توحُّد للآلام!

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

 

 

جلسوا على حافة الطريق، التي كان يرصفونها ببلاط الشوارع، واحتموا بما تجود عليهم  شجرة كينا قديمة من نتف الظلال، واخرجوا زوادتهم  وبدأوا يسدّون صرخات بطونهم التي كانت تستغيث بهم، كي يخلصوها من ضربات الجوع الموجعة.

كان الصمت سيِّد المكان، لم تعانده إلا تيارات ريح عنيدة تحاول أن تعبث بما يحاولون فرشه على الأرض من ورق صحف قديمة . فتحوا زوادتهم على مساحة من الأرض حصروها بينهم، ليتناول كل واحد منهم ما يريد من الطعام الذي يتقاسمونه كل يوم معاَ.

وإذ بسيارة تقتحم الصمت، الذي صنعوه كي يرتاحوا  في أكنافه  من عناء العمل، فتمزِّقه  وتحوِّله الى قطع من الخوف والترقُّب، والتأهب  للمجابهة اليومية مع معلمهم شلومو.

 نزل شلومو من السيارة، وقبل ان يتوجه ليتفقَّد ورشة العمل، تقدَّم منهم وبدل من ان يحييّهم  انفجر ضاحكًا، بقهقهات مجلجلة وصرخ بسخرية:

 "انظروا! انظروا! محمد بوكل اللبن بالملعقة!".

  سقطت اللقم من أيديهم، وتجمَّدت في أفواههم وحلوقهم، واغتالت عيونهم موجات من الحوّامات الثائرة، وسرت في أجسامهم ريح لاهبة، حولت دمائهم الى مراجل تغلي فيها  ثوراَت من حمم بركانية.

شعر محمد ان تيارات في داخله تدفعه للوقوف، وإفراغ كل ما فيها من ثوره ونقمة على هذا "الكيان" الذي اقتحمهم.

    واذا بصورة تلك العينين الطفوليتين،اللتين تحملان كل براءة الوجود وأحزانه  تطلان عليه،  فتجمِّد كل تيارات الغضب، التي كانت ستنطلق منه، لتنصبَّ على شلومو.

إنهما عينا ابنه وسيم ..

يعرف أنه إذا ما أفرغ نار ثورته  في وجه هذا المعلم العنصري، فسيعرِّض فرص نجاة ابنه للخطر.

***

         منذ عشر سنين انضمَّ  شلومو  لهم ،عندما كانوا يعملون عند منافسه  "يتسحق".

وقال يومها انه قدم الى البلاد من روسيا، وانه يحمل شهادة مهندس شوارع، وأشركهم في"لعناته" على المؤسسة الحاكمة في اسرائيل، وكيف اصطدم  بأكاذيبهم، فقد أقنعوه بالقدوم الى البلاد بعد أن وعدوه بأنهم سيوفرون له عملًا  يليق بشهادته، ومسكنًا مناسبًا يسكن فيه.

ولكن - حسب قوله - تبخَّرت وعودهم عند نزوله في المطار.

 رموه في معترك الحياة الصعب، في مجتمع غريب عنه  بدون معين، فأضطر ان يلتحق بأي عمل يصادفه، حتى يلملم ما يؤمِّن له لقمة العيش.

فعمل معهم في رصف الشوارع  سنوات قليلة. وبعد أن علموه الصنعة  ترك العمل، وانقطعت أخباره عنهم شهورا عديدة.

بعدها بدأ ينتظرهم في محطة "بيت ليد" التي ينزلهم فيها المعلم، وبعد محاولات كثيره، استطاع اقناعهم  بالانتقال الى العمل عنده، بعد  ان تحوَّل الى مقاول.

قال لهم أنه سيوفر لهم شروط عمل أحسن بكثير،  مما يحصلون عليه  عند معلمهم الحالي.

واستطاع بواسطة "علاقاته"، ان يحصل لهم على تصاريح عمل، لا يقدرون ان يشتغلوا بها إلا عنده، وبذلك أستطاع أن يمسك بخناقهم، ويتحكَّم في لقمة عيشهم.

وبعد إنتهاء "شهر العسل"، بدأ يكشف عن أنيابه الحقيقية، فتحوَّل الى وحش كاسر يتجبَّر بهم.

سلب معظم حقوقهم الإنسانية  قلَّل من أجرتهم، ونسي او تناسى انه كان عاملًا  يفترش التراب مثلهم، وينتظر يوم استلام المعاش بفارغ الصبر كي "يستر" به حياته. ولم يسلموا من "طول لسانه" وهزئه.

  بدأ يستعمل معهم أقذع وأقسى الكلام، ويهزأ بهم وبحياتهم وبشعبهم، فأصبحوا يكرهونه كره العمى، ويتمنون الخلاص منه  ومن العمل عنده. ولكن "أفواها كثيرة تنتظرهم على المسطبة" تنتظر اللقيمات التي يتلقفونها منه، جعلتهم يستمرون في عملهم عنده. فإذا تركوه طارت التصاريح وطار العمل!

***

تركهم  بعد ان هاجموه بالصمت الثائر، وعيونهم تقدح شررًا  من نار ملتهبة تشتعل في قلوبهم، ومشى ليتفقد سيّر العمل.

 فلحق به محمد بصفته أكبرهم سنًّا، وأقدرهم على تحمل إهاناته، كي يتلقى ضربات لسانه، فناوله أضعاف المعتاد منها:

"العمل لا يسير بالسُّرعة  المطلوبة" وهناك إعوجاج في بعض خطوط الحجارة. وادعى أنه لم يتلقى منهم سوى الخسارة، وإذا استمروا بالعمل على هذا النحو سوف "يخسر بنطلونه"!

     كان محمد  على يقين بحكم خبرته الطويلة بالعمل ومعرفته بالسوق، بأن معلمه يجني أرباحًا طائلة، وأنه مهما حاول ان يبحث عن عمال فلن يجد مثلهم، في اتقانهم للعمل وسرعتهم فيه، وانه يعرف أنه يتفوَّه بمثل هذه الأقوال، كي يسبِّب لهم الإهانات، ويشعرهم أنهم لا "ينتجون" الكمية المطلوبة، وان عليهم انتاج المزيد والمزيد!

***

 

    حاول محمد ان يغمض عينيه، كي يهرب  من الأفكار المخيفة التي تهاجمه، قام من فراشه متحاشيًا ان تشعر به زوجته، وتوجه الى باب غرفتهم، وفتحه بكل ما أوتي من لطف وخفه، كي لا يزعج مضاجع النائمين في البيت، وتسلل الى غرفة الأولاد، ووقف بجانب أسرَّتهم، وبدأ يقرأ على وجوههم لغة الحنان والرأفة.

وعندما اصطدمت عيناه بوجه وسيم، سالت دمعاته من عينيه حتى وصلت الى خدوده، فخاف على الاولاد من تنهيدة أو غصَّة  أو انفجار بالبكاء، أو أنين توجع، فانسحب بهدوء راجعًا  الى غرفته و "دسَّ" نفسه في سريره.

ولكن النوم بقي بعيدا عن عينيه فعادت الأفكار والذكريات اللئيمة  لتهاجمه بكل شراسة.

 وعادت الى ذاكرته "قصة" الملعقة  التي رماه بسهامها السامة "شلومو" أمس، فتذكَّر  انه هو الذي احضر له ملعقة من بيته، لأنه بسبب تربيته في روسيا، فقد تعذَّر عليه "تغميس" اللبن بالخبز  مثلهم، فاشفق عليه فأحضر ملعقتين  وصار يجاريه في أخذه اللبن بالملعقة، فوجد في ذلك  اكثر راحة  له، واستمر على هذا الحال حتى بعد فراقه لهم.

والآن جاء ليهزأ باستعماله الملعقة، متناسيا الأيام التي لم يجد ملعقة في بيته الذي سكن فيه كي يحضرها ليستعملها في طعامه في مكان العمل!

***

"غدًا سأتغيَّب عن العمل لأمر ضروري!" توجه محمد  لشلومو.

  لماذا!؟ ردَّ  شلومو صارخًا  كأن شيئا ضربه على رأسه.

 سأتوجه مع عائلتي لإجراء فحوصات، لنعرف إذا كان بإمكاننا إعطاء ابننا "مخ عظام"!؟ رماه محمد باجابه كي يخرسه  ويتخلص من كلامه.

" ابنك!؟". سأل شلومو بذهول.

" نعم ابني!" رد محمد ردا مفهمًا شلومو، أنه لا يستطيع ان يسمع منه المزيد.

    ورجع الصمت ليسيطر عل كل ما في السيارة، التي استمرت بالزحف في طريقها الى"بيت ليد"  لينزلهم هناك، ومن ثم يستقلون سيارة أخرى  مدرَّبه على "المخسومات" الكثيرة، التي تفصل بينهم وبين مخيم جنين.

تغيَّب محمد يومين عن العمل، قضاها في تجنيد أكبر عدد من الناس، التوجه الى مستشفى نتانيا، لإعطاء عيِّنات من لعابهم، لعلهم يجدون الشخص الملائم، الذي يستطيع ان يعطِ وسيم "مخ العظام" وينقذ حياته.

وعندما عاد الى العمل، فوجئ بشلومو يأتي الى ورشة العمل مبكرًا جدًا وعلى غير عادته. وعندما تقدَّم منه ظن َّانه يريد ان يتكلَّم معه بشؤون العمل، وإذ به يرمي به سؤالا لم يتوقعه:

 "هل وجدتم المتبرِّع الملائم لابنكم!؟".

لا.. لا!؟ اجاب محمد والدموع تكاد تنفجر من عينيه.

"أين تُجرى الفحوص.!؟" سأل شلومو والجديَّة تملأ صفحات وجهه.

"في مستشفى نتانيا!" ولكن لماذا تسأل!؟ أردف محمد بذهول.

"لقد عزمت على التوجه الى المستشفى لإعطاء عيِّنات!".

رمى محمد حجر البلاط من يده، وأسرع الى شجرة الكينا، ورمى بنفسه تحتها وتعالى منه نحيب محموم.

خطا شلومو باتجاه الشجرة، جلس بجانبه، انتظر حتى خفَّ نحيبه، وقال وهو يخرج غصّات طال انحباسها في صدره:

"تركت ابنًا لي وُلِد مشلولًا في روسيا - تركته هناك و لم أره منذ سنتين! مشاعرك اتجاه ابنك، أثارت مشاعري نحو ولدي، وأخرَجَتها من المكان التي دفنتها فيه.

سأعود إليه حالًا!".

 أكمل وانفجر ببكاء محموم..

(عرعرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة

featured

سقوط وهم الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل