نحمي دارنا وأهل دارنا أولا ونتبرع لغيرنا بما زاد من جهد

single

   قياداتنا نحن العرب في إسرائيل تغذي الخطاب المتطرف، وتقتات هي منه، ليس كلها بل أكثرها، ولا حديث لغالبيتها إلا إسرائيل والغرب والولايات المتحدة. هذه القيادات حاولت إقناعنا بان الشعوب العربية لا وجع في جسدها إلا ما يأتي من الغرب وإسرائيل بالطبع.
  وكان يا مكان، ليس في قديم الزمان، ثار الشعب التونسي وانتفض على بن علي "عميل أمريكا وإسرائيل"، لم نر علما أمريكيا يحرق، لم نشاهد شعارا مكتوبا يشتم أمريكا، ولم نسمع صيحات العداء حتى ضد إسرائيل. وقلنا ان تونس بعيدة عن إسرائيل وفلسطين.
  ثم كان بعد ذلك ما كان في مصر، وأشفقت على سفيري مصر والولايات المتحدة من غضب الشعب المصري، لكن المشهد المصري لم يختلف عن المشهد التونسي، لا أمريكا ولا إسرائيل ولا غزة فلسطين لهم في الأحداث علاقة من قريب أو بعيد، وحتى أكثر التيارات المصرية تطرفا، سارعت للتأكيد على احترام كل اتفاقيات مصر السابقة ومنها "كامب ديفيد".
  وما أمر ليبيا على غير ما سبق، وهكذا في اليمن وفي البحرين، في الأردن والسعودية وعُمان وفي كل بلد آتٍ عما قريب. مع أن بعض "جهابذة" فلول المحللين الحالمين يصر على أن كل هذه الثورات تتفجر من غضب على الكيان الصهيوني ونصرة لشعب فلسطين القابع تحت حكومتين ونظامين من فوقهما إسرائيل وجريرتها الولايات المتحدة. هؤلاء يحللون بنفس عقلية الحاكم العربي المستبد الذي انقطع عن الشعب تماما ولا يدرك إطلاقا أن الشعب لا يفهمه وهو لا يفهم لغة الشعب، والمحللون الجهابذة إياهم منقطعون عن الناس والشعوب، وهم يحللون تحت طلب أسيادهم، أو يحللون حسبما يعتقدون أنها رغبة أسيادهم.
  نحن هنا، خطابنا عالٍ بكل ما يتعلق بغيرنا، وبدأنا ننقطع عن قضايانا الهامة والملحة، نشبع الحكومة كلاما ثوريا عنيدا، فتشبعنا الحكومة تمييزا وتهميشا، نفضل مصلحة الأنظمة العربية على مصالحنا، ونتبارى من منا يتخذ مواقف أكثر صخبا، ومن المؤسف أن بعض الأحزاب والقيادات انجرت خلف خطاب غير عملي وغير واقعي اتخذه البعض الآخر.
   وإذا كان وفد التواصل مع ليبيا يعترف انه اخطأ، فمن المنطقي أن نقول نحن الذين انتقدنا هذا التواصل مع القادة الطغاة بأننا نقبل هذا الاعتراف بالخطأ، لكن لا يمكن أن يُستخف بعقولنا إلى درجة أن عزمي بشارة صديق القذافي، يخرج علينا ليفسر لنا طبيعة النظام الليبي وينظر للشعب الليبي، ويرشده سواء السبيل!! هذا كثير كثير!! هذا فوق طاقتنا على التحمل.
   من حق الشعوب العربية أن تضع برنامج أولوياتها، يحق لكل شعب عربي الحرية، العمل، المشاركة في اتخاذ القرار، في الترشح والانتخاب، يحق له العيش بكرامة في وطنه، ولن تغني كل الشعارات مهما علت عن الحرية، وإذا كنا بحاجة إلى التواصل مع العرب، فان هذا التواصل لن يجدي أو يؤتي ثمارا مع شعوب مقموعة، عاطلة من العمل، مكممة أفواهها، خائفة يائسة. من واجبنا إن كنا نحب الشعوب العربية أن ننتقد الأنظمة العربية الفاسدة، فمما نخاف؟ ومن واجبنا، برأيي، أن نقول لأنظمة العرب، بان الكيان الصهيوني ارحم بالعرب فيه من أي نظام عربي بمواطنيه. ويجب، برأيي، أن نقول لهذه الأنظمة بأننا نرضى بالعيش تحت أي حكومة إسرائيلية مهما كانت متطرفة على العيش في هكذا أنظمة عربية.
   من أجل أن يجد متزعم عندنا مقعدا لقفاه عند هذا النظام العربي أو ذاك، يبيعنا شعارات ثم يبيعنا لمزيد من العنصرية، يطلقون شعارات تمكنهم من الحصول على شهادة بالوطنية أو التقوى من القذافي وبشار وهنية  والبشير واحمدي نجاد و"العبادلة" والأمراء الغارقين في الثراء، كل ذلك على حساب تحالف ممكن، أو تفاهم ممكن مع قطاعات من الأغلبية اليهودية في البلاد. وإذا أدركت الجماهير بان هذه الأحزاب والقيادات عاجزة عن حل مشاكلها عن قصد أو قلة حيلة، فان هذه الجماهير ستدير ظهرها للقيادات العربية، وقد تعود مرتعا للأحزاب الصهيونية على أمل أن تجد حلا لمشاكلها.
  لا أحد منا يتخلى عن السلام العادل وان يأخذ كل شعب حقوقه، لكن لا أحد يرضى بان تهمش حقوقه وتضيع مطالبه العادلة من اجل شعار لا يساوي في الواقع لا حبره ولا الورق المكتوب عليه.
  كل شعب يعرف مصلحته، وكل مجموعة سكانية في أي مكان على الأرض تعمل لمصلحتها أولا، ثم تأتي مصالح الآخرين في مقام ما إلى الخلف، أما القيادات العربية، فيبدو أنها في غالبيتها الساحقة لا مصلحة لها إلا نفسها ثم نفسها وفقط في المكان الأخير نفسها.
  وأتمنى على الجبهة الديمقراطية التي كانت دائما بوصلة سياسية، وطنية، ومسئولة أن  لا تنجرف خلف الشعارات البراقة الكاذبة، وأن تبقى مصلحتنا الوطنية والاجتماعية والسياسية هدفا واضحا، وتحمي هذا الهدف من أي تشويه.
  ألسنا في ضائقة من حيث مساحات البناء والسكن؟ ألا مشاكل بطالة لدينا؟ ألا يتعلم طلابنا خارج البلاد بباهظ الثمن ثم يتخرجون ولا يجدون عملا؟ ألا تصرخ بلداتنا من انعدام المناطق الصناعية؟ أين نحن من "الهايتك" الذي تتفوق فيه إسرائيل؟ ألا تعاني كل بلداتنا من جمود في إنشاء مؤسسات، والرئيس الشاطر من يدفع أجور الموظفين ويرقع الشوارع؟ كل فرد سيعدد كل النواقص التي تحتاج منا تكاتفا وتجنيد كل من نستطيع تجنيده من اليهود للحصول على ما حرمنا منه. أليست المعركة على استرداد ما صودر من أرضنا أجدى وأكثر إقناعا من جانبنا من الصعود على مرمرة ومن ثم الإعلان عن إضراب مرمرة دون أن نفهم على ماذا اضربنا!
  وصرت على قناعة كاملة بأن كل قيادي عندنا، وحين يفشل في خدمة الناس الذين انتخبوه، يبحث عن شجرة عالية يتسلقها، ومن هناك يجلدنا بشعارات فارغة، فيقل الطحن كلما علت الجعجعات. وأصابنا ما اصاب المرأة التي تركت ابنها يبكي وراحت لتسكت بكاء ابن الجيران.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"الاتفاق" وأعداء استقرار المنطقة

featured

هكذا يقضي سكان غزة سنتهم الجديدة

featured

ربحوا الحرب وخسروا انسانيتهم

featured

وشكرًا لحكومة الغباء

featured

الحقيقة العارية-علياء المهدي

featured

رنين الذهب يعمي البصر والبصيرة

featured

سحِّيجة نتنياهو وطبل موفاز

featured

ناح النواح... والنواحة؟