الطريق الى يبنه..

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 كانت هي طريقي التي داومت عليها سنوات طويلة. من بلدي الى يفنه ومنها أعود الى بلدي.. ورثتها عن أبي..

وفي يفنه التقيت بمارغريت..

بدأ أبي يحكي قصته مع مارغريت اليهودية.. التي حكاها لنا مرات لا تحصى. 

هي أخت بنحاس صاحب البيارة، التي أوَرِّد له زبل مواشي البلد، وأتقاضى مقابلها حمل برتقال من بيارته، التي لا أدري كيف استولى عليها من صاحبها أبي حسين، بعد أن هُجّر من بيته وبيارته الى بلاد الشَّتات.

 علاقتي مع أصحاب هذه البيارة قديمة. فقد كان أصحابها العرب من قرية يبنه توارثوها عن أجدادهم.. وأنا ورثت تجارتي معهم عن أبي.. 

 أصلّي الصبح في بلدي، وبعدها اتوجّه الى بيارة تقع على مشارف قرية يفنه، فأصِلُها وقت الغروب. أنزِّل حملي في البيارة، وبعدها أكمل مشواري، لأبيت ليلتي في بيت صاحبها. وفي اليوم التالي وبعد صلاة الصبح، أركب حماري وأجرُّ جملي، وأقطع الطريق عائداً الى بلدي.

ولكن جاء يوم..

وصلت البيارة وإذ برجل يستقبلني لم أره من قبل.. تقدّم مني وبادرني قائلاً: أنا بنحاس.

قال عن نفسه أنه صاحب البيارة الجديد.. وقبل أن أحاول أن أستوعب الأمر أكمل:

اشتريتها من العرب أصحابها السابقين.. وهي ملكي الآن، وستبقى المعاملات التجارية بيننا كما كانت.. أكمل وكأن الأمر طبيعيّاً..

"العَشَرة على المسطبة"، أجبروني على الاستمرار في التعامل مع بنحاس..

 في إحدى المرات وصلت البيارة، وقبل أن أنزل حملي عن الجمل، لمحت خيالاً يقترب مني. نزلت عن الحمار، وانتظرته حتى دنا منّي..

كان أبو حسين.. صاحب البيارة العربي..

فاحتضنني طويلاً.. وداهمتنا سيّول من البكاء والدموع.. نبكي على زمان مضى.. وعلاقات لسنوات طويلة انقطعت. 

ماذا حدث!؟ صحت به..

جئت الى هنا متسللاً.. همس بصوت مخنوق.

الى بيارتك!؟ رددت بألم كاد يقطِّع أحشائي.

 بعد أن استولوا عليها.. طردوني الى الأردن لاجئاً.. أجاب بحسرات باكية مخنوقة.

لم تبِعْها لبنحاس!؟ صحت به من أعماق ألمي.

أنا أبيع أرضي وبيتي!؟ أبيع رقبتي قبل أن أبيعها!. أجاب أبو حسين، وهو يتفجَّر بنحيب قطّع أحشائي.

لم أر اليهودي الذي استولى على بيارتي، ولم ألتقِ به، إلا بعد أن تسللت الى هنا في المرة الأول.. غافلني في الحديث، واتصل بمن اتصل من قوّات الجيش، فاعتقلوني وقادوني الى الحدود ورموني وراءها. أكمل أبو حسين حكايته من بين لهثات بكائه الحزينة. ولما سمع أصواتاً آتية من بعيد فرَّ هارباً. 

ولكن في هذه الليلة، التي عزمت كعادتي، في كلِّ مرة، المبيت في بيت بنحاس، حدث شيء لم أعهده من قبل..

جلستْ معنا في بيت بنحاس امرأة لم أرَها في حياتي، وقبل أن أسأله عن أصلها وفصلها. قال لي أنها أخته تسكن في برديس حنا، جاءت لتزوره، وأنها ستبيت ليلتها عنده.

لاحظت أن مارغريت تتقن اللغة العربية أكثر منْي ومنه. وأنها تعرف جميع القرى والمدن العربية، خبيرة بعائلاتها وعاداتهم. بعد سهرة دامت ساعات قام بنحاس وزوجته، وقال وهو يسير باتجاه الباب: 

أنا وزوجتي سارة سنذهب للنوم في الغرفة الأخرى..

فصحت به: وأنا أين سأنام!؟

ستنام أنت وأختي مارغريت في هذه الغرفة.. أنا لا أستغني عن زوجتي.

وكان بيته مكّون من غرفتين..

فصحت به كالمصروع: أنا وأختك ننام في غرفة واحدة!؟

نعم وما الخطأ في ذلك !؟ أجاب وكأنَّ الأمر عادي وطبيعي.. وغادر الغرفة وسمعت صوت طرقة إغلاق باب غرفته..

قمت من مكاني، والدُّنيا غائمة في وجهي، باحثاً عن باب الغرفة، لأهرب

من هذا " الشحار" الذي وقعت فيه.. فوقفت مارغريت في فتحة الباب، لتغلقه أمامي لتمنع خروجي منه..

وبدأت تهذي سيّل من الكلام:

الأمر ليس كما ظننت.. إجلس لوقت قصير واسمعني، وبعدها لن أقف في طريقك للعودة الى بلدك.. فالغرض من بقائنا لوحدنا ليس كما ظننت..

جلست على كرسي واللهاث يشلُّني..

وبعد أن لاحظت أن هدوئي بدأ يعود إليَّ أكملتْ ما بدأته: هدفي من خلوّتنا معا ً، أن أعرض عليك شيئاً فيه فائدة لنا ولك.

من أنتم!؟ وما هو هذا العرض!؟ صرخت بها بعدما شعرت ببداية عودة فوران الغضب الى مشاعري.

نحن من أمن الدولة.. نريد منك مساعدتنا..

أنا!؟.. ماذا تريدون منّي!؟ 

أنت تعرف أن دولتنا في بداية قيامها.. ولها أعداء كثيرون من العرب يحاولون التخريب وإعاقة قيامها.. منهم من قرى عرب الدولة، ومنهم من هاجروا لاجئين ويتسللون أليها.

وماذا تريدون منّي!؟.. من زبّال مثلي!؟

أخبار فقط.. أخبار عن هؤلاء المخرِّبين.. هذا ما نريد منك.

ردّت بصوت أدخلت فيه نوعاً من التَّحبب.

حبُّ الاستطلاع أخمد غليان ثورتي، وجعلني استمر في الانصات لها، لمعرفة الهدف التي تريد الوصول إليه لها..

وبالمقابل ستنال جزاءك.. أكملت بعد أن رسمت ابتسامة مفتعلة على شفتيها. 

وما هو هذا الجزاء!؟ سألتها لأصل الى قرارها.

ليرات لا تعدُّ.. ونعيد لك أرضك المصادرة. وأنا ألا أعجبك!؟ فستكون هذه الليلة الأولى لنا معاً.. سأوصلك فيها الى لذات لم تعرفها من قبل - أكملت بغنج يخالطه إغراء.

قمت من مكاني واتجهت الى الباب. وعندها قالت محاولة تأخير هروبي: لم تجبني على عرضي لك.. قالت وهي تمسك بكتفي..

سأجيبك عندما أعود الى هنا بحملي التالي. أجبتها ساخراً وأنا أصفق الباب ورائي. ركبت حماري بعد أن قطرت به الجمل، وأخذت طريقي الى البلد..

 كان الظلام دامساً، يمسك في خناقه سكون أخرس، لا تخترق سكونه إلا أصوات الحيوانات البريّة.. مشيت في الطريق المحاذي لأشجار البيارة التي صلبها الصمت والسكون. وتركت للحمار أن يجد الطريق. فقد مشاها مرّات كثيرة.

مشينا ما يقارب "شرب سيكارة "، وإذ بكشافات تجتاح الظلمات حولنا. وتتوجه الينا. فوقف الحمار وتبعه الجمل. أعمتهم الأضواء الكاشفة..

قف في مكانك.. ولا تتحرّك! داهمني صوت قويٌّ من وراء الأضواء. بعد أن وُجَّهت باتجاهي..

فقلت لنفسي والخوف يداهمني: اليوم يومك يا أبو حسين!

وقبل أن أجد نفسي من الصدمة، صاح بيّ صائح كان يقترب منّي: انزل عن الحمار، وارفع يديك الى الأعلى!

نزلت عن الحمار، فتسللَّت أنظاري الى لأتبيَّن من وراء هذا الذي يحدث، كان رجل يحمل كاشف الضوء المسلّط عليّ وعلى حماري وجملي، وعندما دقَّق نظري، صادت عينايَّ رجلين وراءه، واحد منهم يمسك بقوة بالآخر..

وعندما اقتربوا منّي.. كانت المفاجأة.. أبو حسين الذي التقيت به متسللاً ليرى بيارته التي سلبت منه وطُرد منها.

كان رجل يمسك به مكلبشاً مشهراً عليه بندقيته..

إقـترب منّي رجل الكشاف، وفتَّش جيوبي وخُرْج حماري وأكياس جملي..

أنت تعرف هذا الرجل! صرخ بيَّ مشيراً الى أبي حسين.

نعم أعرفه.. فقد كان صاحب هذه البيارة. 

ولم تلتقِ به عصر هذا اليوم!؟

نعم التقيت به.. أجبته محاولاً إفهامه أن الأمر طبيعياً.

لماذا لم تقم بتبليغ الشرطة عنه، بالرغم أنك عرفت أنه دخل البلاد متسلِّلاً!؟ وهذا كما تعرف يضعك تحت عقوبة القانون.

أنا لا أعرف أحداً هنا لأبلِّغه عنه. 

إركب حمارك، واسحب جملك، ورافقني الى القيادة..

أين هذه القيادة!؟ سألته تائهاً..

قيادة الجيش والمخابرات. أجاب كمن يفعل شيئاً عاديّاً.

كان اسمه عاموس، مشى وسرنا أمامه، وهو يسلِّط علينا سلاحه.. مشينا في نفس الطريق الذي أتينا منه، لم نحد عنه لا شمال ولا يمين.. بعد ربع ساعة وجدنا أنفسنا في ساحة بيت بنحاس. وكانت مارغريت تنتظرنا على شرفة المنزل.

تركنا عاموس في حراسة مساعده، وصعد الدرجات، ودخل هو ومارغريت الى داخل الغرفة.

بعد لحظات، سمعنا أصواتا تتعالى، وسرعان ما تحوّلت الى صراخ وزعيق.. بعدها فُتح باب الغرفة بعنف شديد، تلته الصيحات التي انتشرت في جميع الجهات..

أنت هناك.. تعال الى هنا! صرخ الرجل الذي ساقنا بالعم أبي حسين..

تقدّم أبو حسين من الدَّرج والخوف يستولي عليه.. فصاح به: أنت بعت بيتك لصاحب هذا البيت !؟..هل بعته لهذه المرأة التي تقف أمامك!؟

أنا لم أبع بيتي.. ولن أبيعه لأحد!. ردَّ أبو حسين ترافق صوته، صحوة من القوة والتحدي متغلِّباً على أثقال خوفه.

استمر العراك وكيْل التهديدات المتبادلة بين مارغريت وعاموس..

ولكن بعد حين انسحب عاموس بعدما أمر مساعده باللحاق به متوَّعداً أنه لن يسكت على الوضع. وأنه سيري مارغريت ماذا سيفعل.

وفي طريق انسحابه من ميدان المعركة، سمعها تصرخ به: افعل ما بدا لك! فأنا لا أخاف منك.. ولا من معارفك.

بحثت عن أبي حسين فلم أجده.. فقد استغلَّ مغادرة حارسه مع عاموس وهرب من المكان..

أما أنا فركبت حماري وسحبت جملي، ووجهتهم الى طريق البلد.. 

لم نبتعد عن البيت سوى خطوات.. وإذا بصوت يناديني:

عبدالله !.. عبد الله !

كان صوت مارغريت.. كانت تناديني للمبيت معها. ولكني أكملت مسيرتي نحو بلدي..

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة

featured

سقوط وهم الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل