هذه البارودة التي رأيتها اليوم فتَّشَ عنها الجيش أياماً وأسابيع.. لم يبقِ مكاناَ إلا وفتشوا فيه.. البيوت المزارع، أشجار الصبر الحواكير، في كلّ الأمكنة، لم يهتدوا إليها.
مشكلتهم أن الجنديين اللذين التقينا بهما،لا يعرفاننا..
حقَّقوا مع الرجال.. مع النساء والأطفال.
سجنوا من سجنوا.. ضربوا عذّبوا..
وكنتُ أنا ورفيقتي من بين المعًذبين..
ولكننا صمدنا وصمتنا.. ولم نتكلّم لم نسلِّم سرَّنا.
***
كنت صبيّاً في الثالثة من عمري، عندما سحبتني جدتي عمشة من يدي، وجرّتني الى خارج الدار، دون أن أدري الى أين ستأخذني معها. وكنت كلما حاولت أن أنطق تزجرني آمرة :
إمشِ معي وأنت ساكت!
فاستسلمت لقيادتها لي، ومشيت معها. دون أن أدرِي الى أين وجهتنا. وما سبب مشوارنا.
مشينا نطوي أزقة البلد، الى أن خرجنا منها الى منطقة حواكيرها.
وصلنا الى إحدى السناسل. وقفتْ هناك وطلبتْ مني أمرة، وهي تشير الى مكان في السنسلة:
إمسك بيديك الحجارة الموجودة في ذلك المكان، وارمها خارجها..
نظرتُ الى عينيها، فكانتا تصدران سهاماً حادة من الإصرار والتصميم.
حاولتُ أن أنطق لأسألها : ما هو الهدف من فِعل هذا!؟
فوضعتْ سبابتها على شفتيها لتفهمني، أن عليّ أن أفعل ما تأمرني به، ولا مجال للمراجعة.
فبدأتُ العمل.. كان عليّ أن أحمل الحجر الذي تشير عليه، وأرميه خارج السنسلة.
كنتُ بين رمي كلِّ حجر وآخر، أسترق النظر الى عينيها،لأرى تفاعلها مع ما أقوم به، فلا أجد تغييراً يذكر. كانتا منصبتين على ما ينكشف لعينيها من تحت الحجارة.
وإذا بها تصرخ بيّ : توقف!
فتجمّد جسمي وشُلًّت يدايَّ.. تقدمتْ منّي وتابعتْ أوامرها :
إرفع ذلك الحجر بلطف وابتعد عن السنسلة!
ولما رفعت الحجر الذي أشارت إليه، ظهر أمامي طرف جسم من حديد صدئ..
طلبت منّي جدّتي الابتعاد ووقفت مكاني، وبدأت تزيح الحجارة التي تغطّيه.. فصار هذا الجسم يتكشَّف أمام عيوننا شيئاً فشيئاَ، حتى بان لنا بأكمله.
ما هذا يا عمّتي.!؟ سألتها والدهشة تتملّكني..رفعت سبّابتها ووضعتها على شفتيها لتفهمني أن أسكت، ولا أنبس ببنت شفة.
رفعت خالتي الكتلة الحديدية التي أكلها الصدأ.. فبانت أمام ناظريَّ، ما يشبه البارودة التي رأيتها على أكتاف حرس الحدود،الذين كانوا يمرّون أمامنا من أزقَّة بلدنا متوجهين الى الحدود..
أخرجت من عبِّها حطّة سوداء كبيرة، ولفّت البارودة عدة لفات، وأسقطتها في وعاء كبير. كانت تستعمله في جلب الماء من النبعة، ووضعتها على رأسها، ومشت أمامي وتبعتها راجعين الى البلد.
فارقتُ طقطقات مزاريب الدار، واستسلمت الى أحلام عميقة.. صحوتُ على يدٍ تربِّتُ على كتفي، وتنتشلنّي من نومي.. كانت جدَّتي!
أردتُ أن أقول شيئاً، فسبقتني ووضعتْ يداً على فمي، وبالأخرى أشارت الى أخي الذي كان ينام بجانبي..
سحبتني من يدي، وانتقلنا الى غرفتها، وهناك جلست بجانبها على فرشتها، أستمع الى قصة البارودة..
***
بعد احتلال قريتنا، كنا نهرّب بضاعة عبر الحدّ الذي فصلونا به عن جنين وطولكرم.. كانت هذه حواضرنا، التي كنّا نتزوّد منها، بكلِّ ما نحتاج له من مؤن وملابس وأحذية وأدوات للمنزل.
وانقطعت عنّا معظم مستلزمات الحياة. قطعونا عن العرب، ولم يزودونا بالتصاريح للوصول الى المدن اليهودية، للتزوِّد بالمواد التموينية ومستلزمات المعيشة، ومنعونا من الوصول الى حقولنا في الروحة، ففُقِد القمح وغيرها من الحبوب من خوابينا.
عملت أنا وبضع نساء من القرية بالتهريب.. كان لنا مهربات من الجانب الآخر من الحدود من المنطقة التي أصبحت جزءا من الأردن، نلتقي معهن لنتبادل معهن، هنَّ يحضرن البضائع من طول كرم ونابلس وجنين، ونحن ندفع لهن ثمنها نقداً.
هن يعانين من تعذيب وملاحقة الجيش الأردني، ونحن ذقنا الأمرين من حرس الحدود الإسرائيلي.الجيشان كانا يحاولان بكلِّ الطرق منعنا من التهريب. و كلّ من تثبت عليّها "جريمة" التهريب، كانت تعاقب بالسجن أو دفع غرامة كبيرة.
***
قعدنا، أنا ومرافقتي، بين شجيرات السَّريس، نأخذ بعض الراحة من عناء السير حاملين البضاعة المهرّبة الثقيلة. وإذا بخشخشة تصل الى آذاننا عن قريب.. فعرفنا من وقع خطواتهم، أنهم من حرس الحدود، رمينا بضاعتنا في قلب السريسة ذات السيقان المتشابكة، وأسرعنا بالإبتعاد عنها بالقدر الذي نستطيعه قبل وصولهم إلينا.
ولما التقينا بهم صاحوا بنا قفا مكانكم، فوقفنا..
فتشونا فلم يجدوا شيئاً..
وين خبيتن الأغراض..صرخ أحدهم..
لا يوجد معنا سوى شِجّيره ( ميرميّة ).. وكنّا قد لقَّطنا كميَّة منها احتياطا..
وبعد أن أفرغوا تهديداتهم وإغراءاتهم، تأكَّدوا أننا لن نستسلم ونسلِّمهم بضاعتنا.
وفجاة سحب أحدهم باروده من كتفه، وصوّبها باتجاه رفيقتي.. وصاح : إمّا البضاعة أو بطخ!
توقفت جدتي عن الكلام، وتحوّل وجهها الى صفيحة تغزوها موجات من الإحمرار والسواد..
لا أدري كيف فعلت هذا..
هجمتُ نحو الجندي الآخر، وسحبتُ البارودة من يديه..
وصوّبتها نحوه..
وزعقتُ به : إن لم ترمِ البارودة على الأرض، سأطلق النار عليك!
فرماها حالاً على الأرض، والخوف يعصف بجسمه..
أمرتُ رفيقتي بلمِّ البارودة عن الأرض.. ومشيتُ أمامها، وصحتُ بها اتبعيني..
ولما ابتعدنا عنهم مسافة قصيرة.. حوّلتُ عينيَّ باتجاههم، وصحتُ بهم وأنا أصوِّب البارودة نحوهم :
إن إلحقتونا سيكون مصيركو الموت!
وافترقنا في أوَّل البلد، واتجهت الى الحواكير، ودفنت بارودتي تحت حجارة السنسلة، أما رفيقتي فلا أدري حتى اليوم أين ذهبت بها.
إلتقينا مرّات لا تحصى ولم نتكلّم في هذا الموضوع أبداً. كلّ واحدة احتفظت بسرٍّها لها، وحتى مع شريكتها "بالجرم" لم تتكلّم عنه.
حتى عن التهريب لم ننقطع، إلا بعد بدأت تصلنا البضائع من عند اليهود.
توقفت جدَّتي عن الكلام، وتسلَّلت الى شفتيها ابتسامة متشفِّية وقالت من خلالها :
وأريد في النهاية أن أذيعك سراً " أنني لم أعرف شيئاً عن استعمال البارودة، ولم أطلق في حياتي طلقة واحدة!
عرعرة







.png)


.png)