعة لا تنفعنا، ويا له من بطء يهمّشنا ويبعدنا عن قلب العالم !!


قد يهمّكم أيضا..
featured

كلام في الهواء

featured

من يترحم على المظلومين لا يقترف الجرائم والتسبب بظلمهم

featured

هل تتوقع القيادة الفلسطينية أيّ خير من أنظمة الخليج؟!

featured

الطفلة رفيقة.. ومانيفست الضحية!

featured

نحمي دارنا وأهل دارنا أولا ونتبرع لغيرنا بما زاد من جهد

featured

وما من طاعة للظالمين

featured

شهادة للتاريخ والأجيال

featured

نحن مع إنهاء الانقسام، ولكن ليس على أساس المحاصصة بين فتح وحماس