حوار في ظل "كوفيد 19"

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

قبل كوفيد 19:

جاءت كالغزالة، تحملُ إكليلَ وردٍ أحمَرَ، وابتسامة غمرت البيت عبقا وحياة، هكذا أحبها فارِعَةَ الطولِ، جميلة المحيا، كلُّها نشاط، حيوية وبهاء.

شربا القهوة دون عجلٍ، فالقهوة الفلسطينية تُشرَبُ على مهلٍ.

في نهايةِ السَّهرَةِ ودَّعَتهُ على أملِ اللقاءِ الأسبوعِيِّ، لأنها تَستَعِدُّ لامتِحاناتِ الجامِعَةِ، وهي لا تقبلُ الهزيمةَ أمامَ أحدٍ، فالنجاح لديها واجبٌ، وطني وشخصي، ودين عليها لأهلها. ولذا على النجاح في الجامعة لا مساومة، لقد حفظت كلام والدها لم يبق لدينا في هذه البلاد سوى عِلمنا ووعينا، فقد صادروا أرضنا، وصادروا تراثنا، ومعالمنا، ولا يعترفوا بوجودنا فنحن بالنسبة لهم "غير اليهود" فقط... وعند بعضهم أقليّات... ولسنا في نظرهم أقلية قومية عريقة كانت في سالف الأيّام أكثرية في هذا الوطن.

 

بعد وأثناء كوفيد 19:

جاءت جائحة الكورونا، "دون حضورٍ ولا دستورٍ" كما يقول مثلنا الشعبي، العالم انقلب وتشقلب، الأخبار تعلن عن أموات، وعن إصابات، والقاتل لا يُرى بالعينِ المجرَّدةِ، قالوا: إنَّ اسمه" كوفيد 19"، الحياة في المدينة تغيرت، والجامعة أقفلت أبوابها إلى أجلٍ غيرِ مُسمى، راحتِ الفرحةُ... وجاءَ حزنٌ خيم عليها وعلى بلدتها وأهلها، بل وعلى العالم أجمع، لا طيران، ولا باصات عموميّة، ولا مطاعم ولا.. حياة كما كانت.

  • أينَ اختفيتِ؟ سَألها
  • في البيتِ...
  • لكن بعضَ الناسِ يخرجون من بيوتهم، قال: محاولًا إقناعها بالخروج.
  • أنا لا أخرج، قالت بحزم على غير عادتها.
  • ولكنه يريد أن يراكِ.
  • لن يراني والجائحة تدور بين البيوت والحاراتِ. فهي موجودة في كلِّ مكانٍ
  • لكنّه مشتاقٌ لمحيّاكِ ولابتسامتكِ...ولتقبيل يديكِ كما عوّدتِهِ.
  • هل هو مجنون في وجودِ الجائحة، لا يخرجون من بيوتهم... الزم بيتك أنت وهو وأنا لازمة بيتي.
  • لكن...! قُتِلَ.... استشهِدَ.... مصطفى (1) ابن صفكما بدم بارد، ليس في معركة ولا بسبب سرقة، ولا انتقاما لجريمة ارتكبها...بل أمام المستشفى.... وهو المريض... وهو الشهيد!!! والمظاهراتُ تطوف الشَّوارع في البلدة.
  • له الرحمة... أنا أتظاهر في البيت.
  • كيف؟
  • أحضرت بطاقة وكتبتُ عليها "شُلت يد القتلة.. مجرم من يقتلُ بريئا... لن ننساك يا مصطفى... لن ننساك يا زميلنا " وبكيتهُ... وبكيتُهُ.
  • لكن الناس لا يتظاهرون في بيوتهم بل يظهرون... ليُظهِروا معا احتجاجهم.
  • وأنا أظهره... فقد صَوَّرتُ مظاهرتي بالفيس بوك ويشاهدها الآلاف المؤلفة.
  • لكن عملك هذا فردي.. ولا قيمة له بدون الجماعة.
  • أشركت الجماعة عن طريق الفيس بوك... و"الزوم" في زمن الجائحةِ هذا احتجاج أيضا.
  • لكنّهُ يريدُ أن يرى الحمامة، ليبقى على قيد الحياة حرا طليقا.
  • الحمامة في عُشها ولن تغادره... قبل مغادرة الجائحة، والحمامة تخطت حب مجنون ليلى، والموت بسبب ليلى أو غيرها، وعليه أن يتخطى أيضا هذه المرحلة.. الحب سيبقى هو الحب... ولكن التعبير عنه اختلف وسيختلف، الناس في عصر الجائحة يموتون منها دون أن يروها..
  • قد يخرج على شرفة بيتهم ويصيحُ: "جننتُ أريدُ أن أرى الحمامة"؟
  • هذا مجنون لا يفهم المرأة، ولا يفهَمُ عصرهُ.
  • يقول: إنَّ المرأة مجنونة.. لا تفهمِ الرَّجل.
  • يقول: قولي لي هل تهذين أم تحلمينَ؟
  • شيءٌ من هذا وشيء من ذاك.
  • إذن لماذا لا تظهرين ولو للحظة، فمُنذُ الجائحةِ لم أركِ، يقول بألم.
  • قلتُ لكَ: الجائحةُ مازالت تسبح وتمرحُ بين البيوتِ وبينَ النّاسِ... أنتم لا ترونها ولا أنا... وأنا لا أغامر في هذه الحالات، لقد أرسلتُ له صورتي وكلماتُ محبتي ع الفيس بوك.
  • يقولُ: صورتكِ ليست أنتِ... والكلمات ع الفيس بوك ليست كلماتك عندما تكونانِ معا.
  • إذن مازال في عصرِ مجنون بثينة، ومجنون ليلى ولم يرتق لعصر الجائحةِ.
  • يقول: أنتِ لا تفهمينني... أنا لا أستطيع الحياة بدونكِ
  • هو فتى أحلامي... وحلمي الأبدي...!! ولكن إذا خرجنا سنموت معًا... وماذا استفدنا وماذا أنجزنا.. أين حلمنا بفراشة تملأ البيت محبة وعشقا.. أين حلمنا بصبي يشبه والده... سمرة ووردا... وورد بين أترابهِ!!
  • يقول: لن نموت!!
  • بل نموت.
  • مجنونة.
  • مجنون
  • (في غناء معا، العاشقان والراوي وأصوات تملأ الفضاء):

" سنبقى...سنبقى...ولن نموت

عاشقين رغم الطاغوت

...وطن جميل عند الأصيل 

الجلال والجمال في رباه...

سالما منعما مبتغاه.

نراه في علاه يبلغ السماك.

والشباب لا ولن يمل

الجائحة ستزول.... ستزول... ستزول

وعزنا يطول... سيطول

على أرضنا قرب نهرنا

الحسام واليراع عزنا

وحدتنا سِرَنا

والظلم لن يدوم لن يدوم

حبنا سيطول....سيطول

وأرضنا لن تزول لن تزول".(2)

 

إشارات:

  1. إشارة لمقتل واستشهاد الشاب مصطفى محمود درويش يونس (26عاما) من بلدة عارة في المثلث الشمالي، أمام المستشفى في تل أبيب يوم الأربعاء الموافق 13-05-2020، مما عز على كل إنسان عاقل، وليس فقط أهله، وأقيمت المظاهرات الاحتجاجية في عارة وعرعرة شارك فيها الأهالي وقادة المجتمع.
  2. في هذه الكلمات يوجد تناص واضح لقصيدة شاعر فلسطين المرحوم إبراهيم طوقان (1905-الثاني من أيار 1941م).

 

(عرعرة– المثلث).

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة

featured

سقوط وهم الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل