*أتخيل العامل الكادح والطالب المُرهق والوالدة القلقة والمريض المُنهك والشاب المحبَط والشابة التاعسة وهم يقفون جميعًا على حواجز القهر والذلّ الاسرائيلية، فيما تصل الى مسامعهم ومداركهم صور الفساد الأخلاقي والمالي والسياسي في أروقة "سلطتهم".. أيّ شعب سيظل لديه أضعف الايمان بقادة مسيرته نحو التحرر الوطني، فيما هو يشاهد على "تلفزيون اسرائيلي" فيديوهات ساقطة ووثائق تنضح بالنهب والاختلاس منسوبة الى شخصيات كبيرة "مسؤولة" في قيادته؟!*
إن السلطة مفسدة، هذا ما قاله صائبًا اليوناني الحكيم أرسطو قبل ما يزيد عن الفي عام، ولا زالت عبرته أكيدة. لكن ما يجب رفضه بالتأكيد هو السكوت على استشراء الفساد كسرطان في سلطة لا تزال مكلفة بانجاز مشروع تحرّر!
**
المرحلة خطيرة، وسؤالها أخطر: هل هذه القيادة الفلسطينية بقدر قامة مشروع التحرر الفلسطيني الهائل؟! هل تلائم مشاريع التحرر الانساني انماطًا بشرية يسيل لعابها على الدولارات والقصور والعيش المُترف؟ هل يمكن أن ينجز الثورات من يتلذذون بالتبعية لجنرالات أمريكيين مثل الجنرال البغيض دايتون وأشكاله؟!
**
إن حركة عريقة مثل "فتح" مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى بلفظ كافة الانماط المفسودة والمنتفعة والمتذيّلة خلف أعداء الشعب الفلسطيني ومصالحه، من واشنطن وحتى تل أبيب!
لا يزال كمّ هام من المعلومات البشعة التي نقلتها القناة الاسرائيلية العاشرة، بحاجة للتأكيد. المقصود ما يرتسم منها حول مستوى الأخلاق السياسية في دوائر محدّدة محيطة بصنع القرار في السلطة الفلسطينية. هذا مع أن قسمًا هائلاً مما تم بثّه جليّ الى حد يعمي الأبصار، ويثير المعدة اشمئزازًا.
لا يقتصر ذلك على الجانب الفورنوغرافي في مشهد الفساد السلطوي الفلسطيني 2010، بل يمتدّ عميقًا فيما يتجاوز شبهات الحقارات الفردية لأصحاب الصلاحيّة نحو شبهات صفقات بيع وشراء أراض ومتاجرة بممتلكات الشعب.
أهمّ المعلومات الناقصة هي تلك المتعلقة بدوافع هذا النشر، سواء من مصدره (ضابط فلسطيني سابق) أو القناة التي بثته. لا يُقال هذا من باب التشكيك، وإنما منعًا للقفز – في كل الاتجاهات - الى استنتاجات يقينية بخصوص ما لا يزال بحاجة لفحص دقيق مشدّد.
الأصوات التي عقّبت على هذه الكشوفات المخيفة اختلفت. منها من أصدر حكمًا شاملا بالفساد على كل أعضاء وموظفي السلطة، جماعيًا. ومنها من راح يعيد علينا رواية القصة بنكهة "نظرية المؤامرة" ليضع الخيوط بأيدي مخابرات اسرائيل، قاصدًا تبرئة ساحة الجميع، جماعيًا أيضًا.. بين هذه وتلك هناك أسئلة مقلقة بل مرعبة. أوّلها مظاهر توحّش الثّراء السريع والمشبوه في سلطة يُفترض أنها لا تزال تحارب على حرية واستقلال شعبها. فتواتر المعطيات بالملايين عن الدولارات والصفقات والاختلاسات وقذارة أيدي أصحاب السطوة، يجب أن تدفع كل فلسطينية وفلسطيني الى رفع الصوت، على سبيل أضعف الايمان.
إن اتهام اسرائيل بالوقوف خلف كل هذا، هو أمر وارد. حقارة السياسة الرسمية الاسرائيلية بمخابراتها وسائر أذرعها أمر مكشوف. ولكن هذا لا يلغي السؤال الصعب: لماذا تشتمل هذه السلطة على ممارسات من هذا النوع لتعطي اسرائيل بذلك فرصة، بل مساحة واسعة، للاستغلال والابتزاز السياسي؟! أليست الطريقة الأفضل للتصدي للابتزاز الاسرائيلي هي اجتثاث الفساد والمفسودين؟! يُقال هذا لأن اسطوانات التخوين لمن يشير بإصبعه الى العفن ودمغه بالعمالة دون اثبات أو برهان، هي ليست اسطوانات سمجة فقط، بل خطيرة. لأن نشازها يهدف للتستّر على العفن وتكريسه!
المؤكد، بعيدًا عن الفذلكات المتنوّعة، هو أن تلك المعلومات التي تم كشفها لا تبقي المرء مطمئنًا، خصوصًا أن طمأنينته ليست في أفضل أحوالها أصلا، بل على العكس تمامًا، إزاء الانقسام السياسي-الوطني بين سلطتيّ فتح وحماس، ويا للعار.
فأن تسمع أحد اكبر موظفي السلطة الفلسطينية (رفيق الحسيني) يصف الراحل ياسر عرفات بـ "الناقص" و "الدجّال"؛ أن ترى بالصوت والصورة مدى قذارة "اجراءات قبول" موظفة لديوان الرئاسة؛ أن يضجّ في رأسك احتمال قيام "مسؤولين فلسطينيين" بتسليم الضابط الفلسطيني السابق الذي نشر معلومات الفساد الى سلطات الاحتلال وسجنه وفرض الاقامة الاجبارية عليه؛ أن تتمعّن في الحالة فترى أن فلسطين على درب التحرّر تكتسب اليوم ملامح جمهوريات الموز؛ أن تفرك عينيك فتتحقق مجددًا من البون الشاسع ما بين اهتمامات أهل السلطة وبين هموم واحتياجات شعبك الرازح تحت الاحتلال؛ أن ترى الارتباطات القذرة بين المال الفاسد وبين التشدّق باسم النضال الوطني لدى البعض؛ أن تتجلى أمامك صورة انهزامية لأشخاص أدمنوا ترف السلطة وغريزة التسلّط فأداروا ظهورهم (مثل الثور الذي ذكره كارل ماركس) لحلم الشعب، لخطورة اللحظة السياسية، ولمسؤوليتهم المشتقة من مسمياتهم الرسمية؛ أن وأن وأن.. كل هذا من شأنه ان يوصل كل ذي حسّ كفاحيّ وضمير حيّ ومسؤولية وطنية وقامة سياسية الى الاستنتاج بأنه آن الأوان لكنس جزء كبير من متقلدي أوسمة السلطان باسم قضية فلسطين. لأن هؤلاء ليسوا قادة شعب يكافح على حريته بل تجّار بالدولار بمصير ومصالح شعبهم السامية.
واذا أضفنا هذه الممارسات الواطئة للحالة السياسية التي تنقسم فيها الأحزاب الفلسطينية حدّ القطيعة (وهو ما بات يجب اعتباره خيانة وطنية لا أقلّ) في حين تستوحش اسرائيل استيطانًا وحصارًا وتعنتًا – فلرما أن المطلوب يجب ألا يقل عن عملية تطهير شاملة لبؤر السلطات الفلسطينية جميعًا. لأن هذه الممارسات لا تقلّ قذارة وخطورة عن الاحتلال الاسرائيلي نفسه. وكفانا تأتأة!
أتخيل العامل الكادح والطالب المُرهق والوالدة القلقة والمريض المُنهك والشاب المحبَط والشابة التاعسة وهم يقفون جميعًا على حواجز القهر والذلّ الاسرائيلية، فيما تصل الى مسامعهم ومداركهم صور الفساد الأخلاقي والمالي والسياسي في أروقة "سلطتهم".. أيّ شعب سيظل لديه أضعف الايمان بقادة مسيرته نحو التحرر، فيما هو يشاهد على "تلفزيون اسرائيلي" فيديوهات ساقطة ووثائق تنضح بالنهب والاختلاس منسوبة الى شخصيات كبيرة "مسؤولة" في قيادته؟!
إن السلطة مفسدة، هذا ما قاله صائبًا اليوناني الحكيم أرسطو قبل ما يزيد عن الفي عام، ولا زالت عبرته أكيدة. لكن ما يجب رفضه بالتأكيد هو السكوت على استشراء الفساد كسرطان في سلطة لا تزال مكلفة بانجاز مشروع تحرّر!
المرحلة خطيرة، وسؤالها أخطر: هل هذه القيادة الفلسطينية بقدر قامة مشروع التحرر الفلسطيني الهائل؟! هل تلائم مشاريع التحرر الانساني انماطًا بشرية يسيل لعابها على الدولارات والقصور والعيش المُترف؟ هل يمكن أن ينجز الثورات من يتلذذون بالتبعية لجنرالات أمريكيين مثل الجنرال البغيض دايتون وأشكاله؟!
وليس في هذا تعميم طبعًا. بل من المهمّ القول إن هناك أصحاب مسؤوليات وقامات وطنية في السلطة الفلسطينية نفسها، فأين هم ولماذا يصمتون وعلى ماذا! ثم إن حركة عريقة مثل "فتح" مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى بلفظ كافة الانماط المفسودة والمنتفعة والمتذيّلة خلف أعداء الشعب الفلسطيني ومصالحه، من واشنطن وحتى تل أبيب!
الصامت على الجريمة مجرم – هذا صحيح في جميع السياقات. اليوم نطلّ على مشهد تتحوّل فيه قضية الشعب الفلسطيني الى فريسة يشارك في نهشها بعض أبنائها المنتفخين مالا وسلطانًا وذُلاً.. إنها قضية ملايين الفلسطينيين، المحتلّين منهم واللاجئين والباقين.. هذه قضية تمتد اليها، بسموّ، ملايين العيون الفلسطينية وأضعاف أضعافها من عيون أحرار شعوب العالم. وكل يد تمتدّ على هذه القضية، سواء أكانت محتلة اسرائيلية أو متآمرة أمريكية أو متخاذلة عربية أو منتفعة فلسطينية، يجب أن تُكسرْ! لأنّ هذا هو أقلّ الواجب. ولأن هذا الشعب الفلسطيني البطل الذي انطلق وأطلق قضيته من تحت رماد النكبة وجرائم التطهير العرقي والتشريد والاحتلال والحصار، قادرٌ بالتأكيد على استعادة نفسه واسترجاع حقّه على قضيته.
