* التعريف:
الحمى الرثوية مرض التهابي يحدث كتظاهرة متأخرة للإصابة بخمج بلعومي بالعقديات من الزمرة أ. ويصيب بشكل رئيسي كلا من القلب والمفاصل والجملة العصبية المركزية والجلد والنسيج تحت الجلد. والتظاهرات المألوفة في طوره الحاد هي التهاب المفاصل المتعدد والمتنقل والحمى والتهاب القلب.
هذا ولا يوجد للحمى الرثوية عرض وحيد مميز وعلامة معينة خاصة أو فحص مخبري مشخص، وان كان اجتماع ذلك كله يعتبر مشخصًا.
ومع أن كلمة "الحمى الرثوية الحادة" تؤكد على إصابة المفاصل إلا أن كلمة الحمى الرثوية بحد ذاتها تنطوي خاصة على أهمية الإصابة القلبية، التي تميت في الطور الحاد أو ان تؤدي إلى الداء القلبي الرثوي كحالة مزمنة ناجمة عن تندب صمامات القلب وتشوهها.
* الأسباب والأمراض:
يمكن ان تلخص العلاقة السببية بين العقديات أ والحمى الرثوية كما يلي:
1. هناك الكثير من الدراسات السريرية والوبائية التي تظهر العلاقة الصميمية بين خمج العقديات أ والحمى الرثوية.
2. يمكن في معظم الأحيان كشف خمج العقديات السابق مناعيًا في المراحل الحادة من الحمى الرثوية بازدياد أضداد المستضدات العقدية.
كما ان الدراسات المتواصلة على الحالات المراقبة تبين ان الحمى الرثوية تحدث فقط بعد خمج سابق بالعقديات.
3. يمكن الوقاية من الهجمة البدئية أو الثانوية لهذا الداء بمنع حدوث خمج بالعقديات بإعطاء الصادة المناسبة. ولا بد من الطريق البلعومي للخمج العقدي لبدء الإصابة الرثوية، بينما لا تسبب الإصابة الجلدية بالعقديات ذلك.
ولا تزال الآلية التي تسبب بواسطتها العقديات أ الداء الرثوي مجهولة.
* الحدوث والوبائيات:
قد تحدث الحمى الرثوية في كل الأعمار إلا أنها نادرة جدًا في الرضع. وأكثر الإصابات مشاهدة ما بين سن 5 و 15 من العمر.
هناك عاملان مهمان قد تأكدت قيمتهما في إحداث هجمات الحمى الرثوية وهما:
1. فترة بقاء العقديات أ في البلعوم أثناء فترة النقاهة من الخمج البلعومي.
2. مقدار الاستجابة المناعية للخمج العقدي السابق.
إن لعوامل البيئة وللعوامل الجرثومية دورًا في حدوث الحمى الرثوية لا يقل أهمية عن دور شدة الخمج العقدي ومعاودته.
ومن هذه العوامل أيضًا المنطقة، والارتفاع، والتجمعات السكانية، والطقس الرطب، والحالة الاقتصادية والعمر. فهذه العوامل كلها تؤثر في إحداث الحمى الرثوية لأنها تتعلق بخمج العقديات بشكل عام.
تزداد هجمات الحمى الرثوية التالية لخمج العقديات عند مريض أصيب سابقًا بهجمات رثوية، وذلك بسبب فوعة للخمج الجديد كما ان نسبة نكس الهجمات الرثوية التالية لخمج العقديات في المرضى المصابين بالداء القلبي الرثوي، اكبر منها فيمن لم يصابوا بآفات قلبية رثوية في الهجمات السابقة. وكلما تقدم العمر قل احتمال تواتر نكس الحمى الرثوية.
هذا وان اختلاف نوعية الخمج العقدي السابق يؤثر على تطور حدوث الحمى الرثوية. ولكن لا يعرف حتى الآن على وجه اليقين مدى ارتباط هذه المضاعفات بالعوامل الارثية أو المكتسبة.
ولقد هبطت نسبة وفيات الحمى الرثوية الحادة خلال الـ 30 سنة الماضية باستمرار ولكنها لا تزال سببًا رئيسيًا في الوفاة عند الأطفال واليافعين. كما أنها تبقى سببًا هامًا لأمراض القلب دون سن الأربعين. وتأتي بالدرجة الثانية بعد فرط التوتر الشرياني والتصلب العصيدي، عند المتقدمين في السن.
ويعتقد عمومًا ان حدوث الحمى الرثوية شأنه شأن التهاب البلعوم المؤلم بالعقديات قد نقص خلال الأعوام الأخيرة في البلاد التي تحسنت فيها الشروط السكنية والحالة الاقتصادية.
ومن المحتمل ان يكون النقص في معدل الحدوث هذا قد تسارع بفضل استعمال الصادات أو بسبب نقص انتشار العقديات المسببة للحمى الرثوية.
ومع ذلك تبقى الحمى الرثوية منتشرة في العالم اجمع، إلا ان انتشارها أوسع في المناطق الفقيرة اقتصاديًا وفي المجمعات المكتظة، وفي المناطق ذات المستوى السكني المتدني.
* التشريح المرضي:
تنتشر آفات الحمى الرثوية في كل الجسم، ولا سيما في النسج الضامة. وتحدث الآفات الالتهابية البؤرية خاصة حول الأوعية الدموية الصغيرة.
* الآفات القلبية الوعائية:
يكون القلب موضع معظم التظاهرات الرثوية. وقد تصاب كل طبقاته والشغاف والعضلة القلبية والتأمور. وقد أطلق على هذه الإصابة الشاملة اسم "القلب الرثوي الشامل". والنمط النوعي للالتهاب الرثوي "جسيمات أشوف" التي تشاهد في العضلة القلبية على شكل حبيبات، فإذا وجد هذا الشكل الوصفي من الالتهاب في العضلة القلبية، كان واصمًا للحمى الرثوية.
يسبب التهاب الشغاف الرثوي التهاب الصمامات الرثوي الحاد، ويؤدي إلى أكثر الآفات القلبية ثباتًا وتخريبًا وخطورة. فقد تتندب ملتقيات الصمامات والحبال الوترية وتتمسك وتلتصق محدثة فيها درجات مختلفة من القصور والتضييق ويفضي هذا التشوه إلى نقص وظيفة القلب والصمام التاجي أكثر الصمامات إصابة، يليه الابهري أما مثلث الشرف فإصابته قليلة، ولا يصاب الصمام الرئوي أبدًا.
* الآفات خارج القلب:
تتميز الإصابة المفصلية بكونها نتيجة أكثر من كونها تكاثرية. وتندمل هذه الآفات دون ان تحدث ندبات أو تشوهًا. وأما العقيدات تحت الجلد فتشاهد في الطور الحاد من المرض، وتتألف من آفات حبيبية مع تورمات ليفانية في الحزم الغرائية تحت الجلد، كما تشاهد تجمعات خلوية كبيرة حول الأوعية. أما التهاب المصليات فخفيف عادة وغير نوعي والآفات الرئوية والجنبية اقل وضوحًا ووصفية. وان التظاهرات التشريحية المرضية في الجملة العصبية المركزية غير ثابتة، ولا توجد آفات مميزة تفسر التظاهرات السريرية. وأثناء الرقص الحاد يبقى السائل الدماغي الشوكي سويًا دون زيادة في الخلايا والبروتين. ولا يوجد تبدل يذكر في نسب البروتين.
* الأشكال السريرية:
تتجلى التظاهرات السريرية الرئيسية في الحمى الرثوية بالتهاب المفاصل العديد، والتهاب القلب وداء الرقص (الكوريا) والحمامي الهامشية والعقيدات تحت الجلدية.
* التهاب المفاصل:
تتظاهر الهجمة التقليدية للحمى الرثوية بشكل التهاب في المفاصل عديد ومتنقل وحاد ويترافق بأعراض وعلامات مرض حموي حاد. ولا يوجد أي مفصل منيع على الإصابة، إلا ان المفاصل الكبيرة أكثرها إصابة، فيشاهد التهاب مفاصل اليدين والقدمين والظهر. كما يشاهد التهاب المفصل القصي الترقوي أو الفكي الصدغي. يحدث انصباب في المفاصل ولكنه ليس دائمًا. وحالما يزول الألم والتورم من احد المفاصل تبدأ الإصابة في مفصل آخر. ومع ان تنقل الالتهاب المفصلي هو من الصفات الوصفية للمرض ولكن قد تصاب عدة مفاصل كبيرة في آن واحد.
وللجزم بوجود الحمى الرثوية في التهاب المفاصل العديد، يجب ان تشمل الإصابة المفصلية مفصلين أو أكثر، وان تترافق أيضًا بعلامتين صغيرتين على الأقل كالحمى وارتفاع سرعة التنقل وان تترافق بارتفاع عيار الأضداد A.S.O.
التهاب المفاصل العديد المتنقل هو الشكل السريري الأكثر انتشارًا ويحدث عند 70% من الأطفال المصابين بمرض الحمى الرثوية.
* التهاب القلبي الرثوية الحاد:
يتظاهر التهاب القلب الرثوي الحاد أولا بنفخات في القلب سواء نفخات قصور التاجي أو قصور الابهر، والأولى أكثر حدوثًا. وفي الحالات الأكثر شدة قد تشاهد أعراض وعلامات التهاب التأمور، أو قصور القلب الاحتقاني، وقد يموت المريض في الطور الحاد من المرض بقصور القلب أو يبقى عنده عطب في الصمامات يفضي فيما بعد إلى اضطرابات خطيرة جدًا.
وتختلف شدة التهاب القلب من الشكل الصاعق ذي السير المميت، إلى الأشكال الخفيفة غير الظاهرة من الالتهاب ويجب ألا يغيب عن بالنا ان الغالبية العظمى من المرضى المصابين بالتهاب القلب لا يشكون من أعراض قلبية، والتي لا تحدث إلا في الحالات الأكثر شدة، عندما يحدث قصور القلب أو انصباب التأمور،حيث تشاهد الأعراض القلبية الوصفية.
فإذا لم تكن هناك أعراض رثوية خارج القلبية – كالتهاب المفاصل العديد أو داء الرقص فقد لا يشخص المريض المصاب بالحمى الرثوية على شكل التهاب قلبي فقط إلا بعد مرحلة متأخرة من العمر، حيث قد تكشف الإصابة القلبية الرثوية دون وجود سوابق واضحة لحمى رثوية في الماضي.
وعندما يظهر الالتهاب القلبي قد يحدث تسرع في القلب لا يتناسب مع درجة الحرارة. وكثيرًا ما يسمع نظم الخبب وتأخذ أصوات القلب اللحن الجنيني أو ما يعرف بـ"تك – تاك" وقد تبدو أحيانًا لا نظمية أو احتكاكات تأمورية. وقد يفضي تأخر زمن النقل إلى ضربات خفيفة مع درجات مختلفة من الحصار القلبي.
إن تطاول المسافة P-R في تخطيط القلب، والتغييرات التخطيطية الأخرى شائعة كثيرًا، إلا ان هذه التظاهرات إذا لم تتشارك بتظاهرات التهاب القلب السريرية يكون إنذارها سليمًا. كما ان التغيرات التخطيطية إذا لم تترافق بنفخات أو ضخامة قلب، لا تعتبر بحد ذاتها من العلامات المقبولة لتشخيص التهاب القلب الرثوي.
قد يسبب التهاب التأمور ألمًا قرب القلب وقد تسمع احتكاكات تأمورية.
يتوضح تشخيص التهاب القلب سريريًا إذا وجدت واحدة أو أكثر من العلامات التالية:
1. ظهور نفخات قلبية عضوية أو تغير في لحنها وصفاتها.
2. ازدياد واضح في حجم القلب بالتصوير أو التنظير الشعاعيين.
3. الاحتكاكات التأمورية أو الانصباب التأموري.
4. علامات قصور القلب الاحتقاني. هذا ويترافق التهاب القلب الرثوي في معظم الحالات بنفخات مهمة.
* المراجع:
- مبادئ الطب الباطني – هاريسون
- THE MERCK MANUAL
(يتبع)