لم تستجب الولايات المتحدة وأوروبا لسياسة نتنياهو ومطالبته لهما بمقاطعة حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية، وفشل في دفعهما لاتخاذ إجراءات ضد الحكومة باعتبارها حكومة فتح وحماس، وبدلًا من استجابتهما لتحريض نتنياهو أعلنت واشنطن والمجموعة الأوروبية، عن عزمهما التعاون مع حكومة رامي الحمد الله، ودعمهما وتقديم المساعدات لها، وفق ما هو مقرر مع الحكومة السابقة.
وتتضح الصورة بشكل جلي، على أن المواصفات الإسرائيلية للحكومة الفلسطينية الجديدة، ليست متطابقة مع الواقع، لا في رموزها من الوزراء، ولا في سياستها، ولا في برنامجها، وبذلك يكون الرئيس محمود عباس وحكومته قد سجلا هدفًا جديدًا في مرمى حكومة المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلية، وهزيمتها، بأدوات دبلوماسية وسياسية، على طريق مراكمة النقاط، بسبب عدم قدرة الجانب الفلسطيني على حسم الصراع لصالحه، نظرًا لضعفه، أمام التفوق الإسرائيلي في أغلبية العوامل، باستثناء ما يملكه الفلسطيني من عاملين:
أولهما: عدالة قضيته مجسدة بقرارات الأمم المتحدة المنصفة لصالحه، بدءًا من قرار التقسيم 181، وقرار حق عودة اللاجئين واستعادة ممتلكاتهم 194، وقرار الانسحاب وعدم الضم 242، وحل الدولتين 1397، وخارطة الطريق 1515.
وثانيهما: حكمته وسعة أفقه، في إدارة الصراع، ما وفر له إمكانية هزيمة السياسة الإسرائيلية في أكثر من موقع، وخاصة في الاتحاد البرلماني الدولي، وفي عضوية اليونسكو، ولدى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
برنامج حكومة الرئيس الفلسطيني، ونقاطه الأربع التي أعلنها أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير يوم 27 نيسان 2014، 1- الاعتراف بإسرائيل، 2- نبذ العنف والإرهاب، 3- الالتزام بالاتفاقات الموقعة، 4 – استمرار خيار المفاوضات تحت الرعاية الأميركية، قطع الطريق على تل أبيب، في كسب الرهان على مقاطعة الحكومة الفلسطينية وعزلها دوليًا، وليس هذا فحسب، بل وفر البرنامج للممولين الأميركيين والأوروبيين لإعلان مواصلة دعمهم السياسي والمالي لحكومة الحمد الله، طالما هي متمسكة بالبرنامج المعلن للرئيس أبو مازن، وتسير في هديه وعلى خطاه.
لقد سعى نتنياهو، ومعه الأحزاب الثلاثة المشاركة في حكومته، حزب الليكود الذي يرأسه، وحزب افيغدور ليبرمان وزير الخارجية وشريكه من "يسرائيل بيتينو"، وحزب المستوطنين برئاسة نفتالي بينيت وزير الاقتصاد، سعوا، إلى فرض العزلة الدولية على حكومة الوفاق الوطني، ولكنهم بدلًا من أن ينجحوا في ذلك، أوقعوا أنفسهم في ورطتين أولهما مع حزبين مشاركين في حكومته وهما حزب "يش عتيد" برئاسة يائير لبيد وزير المالية، وحزب "هتنوعا" برئاسة تسيبي لفني وزيرة القضاء، ومعها زميلها عمير بيرتس وزير البيئة.
فقد أعلن لبيد عن حاجة حكومته "لدراسة الحكومة الفلسطينية، ورؤية اتجاهها" وأن هذا ليس وقت الهيجان ودعا إلى "فحص الأمور باتزان" ونصح زملاءه في حكومة نتنياهو "بعدم السماح لحركة حماس، بأن تشعل النار ضدنا، بسبب تصريح إعلامي"، وقد شاركه، عمير بيرتس الرأي وحذر "من أن مقاطعة إسرائيل للحكومة الفلسطينية، سيخدم حماس" وقال "ينبغي التصرف بضبط النفس، وفحص ما هي سياسة هذه الحكومة، وطالما اعترفت الحكومة الفلسطينية بإسرائيل، والتزمت بالاتفاقيات الموقعة، فيجب فحص إجراء الحوار معها، بدلًا من سد الأبواب بوجهها".
هذا على المستوى الداخلي، أما الورطة الثانية التي أوقعت حكومة نتنياهو نفسها فيها فهي على المستوى الدولي، حينما فشلت بشكل فاضح في التحريض على حكومة الرئيس أبو مازن، وأخفقت في فرض العزلة الدولية عليها، وخاصة لدى أقرب الداعمين الدوليين الولايات المتحدة وأوروبا.
قد لا يكون الموقف الإسرائيلي لدى حكومة نتنياهو موحدًا نحو كيفية التعامل مع الحكومة الفلسطينية، ولن يصل إلى مستوى فض الائتلاف بين مكوناتها الحزبية، ولكن عدم وحدة الموقف الإسرائيلي يشكل مكسبًا معنويًا للرئيس الفلسطيني في صراعه السياسي والدبلوماسي مع المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، إضافة إلى أن الموقفين الأميركي والأوروبي، لن يصل إلى حد القطيعة مع حكومة نتنياهو، ولكنه سيضيف فجوة جديدة على مسار التفاهم، وتضارب المصالح، واختلاف الرؤى بين تل أبيب وحلفائها الأميركيين والأوروبيين.