ديسمبر

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

كم أحبك!
كم أكرهك!
كم يزوروني الفرح في حناياك!
كم تطعنُني أنصال غدرك!
مُتباينٌ أنت، تسكنك الأقنعة، وانا أكره الأقنعة مثلك، فيك من شيم أخوة يوسف لكنك بريء كذئبهم من دمه.
 لربما أصابك الانفصام، فلا بأس بجلسات اِستشفاء مثلما أحتاج أنا جلسات اِستسقاء.
 اِستسقاء سكينة، واستسقاء نسيان، وبعض من جنونٍ يُخْرجني من مضمار الجري اليوميّ، وربما أبتغي زهايمر يُصيب الرّوح فيُعْتقها من بعضِ ما فعلت يداك.
عَتبي عليك كبير لأنني ابنتك، فيّ الكثير منك، من مزاياك، فيّ مُرادفك ونَقيضُك.
لذا أحبك رغمًا عني وعنك!.
رُبما لأنك أهديتَ أمّي بكر الأمومة، ومنحتَ أبي كُنيته، ورُبما لأنّني فيك رُزقت بحلاوة بيتي وطيشه، وشغفه.
لكنّني فيك فقدتُ بعض روحي وكُلّ حُبي، فكيف لا أتوه في دهاليز انفصامك؟

عابثٌ انت!، اِعْتدتَ العبثَ بقلوبِ الغيمات، لا هَمْ لكَ سوى التلاعب بقلوبهن رغم ما يَحْملْنَهُ من عشقٍ لِسَماك.
فتلك حُبلى بأبنائك أصابها السّواد من فرطِ الثّقل، وتلك حائرة، لا تعلم أين سَيوصِلها طيشُكَ، لا بياض يُحرّرها ولا سواد يشفع لها، فكان رمادي اللون خيارها، وتلك السّاذجة المُنصاعة لهوائك وتعجرفك ما زالت بيضاء القلب لم تختبر مرارة خذلانك بعد، اشْفِقْ عليها، لعلها تُنجيك من آذار عندما تحل الهاوية!.
ديسمبر.. لا أخاف رُعودك بل وعودك!.
لا يُفزعُني بَرْقْك بل موتك!.
لم أخش بردك يومًا لكنه بات يُثكل الأمهات ويمتهِنُ كَوْي القلوب. كنت أترقب غيثك لكنه صار يجلب الآهات، فرفقًا بهم!.
فيك مني وفيّ منك، نهوى دروب العطاء وتجمعنا واو المعيّة، ننسكِبُ على شُرفات الغرباء نُثرثر ونهمي، تحكي لهم عن كوانين المطر وأسردُ أنا ما خبأته جدتي هنا في صدري من حكايا جارها " ابو الولايا، سيد الرِّجال"...
ديسمبر كُنْ وفيًا لمواقد النار التي استضافتك وأجدادي حولها يرددون:
" يا الله الغيث يا دايم...تسقي زرعنا النّايم...تسقي زريع هالبد... يلي للكرم دايم
يا الله الغيث يا ربي...تسقي زرعنا الغربي.. تسقي زريع هالبد.. يلي للكرم دايم
يا رب بِلّو بِلّو... وِتْبِل زريعنا كلو... يا رب مطر مطر.. تانسقي هالشجر
يا ربي نقطة نقطة.... تانسقي حلق القطة.... يا رب المطر والسيل...تانسقي البقر والخيل".

**
تُزين النوافذ بقطرات المطر وانا أنفخ هوائي الساخن على زجاج أحبتي وارسم قلوبًا تحمل محبتي ، يقطعها سهم سريع لا يخطئ إصابة الأفئدة أبدًا، أرسمُ بسذاجة مُفرطة اشتهيها، بعد أن أصابتني لعنة الواقعية المفرطة. 
فيك انتعلنا جزمات سوداء وقفزنا في بركة الماء المتوقفة في ساحة بيتنا، لم يكن بردك حينها يؤذينا، بل توبيخ الأمهات وقرصة الأذن أشدُّ ما نخشاه، كنا نغني حينها والمطر فوق رؤوسنا:
" يا دنيا شتي شتي.. وبدي أروح عند ستي... تعملي فطيرة..على قد الحصيرة.. اوكلها وأنام.. وأصبح جوعان.. مثل طير الحمام" .
كنت مشغولة بتخيُّل الفطيرة التي بحجم الحصيرة حين دخلت بطات أم ساري البركة بسرب منظم واحدة تلو الأخرى لتمارس فطرتها في السباحة، وكانت شقاوتنا تُحتم علينا جمع الحجارة ورميها بها، بدأنا بتنغيص عيشها لكنها كانت تصيح وتطير وتعود من جديد إلى البركة الشتويّة عينها دون أي يأس فهي مثلنا تفعل ما تحب، ولا يقطع متعتنا إلا صوت الحجة أم ساري جارتنا التي سمعت استغاثة بطاتها فتصرخ علينا وتتهم أمهاتنا الغافلات عنا في شؤون المطبخ بالتقصير والإهمال، فنضطر لترك البركة للبطات اللئيمات لأن التأخير ثمنه علقة بالعصا، فنعود أدراجنا وشتائم أم ساري تَزُفُنا وقولها الشّهير " عديمين الترباية " يقف بيننا وبينها وضحكاتنا المكتومة نخفيها حتى نجتاز درج بيتها، فننفجر ضاحكين وديسمبر في الزاوية يقف ويغمزنا بعينيه وابتسامته تَعِدُنا بلقاء جديد عند مطر الغد.
لا أذكر نفسي فرحة بقدر سروري بالقفز بمائك وبتلطيخ ثيابي بوحلك، لا أذكر أني تعلمتُ من أحد بقدر تعلمي من تجاربي فيك، السّير فوق بقعك علمني الحذر والحيطة، واللعب بوحلك جعلني فنانة في اِبتداع الحلول لمصاعبي ومشاكلي. علمتني جَمْعتي مع أولاد حارتي تحت بردك حُبُّ الناس، كُلّ الناس، صغارًا وكبار، فصغارهم دواء لفكري وقلبي، وكبارهم مُتكئ الرّوح عند التّعب، وسند الظهر عند الوقوع، ملخصهم خبرة الحياة واختبار النوائب والأحداث.
 كنتُ أشكي لجدتي قسوة أبي فتقول" معلش يا جدة ، هو خايف عليكم" لم تعرف حينها بأن " معلش" هي مرهم الرّوح ونافذة البصيرة والإيمان العميق واليقين بأن أقدار الله كلّها نافذة وحكيمة، فرب الخير لا يقضي إلا بالخير.
لا تنس أبدَا بأن أولئك الذين سكنوا ووِلِدوا بجانب الشّواطئ يعرفون تمامًا ما تفعله ببحرهم، فهم يتقلبون على أسرتهم ليلًا وجارهم يزمجر هديرًا يضرب أخماسًا بأسداس، يبيتون ليلتها والقلب يحترق والجفون تسترق اللحظات والآذان قد تشنفت لأنّ الطّبيعة تحكي وحدها مونولوجاتها حتى الصباح، علّها تُلقنك درسًا.
 ويشقشق الضياء فيعبق شذاه ليملأ حيّزهم وبيوتهم ، هم لا يخافونه فقلوبهم مثله واسعة لكنهم يعلمون بأنك أنت "المتحركش" الأوحد وهو المُتزن الأوفى لهم، وإلا فما تفسيرك لعطائه فجرًا بعد ليلة هائجة وثائرة، أسماكه الوفيرة صباحًا ما هي إلا رسالة إعتذار يرسلها لهم، فتقف أنت هناك بينه وبينهم لتستشعر طباعهم وصمودهم الذي رضعوه من رذاذه وملوحته، وتلتمس جَلَدهم الذي تعلموه من زنبقة سواحله، علاقتهم به ستصل الفناء قبل أن تفهمها.
ما أفْسَدْتَهُ ديسمبر أصْلَحَتْهُ آيات فجريّة تُطَبْطِبُ على قلبي، وَسِجادةُ صلاة، وركعات في كبد الليل تمنحني الوئام، وكتب أقرأها تملأني بحيوات أخرى، تُحييني وتُسكنني في أحضان الكلمات وبين شخوص ورقيّة تمنحني ميناء سلام، يُصْلِحُه مَدادي وَنَثْر عِطْره وَأَفْكاره، وإبريقُ شاي يُكرْكِرُ مُنْتَظرًا عُود ميرمية وَرغيف زعتر.
مطرك المُتساقط على أنْفي ورأسي، والواقع كالسّوط على ظهري عَلَمني مُتعة الإصْغاءِ لرسائل السّماء المنهمرة، ولِحَمْدِ الأرضِ الْعَطْشى عِنْدَ الإرتواء، وَلِأَنين السّحاب وبِكاء المطر . 
وعلمني الإصغاء لنفسي ورغباتها، مشاعرها وأحاسيسها، علمني البحث عن اللماذا الواقعة في كوامنها، علّمني استعمال أجنحتي التي زرعها لي والدي وقوّاها وسقاها بالحب والإيمان والثّقة. علمتني يا ديسمبر القوة في الوقوف، علمتني أن أكون العامود الفقري الصّلب الحامل رغم حاجته للمُتكئ أحيانًا.
أنا لم أخشَ يومًا السّير تحت رَذاذك لكنّني قاطعته لأنّ أمّي تخشى عليّ منك فَبدني ضَعيف ومناعتي هشّة، وأنا أخشى على قلبها من أن يأكله حزنٌ سببه ديسمبر. 
 أيُّها الإبن البار بقوانين الطّبيعة، القاسي رغم بِرّك، القارس رغم دفئك، الهشُّ رُغم صَلابة عودك، المتوحد في قلبي رغم إنني إمرأة حَكاءة تشتهي الصّمت في حضرتك، تعَمَدتَ دومِا أن ترديني أسيرة الأمس وأنا الهاربة منه أحد عشر قمرًا، أضحيت نوستالجيا تزعج أوصالي وتفقع مرارتي فيلعنك طبيبي في سرّه لأنك غريم لا تهزمه الألباب.
ديسمبر....ألا يشقيك يبوس نسياني وانحباس أمطاري؟!.
 وأنت الدّاعي دومًا لِنمو وتَجدُّد تحكيه آلسنة مزاريبك، وانفلات شتاءك، وأنت الصّارخ بزمهرير بردك وعصف رياحك، لماذا تتوقف عقارب معتقداتك عندي فلا تحمل لي سوى الحنين؟!.
ديسمبر… ما بيني وبينك، لا يقولبه ثأر ولا يحتويه حب، ولم يأتِ عليه الغفران او الحقد.
أَفْرحُ كلّ عام بِمُلاقاتكَ كَفَرَح الُمتيمة بالحُبِ الأولِ، كَفَرَح الْأَرض العطشى بالوسْميّ، كَسَعادة الرّحمِ بالجنين البكر والأرض البور بتفلُّقِ البذرة، تمامًا كَفَخْرِ الْكاتِبِ بباكورَتِهِ الأولى، كَشَغَفِ الْفَلاح بِسَنابلِ الْحَصاد الْحُبْلى.
لكنّ أَنامِلَ فَرَحي مُلَطخة بالدّماء. يَشوبُ قَلْبه الْأبيض السّواد، سَأترك ما بيني وبينكَ للأيام، أليست هي ذاتها من وأدت ثأر داحِس والْغبراء؟!، فلعلها تئدُ ثأرنا.
**
ديسمبر 
ما بيننا لنا. لكنني أرجوك أن تزرع بلادي بياسمين الحب والأمان، اِجعلْ حقول القمح مُثقلة الرؤوس بالخير، رفقًا بنا!... فكانونك ما عاد دافئا ووفيًا، وما عادوا بيننا ليستعجلونك بأهازيجهم وأغانيهم...وحكاياتك أنت أمست مغازيها موت طفل وانتحار نَخوة!.
فالزمان غير الزمان!.
عُدْ مُنعشًا لطفولتي رغم ما تحمله من أنصال الفراق، اِمْدُدْ يد الدفء وامسح برفقٍ على وجوه الأطفال.
واجعل عتبة كانونك التالي مدخلًا للسكينة والأمل والحياة، أصْلِحْ ما أفْسَدَتهُ يَداك!.
جسر الزرقاء

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة

featured

سقوط وهم الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل