*المحاولة ذاتها تتكرر الآن: عزل الفلسطيني في الداخل واستدراجه إلى مواجهة جديدة "محتومة"، غير متكافئة، على غرار "اكتوبر ألفين". في هذه المعادلة لا مكان للخربطَة، ولا للخربشَة*
رئيس الحكومة الاسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في مقولته عن "اخلاقهم" و"اخلاقنا"، ليس فقط لم يبتعد عن "الكامبين الشعبوي العنصري: الموت للعرب"، انما جاء منه وكان فيه، فاعلاً وشريكًا. لقد قال: "فجوة اخلاقية كبيرة وعميقة تفصل بيننا وبين اعدائنا: هم يقدسون الموت، ونحن نقدس الحياة. هم يقدسون الوحشية، ونحن نقدس الرحمة"! (انتهى الاقتباس). وفي هذا القول استنساخ واستحضار لفكرة "التخيُّل" التي اعتمدها الصهيونيون الأوائل تمهيدًا لاحتلال الأرض، عبر تخيُّل فلسطين، في حينه، بانها "أرض قاحلة" لا حضارة فيها، يسكنها "اناس" من "المتخلفين" وفي أحسن الأحوال "راكبي جمال".
"نتنياهو 2014" يقدم تعريفًا مستحدثا للفكرة ذاتها، لا يبتعد كثيرًا عن الأصل، في محاولة لاشاعة حالة "التخيُّل" من جديد، عبر تخيُّل أهل فلسطين "ارهابيين" و"قتلة"، لا قيمة للحياة عندهم، بقصد يُفضي الى اشاعة كراهية العرب، والتعبئة عليها. هذا ما يقوم عليه قول نتنياهو، أو بالأصح: "كامبين نتنياهو". وهذا ما يقوم عليه "الكامبين الشعبوي العنصري: الموت للعرب"، وهما يلتقيان عند نقطة واحدة: تكرار شيطنة صورة الفلسطيني في الذهنية الصهيونية الجماعية تمهيدًا للبطش به وحتى شرعنة قتله!
هذا "التكرار" يحيل أيضًا الى "اكتوبر ألفين". لا حاجة الى البرهنة والاقناع. هناك جرى عزل العربي بعد شيطنة صورته والاقناع بانه "العدو". لذلك فإن قتله كان مباحًا، بعد ان ضمنت المؤسسة الاسرائيلية "الاجماع الصهيوني" و"التوحُّد" في "مواجهة خطر العربي"، من أقصى اليمين الى أقصى ما يسمى بـ "اليسار الصهيوني". لم يجر التعامل مع الفلسطيني في الداخل على انه "مواطن في الدولة" له حق التظاهر والاحتجاج ورفع صوته. إنما كان التعامل معه من خلال فوهة بندقية. وقد أقرت لجنة التحقيق التي أقيمت في حينه (لجنة أور) بأن "الشرطة الاسرائيلية تعاملت مع العرب كأعداء وليس كمواطنين".
المحاولة ذاتها تتكرر الآن: استدراج الفلسطيني في الداخل إلى مواجهة جديدة "محتومة"، غير متكافئة، على غرار "اكتوبر ألفين". هذا ما أفهمه من الحاصل. لذلك من المحظور الوقوع في هذا "الفخ" الذي تنصبه المؤسسة الاسرائيلية الآن بإتقان، وفي نفس الوقت من المحظور اشاعة حالة "التخويف"، وبالتالي "التنازل" و"التراجع" تحت يافطة "عدم استفزاز اسرائيل أكثر من اللازم".
لا شيء "نتراجع" عنه. وكما يقولون: "ظهرنا" اصبح الى "الحائط" أكثر من اللازم. لكن هذا لا يعفينا من ضرورة اعتماد التعقّل في الطرح والاقناع في حق الموقف، وهو أمر لا يتأتى إلاّ بخطاب عقلاني مقنع، لا "يساير" ولا يحيد عن مبدئيته، انما عارف ما يريد، يلبي وضوح كلمته، لكن بعيدًا عن التشنُّج والتهوُّر و"ثورة التهييج والتهويش" الالكترونية، التي يقوم بها البعض في شبكات التواصل الاجتماعي وفي غيرها، حتى لا نُستدرج الى "ملعب" المؤسسة الاسرائيلية استدراجًا، انما ندخله، اذا كان لا بد من دخوله، لنسجّل النقاط في مرماها.
لا مكان للخربطَة هنا. أجواء "اكتوبر 2000" في كل مكان. هذا يستدعي الخروج السريع بـ "كامبين الحياة للعرب"، وضد تفشي العنصرية والفاشية – "كامبين" يشكّل النقيض لـ "كامبين نتنياهو" و"الكامبين الشعبوي العنصري: الموت للعرب"، ويكسر أي محاولة لعزلنا بهدف تسهيل البطش بنا لاحقًا، وبالتالي يلتقي، أيضًا وأساسًا، بفعل مشترك، ضد الفاشية والعنصرية، مع قوى وأحزاب وأطر وشخصيات ليبرالية وعقلانية في الشارع اليهودي، بالاضافة الى تجنيد رأي عام عالمي، والالتقاء مع سفراء أجانب، ومؤسسات عالمية تعتني بحقوق الانسان وغيرها، حتى لا يكون صوتنا هو الوحيد في مواجهة العنصرية والعنصريين. وفي هذه المعادلة لا مكان، ليس للخربطة فقط، بل للخربشة أيضًا!
