الاحتفالات بتدويل الأخلاقيّات!!

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

ودَّعنا سنة من عمرنا وحبال ذكرياتها ما زالت تتدلّى من سقيفة ذاكرتنا، ستظل ترافقنا طوال الأيّام القادمة، لكنّنا نعترف أنها كانت كارثيّة على الجميع في كل المجالات، مع ذلك رحلت هذه السّنة وما زالت تلقي بظلالها علينا... ودّعها البعض الآخر بفرح ممزوج بأحاسيس تلتقي عند ذكرى أليمة... هناك مجموعات شبابيّة كان نهجها الاحتفالي قاتمًا جدًّا، فودّعت السَّنة على طريقتها المثيرة للجدل في المجتمع، لأنه ببساطة أسلوب لا يُشبه طِباعنا الشرقيّة... يتعارض كلِّيًّا مع المراسيم المنزليّة الجميلة والمتَّبعة. 

هذه "المجموعات التخريبيَّة"، تنسى أن قُدوم العام الجديد مجرَّد حدث موسميّ عابر، لا يُعبِّر عن انفراج سلمي قريب، ولن يُشرق منه شعاع الحقيقة على البَشَريَّة... إنّه مجرَّد عنوان لمسرحيّة عالميَّة نشاهدها كالبقيَّة، ديكورها التّأمُّل لا أكثر، لأن عقارب الزّمن لن تتوقّف عن الدّوران إكرامًا لنا، بل ستبقى مستمرّة بدورانها حول محاور الأحداث، حتّى خلال حصول الانفجار الإعلامي الكبير لكوكب 2025. 

تبنّى بعض شبّاننا تقاليد استقبال العام الجديد من الغرب، وطبّقوها... عفوًا احتفلوا بقدومه بصورة لا تُطاق، لكن ألا يقال "حين تمتلئ البطون، تفرغ العقول"! وهذا ما حدث حقًّا... بعد أن تناول بعض الشبان وليمة العشاء الفاخرة مع الأهل، التي رافقها تجرّع كمية كبيرة من المشروبات الرّوحية ورفعوا "نَخب فرحتهم"، اختمرت حواسهم كليًا!!، ومع اقتراب ساعة الصفر التي أشارت إلى نهاية العام المنصرم، تفجّر بركان أخلاق بعض الشبان، وبدأ يلقي بحمم غليانهم على شوارع الأحياء "النظيفة"، والميادين، وجرَت أنهُر طاقاتهم المشتعلة تحمُّسًا!! 

حضّروا قواعد دهائهم الفكري، أطلقوا منها كميّة كبيرة من الألعاب النارية نحو السّماء!!، بهرت عيون الكثيرين بتقنيّة ألوانها النّاريّة العجيبة، يمكن اعتبارها ألطف ترسّبات التقاليد الغربيّة!! والأقل ضررًا في وداع العام المنصرم، استنسخها بعض الشّبان من وثيقة حقوق العولمة السلوكيّة الدّخيلة، هكذا انتهت المَهَمَّة الأولى من إطلاق 21 طلقة التحيّة لاستقبال سيّد الأحداث، العام الجديد!... 

باشَرَ بعض شبّاننا الأرعن بتنفيذ مَهَمّتهم العَبَثِيَّة الثانية، من ترسّبات تعلُّقهم بشبكة تدويل الأخلاقيّات! إذ بدأوا يقذفون جدران الأحياء شبه النظيفة بزجاجات فارغة، تطايرت شظاياها في كل الأرجاء، اعتقدنا أن حدثًا أمنيًّا قد وقع عشية السنة الجديدة... ألا يكفينا استمرار دوران عجلة التّوتّر دون توقُّف، لتدوس أعصاب النّاس بلا رحمة!! عندها سمعنا صيحات هؤلاء الشّبان الصّغار تعلو من كل حدب وصوب، صاخبة!! مُهلِّلة!!... تسابقوا لجمع ما تَيسّر من زجاجات فارغة، كعقولهم الفارغة من أي محتوى عقلاني. 

المنافسة في تكسير الزجاجات الفارغة، لم تقتصر على حارة واحدة... أو زقاق واحد، بل طالت جميع أنحاء المدينة أو القرية. استيقظ المواطن صباحًا، مصعوقًا عندما رأى الشوارع "مرشومة رشم" بالشّظايا الزّجاجيّة، كأنّها رُصِّعَت في تلك الليلة "الزّمنية الحاسمة" بالمجوهرات الزجاجية، فعكس وهج الشمس بريقها في عيونه النّاعسة!! مع أنّي أقول بكل أسف، أنّها عكست الذوق المهشم لمرتكبي مثل هذه الأفعال الهمجية!، فحسِبَ النّاس أن السماء في تلك الليلة، أمطرت لآلئَ وجواهرَ.

هكذا طبَع بعض شبّاننا بصمات فرحه الجامح، على أولى صفحات العام الجديد، دون وعي منه. إن هذا التقليد المزعج الذي بات ظاهرة سنوية في مجتمعنا، ابتعد ونأى عن جوهره، بَعد أن وصل إلينا من أوروبا، مُشْبعًا بالهمجية والأذية، بُغية التمادي في عدم المبالاة... عدم مراعاة شعور الآخرين، وكأن فرحتهم بالعيد لا تتم إلّا بهذا النهج البربري. 

ألا يجدر بشوارعنا أن تبقى نظيفة؟، وببعض شبّاننا أن يكونوا أكثر سيطرةً على ثوران حصان حيويتهم الجامح؟!! ألا يكفينا منهم تمزيق طبلات آذاننا بصخب إيقاع موسيقاهم؟! فما بالهم يُصرون على تمزيق بَشَرَة شوارعنا وإطارات سياراتنا أيضًا؟! العد العكسي الذي ترقّبناه، مُعلنًا عن ميلاد رأس السّنة، هو محاولة إحياء لجثّة الآمال الهامدة، ولتنفيس الحالة الضّاغطة التي نعيشها، لنستقبله "بوجه بشوش"!   

قد يهمّكم أيضا..
featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة

featured

سقوط وهم الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل