أود أن أذكِّر ولو بالقدر اليسير بظروف مرت علينا وعشناها في بداية النشأة العمرية الجديدة وظروفها المتواضعة.
وقد تعوّدنا في ما سبق من الازمان في عهد الاب والجد والجار الحميد ذي الفكر والسمعة الحسنة على احترام كلمته وطاعة قوله.
كنت، في بداية طفولتي وانا الابن الاكبر لوالدي رحمه الله، احب الرفق به وافرض عليه احيانا المرافقة حتى ولو كان الطقس باردا او حارا واينما اراد الذهاب، فمثلا كان يرغب في الذهاب الى الديوان العربي المألوف للجميع المتعارف عليه بالحارة عند ابو فلان. وكان الديوان عبارة عن رده واسع ومفروش فراشا حسب العادات العربية على جميع الاتجاهات، وكان هذا المجمع او التلاقي اليومي يمتلئ بزواره اليوميين المعروفين من جميع ابناء القرية بجميع انتماءاتهم العائلية والطائفية وبغض النظر كان غنيا ام فقيرا. وكان يسود هذا المجمع او هذا التلاقي الرحب الواسع جو من الهرج والمزاح الخفيف اللطيف والقلب السليم وببساطة النوايا والتفكير المنقطع النظير والتوصيف بجماله وحسن التلاقي واحترام الناس بعضهم لبعض على الرغم من كل الفوارق، ان كان هذا على مستوى السن او الانتماءات المختلفة او ان كان هذا على المستوى العائلي او الطائفي، والجميع كل منهم في حلقة وبوتقة واحدة يتحدثون عن همومهم اليومية، عن الزراعة والفلاحة وعن المواسم السنوية وعن المحاصيل والناتج من الموسم في السنة نفسها او عن المحاصيل في السنوات التي مضت مقارنة بذلك ما بين جودة المحصول الجديد وما مضى من المحاصيل، وكل هذا كان مقرونا طبعا بنسبة هطول الامطار وجودة الاحوال المناخية وحسب تقديراتهم وخبراتهم هم عن سنوات مضت.
ففي هذا الديوان الرحب كان صاحبه يتصف من قبل هؤلاء الاخوة الزوار الدائمين المحليين وغيرهم من الزوار ومن القرى المجاورة وهذه كانت ظاهرة ايجابية بأن يأتي إخوة من القرى المجاورة للسهر في هذا الديوان.
وكان يتصف صاحب الديوان بصدقيته وعدالته اذا حكم في قضاياهم فيما اذا كلف من قبلهم للمشاركة بحل قضاياهم الاجتماعية فيما اذا ما حصلت، كما كان يتصف بانه صاحب نخوة ويلبي الطلب وهو على اتم الاستعداد لخدمة اهالي البلد وبكل رحابة صدر وكان لكلمته ايضا الصدى الايجابي، حيث كانت مسموعة وغير قابلة للتأويلات وقدره محفوظ بتمام التقدير والاحترام من قبل كافة اهالي القرية على جميع اطيافها الاجتماعية والعائلية.
وحمدًا لله بانه لم تكن في تلك الازمان صراعات سياسية او حزبية تثير الخلافات والشرذمة والمشاحنات وقض المضاجع حسب ما هو حاصل اليوم في مجتمعنا العربي خاصة وللاسف.
وعودة الى الديوان وسيرته الممتدة عبر التاريخ الطويل فصاحب الديوان كان يغلي القهوة المرة، ففي ذلك الزمن لم تكن المطاحن الكهربائية لكي تطحن ما تشاء من الكمية بل كانت تستعمل مطاحن القهوة اليدوية صغيرة الحجم وكانت تستوجب وتستهلك الكثير من الجهد والوقت حتى تستحضر طبخة القهوة والكمية المطلوبة، وكان صاحب الديوان يستعيض عن خدمة هذه الطاحونة باستعمال جرن القهوة ويسمى "المهباش" وكان هذا الجرن معمولا من الخشب وله يد يراوح طولها ما بين 50 الى 60 سم والجرن مخطط الاضلاع بشكل رائع وكان القيّمون او الضالعون في صناعته يتفننون في شكله الخارجي بالخراطة والنحت بالاضافة للزخارف الخرزية العديدة التي كانوا يلصقونها على اطرافه او جدرانه الخارجية ليزيدوها سطوعا وجمالا للناظر اليه، وهنالك الكثير من الناس الذين ورثوا هذا التراث القيم الثمين في تقييمنا لما كان لنا من ماض عريق، وعن الادوات والاواني التي كانوا يستعملونها في تلك الازمان واعتقد جازما ان الكثير من الاشخاص مازلوا يحتفظون بهذه الاواني والادوات التراثية التي ورثوها عن الآباء من قبل حتى يومنا هذا في بيوتهم تعبيرا للحفاظ على التراث والوطنية ومن بين هؤلاء الناس كاتب هذه السطور.
لقد تعرفت على نمط تلك الحياة والديوان العربي وما كان يتخلله من عادات وتقاليد من خلال مرافقتي لوالدي رحمه الله شبه اليومي الى الديوان وانا ما زلت آنذاك في مقتبل العمر وقد حفظت ما يدور في الديوان ومن واجب تقديم القهوة والقطين.
فمثلا كان لصاحب الديوان مساعد يومي ودائم وهو يعمل تطوعا وهو من يقوم بمهمة حمل مصب القهوة ويدور على الحاضرين (سهّيرة الديوان) عارضا عليهم احتساء فنجان من القهوة المرّة مرة اخرى وهو افضل واجب يقدمه المضيف للضيف.
وما زالت عادة استعمال القهوة المرّة موجودة حتى يومنا هذا ويعتز بها الكثير من ابناء شعبنا وهي تعتبر واجبا اوليا للضيوف في كل من الافراح والاتراح وهي مازالت تستعمل في المضارب البدوية المحيطة بنا.
لقد رأيت انه من الواجب ان اكتب ولو باقتضاب عن العادات التي مارسها آباؤنا بالاضافة ايضا للتعايش المشترك والاحترام المتبادل الذي كان سائدا ما بين اهل البلدة الواحدة في تلك السنين اي قبل نصف قرن تقريبا علَّ الجيل الناشئ اليوم يتعظ ويعزف عن كل اعمال الجهل والشيطنة والبؤس التي تتربص به اليوم بغير هوادة وهو غير آبه ما سيحصل له غدا فمن ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل.
اكتب هذا علَّ الجيل الصاعد وجيل اليوم يقرأ ويتعرف على ظروف عاشها السابقون من اقارب واباء واجداد وكانوا هم الاقربين الى قلوبنا لكي ينتقل الى الجيل القادم وبالتعاقب من جيل لآخر قبل ان تطوينا صفحات الزمان والنسيان.
ولحسن الحظ فما ان انتهيت من كتابة هذا المقال فاذا بصديق عزيز يزورني وقد بلغ من العمر عتيا فتبادلنا الاحاديث عن الماضي والحاضر واخبرته بانني انتهيت لتوي من كتابة مقال عن الديوان العربي القديم واثر القهوة المرّة وكيف كان يجتمع الناس في ديوان واحد فاخذ يسامرني بسرده لبعض العادات التي لم تطرأ على بالي ومن هذه العادات التي ذكرها انه وفي حال جاء وفد للديوان من اجل طلب ما لا يحتسي هذا الوفد القهوة حتى يلبى طلبهم من قبل صاحب الديوان واضاف صاحبي الكريم ان صاحب الديوان كان يقدم الفنجان بيده اليمنى اما صبّ القهوة في الفنجان فيتم من ناحية القلب ليدل على محبته لضيفه وقبوله لهم كضيوف.
وفي حال ان الضيف حرك الفنجان وهو بيده هذه اشارة الى رغبته بفنجان آخر والا فهو لا يرغب بغير فنجان واحد. هكذا كانت عادات من سبقونا من الآباء والاجداد واصبحت اليوم متداولة بنسبة ضئيلة لا تلفت النظر مقارنة بالماضي.
أليس جديرًا بنا ان نتذكر تاريخنا الناصع او نتذكر عاداتنا الاصيلة.
