لنتحدث قليلا عن أعضاء الكنيست العرب، وليس القصد ابدا هنا للأعضاء من الأحزاب الصهيونية حتى لو كانوا "أنشط "البرلمانيين في التصويت كما كشف لنا عيساوي فريج من ميرتس مؤخرًا، فهو لا يتأخر عن ضغط أي زر في التصويت ولهذا يعد أنشط عضو كنيست بضغط الأزرار!.
أتحدث عن أعضاء القائمة المشتركة التي حظيت بدعم الجماهير العربية بمن فيهم كاتبة المقال. سنة ونصف السنة مر على انتخابهم ولا يمر أسبوع دون سماع أخبارهم او أصواتهم في مبنى الكنيست. فبعد أشهر طويلة من مخاض ولادة "المشتركة" التي اشرف عليها سياسيا "الطبيب المولّد" ليبرمان، ولدت القائمة وفيها أسماء جديدة قليلة، أنصاف مقاعد، وتمثيل نسوي هزيل مع تمثيل لهذا القطاع أو ذاك.
رضيت انا بها وكثيرون أمثالي، فالكمال لله، وحقيقة وجود بعض الأعضاء الذين احترم نواياهم وقدراتهم وتاريخهم الوطني واستني قليلا، ولكن آن الأوان ان نفحص ماذا يحدث وان نحاسب الممثلين للمجتمع العربي في عرين صهيون ماذا يفعلون؟
إن المجتمع الإسرائيلي يراقب وينتقد و"يشرشح" نوابه في البرلمان بشكل دائم، من خلال وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، ويرصد تحركاتهم وتصويتهم في كل كبيرة وصغيرة، أما نوابنا العرب فهم يصلون الى الإعلام العربي مع الخبر مكتوبا وجاهزا مرفقا بصورة.
ولم أر خلال أشهر دراسة او تقريرا عميقا لأدائهم السياسي بقلم صحفي عربي مثلا، اضطررت ان افحص مؤشرات إسرائيلية تتعقب تحركات النواب وتقيمها لصالح جمهور الناخبين، هناك بين المعطيات فحصت ما حال العرب بين جداول الأرقام، وقررت ان انشر ماذا وجدت مع العلم أنها مخاطرة معينة. أول مؤشر يفحص تعقب جمهور الناخبين نشاط النواب في الفضاء الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي ويحلل تصريحاتهم في الفيسبوك وتويتر ومدى التفاعل معها،هذا المؤشر أهمل وجود نواب عرب نهائيا في الكنيست ولم يعرهم اي اهتمام مع ان صفحات ايمن عودة واحمد طيبي تحظى بتفاعل أكثر من درعي ولبيد مثلا.
وضعت المؤشر الأول جانبا وبحثت في مؤشر التمثيل العربي في الإعلام العبري الذي تنشره جمعية (سيكوي) بالتعاون مع الموقع الصحفي بالعبرية العين السابعة، هناك وُجد ما كان معلومًا لدى الجميع ان عضو البرلمان العربي يدعى للمقابلات او يحظى بالتغطية الاعلامية فقط في حال تحدث عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولو صدف ان حضر أيًا كان في اي موضوع سيسأل عضو الكنيست عن رأي الشارع الفلسطيني او ابو مازن بتصريحات نتنياهو والمبادرة المصرية او الإرهاب.
مع انه اثبت بحثيا ان معظم الوقت البرلماني للقائمة المشتركة يستثمر بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية وكل تحركاتهم في الكنيست تقريبا (97%من اقتراحات القوانين) في هذه المجالات لتحسين وضع المواطن العربي في الصحة التعليم والبنى التحتية، المؤشر الإعلامي يظلم الأعضاء العرب ولا يعطي او يغطي حقيقة عمل نوابنا.
المشكلة أننا نعلم ان هناك بعض النواب كسالى وبعضهم أنشط وأقدر بالعمل، فكيف نفحص هذا؟، توجهت لأطلب المساعدة من صديقتي روني زينجر من صحيفة كالكاليست، فقد تابعت لأشهر طويلة تواجد النواب باللجان ومواقفهم وتحدثهم فيها، حسب هذا المؤشر فإن اسامة السعدي مثلا تواجد بـ 193 نقاشا وتحدث في 155، مما يجعله ناشط جدًا لجانيًا، ايمن عودة تحدث بـ 40% فقط من اللجان التي حضرها وهي قليلة ايضا، نواب التجمع تربعوا في قاع القائمة مع أرقام لا تتعدى العشرين جلسة من أصل مئات، قد يكون النائب غطاس مع74 جلسة أنشط من النائبين جمال زحالقة وحنين زعبي اللذين ابعدا لفترة عن البرلمان مما قد يفسر علامتهم، ولا يفسر نشاطهم السياسي فعليا، ولكن بعض النواب الذين لم يبعدوا لمَ أقصوا نفسهم عن النقاشات؟، مثل مسعود غنايم، طلب ابو عرار وعبد الحكيم حاج يحيى الذي ظلم في بروتوكولات تسجيل الحضور ولكن حضوره ما زال متواضعا بالنسبة لنائب جديد ومتوقع منه برأيي ان يحاول اكثر.
بحثت في أرقام عايدة توما سليمان، وكمشاركة طبيعية كناشطة نسويا في مجتمعنا الرجولي في عدة نقاشات في لجنة رفع مكانة المرأة التي ترئسها لا يمكن الادعاء أنها غير نشيطة! فتقنيًا لا تستطيع بحكم وظيفتها ان تهرول بين اللجان مسجلة حضورا وهي تجلس معظم وقتها في لجنة المرأة، وليس عدلا أبدا ان نقارنها بغيرها من النواب الذين يتمتعون بحرية التجول بين النقاشات المختلفة بينما تقبع هي في لجنة تديرها.
بعد حديث مطول مع الصحفية خلصت للنتيجة ان المؤشر قد يلقي الضوء على ما يحدث في اللجان فقط وهي وان تكون مهمة فإن النشاط البرلماني أوسع واكبر بكثير. خاصة للسياسي العربي، فسّر النائب عودة علامته المنخفضة مقارنة بالآخرين بأنه ومن منطلق المسؤولية أوكل عضوية اللجان والمشاركة بها للنائب ابو معروف، وأن جل عمله البرلماني وانجازاته تتمحور حور العمل أمام الوزارات المختلفة، لا احد يتهم رئيس القائمة المشتركة بالتواني في العمل، ولكن أسلوبه وميادين نشاطه البرلماني خرجت عن المألوف لتطوير العمل أمام المهنيين او طرح قضايا الفلسطينيين في إسرائيل أمام العالم الكبير، وهذا تجديد مبارك فيه وتوجه مغاير لما عهدناه.
إجمالا فإن كل هذه المؤشرات لا تعطي جمهور المنتخبين صورة واضحة عن أداء من وصل للبرلمان باسمهم، فمن يشير إلى عمل يوسف جبارين في مجال التربية والتعليم؟ فقد سارع لإعطاء جمهوره معايير لتفوقه في طرح التساؤلات في البرلمان، او هل تخفى على احد جهود احمد طيبي في السعي لرصد الميزانيات للقرى والمدن العربية في مجالات مثل الرياضة والصحة وغيرها؟ وهل تحاسب هذه المؤشرات نواب المشتركة على حضورهم في الميدان في المسيرات والاحتجاجات والاعتصامات والاجتماعات في لجنة المتابعة وغيرها من مهام جماهيرية لا تدرج على جدول أعمال دوف حنين مثلا وهو حسب كل المعايير برلماني محنك ونشيط جدًا في عمله فتعطيه مساحة أوسع من الحراك؟
ما يقلقني ليس أداء نوابنا العرب في البرلمان الإسرائيلي، ولكن ما يقلقني هو جمهورهم اللامبالي لما يفعلون، فَلَو كنا جميعا نراقب ونحاسب ونقيّم من يمثلنا لما أدخلنا لهذا المكان العديد نوابا عليهم تحسين أدائهم من اجل مصالحنا، لم يعد كافيا لأحد ان نجلجل اجتماعات الكنيست بخطابات ملتهبة، ولا نكتفي ابدا بنظرية "وجودهم شوكة في حلق الصهيونية"، لهذا نملك العديد من المفكرين والباحثين والكتاب والناقدين عبر الصحافة والفيسبوك، وإذا دقت ساعةً الانتخابات القادمة قريبا سوف يكون من الصعب جدًا التأثر بمجموعة من النواب العرب يقفون متشابكي الأيادي على منصة واحدة ويكون إنجازهم الوحيد في "القائمة المشتركة" أنها ما زالت على قيد الحياة.
