حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ?

single

بعد أن اقترب عقرب السَّاعة القصير إلى الرَّقم الثَّاني عشر، بدأ العقرب الطَّويل جاهدًا بمحاولته اجتياز هذا الرَّقم زاحِفًا بمهارة، ليفوز بقراره المنشود، التَّغيير.
فبعد أن يقبِّل العقرب الطويل رفيقه القصير، ويَتَّحِدَّا سويَّة، ينجحان بتبديل رقم السَّنة واسم الشَّهر واليوم وتاريخه، ويصلان معًا قمَّة رأس السَّنة، وبذلك يبدأ أبناء العائلة الواحدة والأهل والأصدقاء بتبادل القبلات والتَّحيَّات والتَّهاني بالعام الجديد، فكان لهما بذلك القرار المقرِّر والمُغيِّر، يوم السَّبت، الموافق الأوَّل من شهر كانون الثَّاني من السَّنة ألفين وإحدى عشرة.
لقد احتفلنا بعيد رأس السَّنة، كغير عادتنا، في مطعم في حيِّ الألمانيَّة في حيفا.
بعد أن دخلنا سنتنا الجديدة، بساعة واحدة، غادرنا المكان متَّجهين إلى موقف السَّيَّارات الخاصّ في المستشفى الإيطالي القريب من حيِّ الألمانيَّة، مكان عملي، حيث كانت سيَّارتنا هناك، لنستقلَّها متَّجهين إلى مطار اللد، ونُقلع بعدها طائرين على الميمون إلى جمهوريَّة سلوفاكيا لتهنئة القسم الثَّاني من عائلتي، من طرف زوجتي، بحلول الأعياد المجيدة.
حين بدأتُ وعائلتي ترتيب أغراضنا في صندوق السَّيَّارة الخلفي، وإذ بي أسمع ضجَّة شلَّة من شباب من بني جلدتي، حاولتُ إحصاء عددهم فكانوا عشرةً أو يزيد، يطارد الواحد منهم الآخر بصراخ مدَوٍّ، ليصلوا إلى "هدفهم المنشود"، عامود على رصيف الشَّارع يحمل شارةَ مرورٍ تُجيز فقط لأصحاب العاهات والإعاقات بإيقاف سيَّارتهم في هذا الموقف الخاصّ. وبدأ الشَّباب "وحطُّوا حطاط هالعامود" وقاموا بهزِّه في كلِّ الاتِّجاهات وبقوَّة عنيفة بهدف اقتلاعه من مكانه، وبعد أن وصلت نشوتُهم قمَّتَها، سقطت الشَّارة على الأرض، ورقص الشَّباب مبتهجين "بانجازهم" بانتصارهم على العامود، واستمرُّوا في طريقهم وكأنَّ شيئًا لم يكُن..
وإذا صدق من قال إنَّ ما تبدأ به سنتك الجديدة تستمرُّ به "فكفَّك ع الضَّيعة"..
هل كان عليَّ نهيهم، مع أنّي ومن كان معي لا نعرفهم، الصَّحيح أنِّي تردَّدْتُ في ذلك خوفًا من ردِّ الخمرة التي كانت سيِّدة أدمغتهم وتفكيرهم وتصرُّفاتهم.
تغيَّرت السَّنة الميلاديَّة وأجرامها وأرقامها، وتغيَّر مكان إقامتنا لعشرة أيَّام سياحيَّة وعائليَّة في سلوفاكيا لنعود بعدها إلى عملنا واهتماماتنا، ويبقى سؤالي الكبير: هل سيتغيَّر شيء على هذه الشَّريحة الضَّائعة والجاهلة من شبيبتنا! أم أنَّ التَّغيير سيأتي بعد "خراب البصرة"، بعد صدمة تهزُّهم كشباب ليتعلَّموا "على جلدهم" كيفيَّة التَّصرُّف أم أنَّ أهلهم غافلون عن واجباتهم وبعدها يُجلِبُ الولد العاطل المذمَّةَ لأهله. علينا تغيير ما بانفسنا كما جاء في الآية الكريمة: ? إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ? أو كما قال ليو تولستوي:"الجميع يفكر في تغيير العالم و لكن لا احد يفكر في تغيير نفسه"..
وما زالت شارة المرور ملقاةً على الرَّصيف مهملةً تنتظر إعادتها إلى مكانها لمساعدة المحتاجين وما زال المعاق يُفتِّشُ عن مكان لسيَّارته كي يتسنَّى له عيادة الطَّبيب ومراجعته في قضيَّة صحيَّة عاجلة وطارئة. 

 

حيفا

قد يهمّكم أيضا..
featured

من يكتب التاريخ !

featured

في غرفة مغلقة بستائر سوداء مسدلة

featured

تطور إيجابي في الموقف الأميركي

featured

سليم الاحمد عبد الهادي

featured

ما زالت ذاكرتي في حقيبتي

featured

.. والتاريخ أيضا غير موضوعي!

featured

ملاحظات سريعة على الانتخابات

featured

فلينقلع عبَدة الدولار والفاسدون في السلطة الفلسطينية!