عامٌ متجدِّدٌ أم متجبِّر كسابقه؟!!

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

عملية الكتابة عن العام الجديد، أصبحت تقليدًا مملًا، إنّها مجرّد إبداعٍ لغويٍّ محبّبٍ على الجميع، روتين تعبيري عريق، كأنّه فُرضَ علينا أدبيًّا، يقع ضمن أدبيّات الاستهلال الترحيبي أثناء الالتقاء بشخصٍ ما. العام الجديد الذي حلّ علينا، هو عام متجدِّد، يُكمِل ما قام به صانعو تطوّرات العام المنصرم التي جعلت حلبته متجبِّرة بنا، مزروعة بألغام المفاجآت المتنوِّعة. 

بنظري هذا العام لا يسمّى "بالجديد"، لأنّه سيظل مليئًا بالكدمات السياسيّة... مشوّهًا نتيجة استمرار الحروب، بعد أن أجرى جرّاح التجميل الحربي الأشهر نتنياهو عمليات تجميل عسكريّة واسعة على كافّة الجبهات، فغيّر ملامح الشرق الأوسط... محتوى ذاكرة الإنسان نجدها عبارة عن خليط من المشاهد الحزينة والمفرحة، يعتقد لسذاجته أنَّ عصابة ظروف العام الفائت، لن تستبد به ثانيةً، آملًا أن ترأف بحاله! لا يُدرك بالمرّة أنها ستلاحقه أينما ذهب، فيندمج كلِّيًّا معها، إلى أن تجعله ينسى أن عامًا جديدًا منهكًا استلم دفّة إدارة مصيره!! 

مع نهاية العام الماضي ضرب شرطي القدر، مرّةً أخرى رقمًا قياسيًا في اعتقال حياة البعض، جرّها إلى عنابر الموت عنوةً، إمّا لظروف صحيّة أو بسبب تفشّي المرض الخبيث اللعين بين النّاس، فبات لعنةً حلّت عليها!! لذلك هناك العديد من العائلات نَزَحَت راضية بقدرها، إلى معاقل الأحزان الصّامتة والمخيفة، وانفرَطَ نسيج فرحتها بالأعياد المجيدة... 

...إلى هذه اللحظة ما زال الموت يضرب النّاس بسياطه المؤلمة بلا شفقة، فلماذا نُصِر أن نُسمّيه "عام جديد"؟!!، فقط كنوع من المجاملة الشخصيَّة العابرة بين البشر؟!! حتّى المعايدات بقدوم العام الجديد، هي جزء من العلاقات العامّة، لذلك نجدُ وجهاء المجتمع تحديدًا، يخفون وراءها همومهم المتكدِّسَة أمامهم منذ سنين، غير قادرين على إزاحتها عنهم ولو قليلًا. 

الأعوام التي ازدحمت بها محطّات الأحلام، يئست من انتظار قدوم حافلة الفَرَج، فغادرتنا، وبقيت بصماتها ظاهرةً على حياتنا، المتغير الوحيد بالأعوام، هو تسلسل عدّادها الميلادي والقمري، أما أحداثها تبقى تتصارع في الخلفيّة. مع بداية دورة العام الجديد، نتمنّى أن تُنظِّف مكنسة الأمان الوسط العربي من فِخاخ الإجرام المنتشرة في كل مكان، التي تصطاد عددًا غير قليل من الضَحايا عبثًا، وذلك بسبب السياسة الفاشلة لوزير الأمن القومجي المدان بن جفير، الذي يريد أن يطبق القانون حسب مفهومه العنصري، جاعلًا من جهاز الشُّرطة مقرًّا خاصًّا به!! 

العام المسمّى بالجديد غير محبّبَ، ولن يأتي بجديد!!، إنّه مُقَنَّع بقناع الغموض، أصبح لعبة تخمينات دسمة، يتلاعب بها "خبراء التوقّعات المشهورين"، الذين يتقاضون أجورًا باهظة مقابل ظهورهم الإعلامي، فأغرقوا الشاشات بالمخاوف من "التحرّكات الفلكيّة" لشهُور العام الجديد!!، ومع ذلك نجد أنظار النّاس مذهولة من تنبُّؤاتهم الخرافيّة!، بربكم ألا يكفينا التحرّكات الإقليميّة الخطيرة. 

لكن لا بُدّ أن أكون متفائلًا بعض الشيء، رغم أن ما ذكرته هو من عُمق الواقع المُر المحيط بنا... فإنّني آمل أن تمطر طلّته بالخير العميم على جميع النّاس، لكي يلتقطوا عن أرض الوئام أجمل ثمار اللحظات الجميلة، ليجلسوا حول موائد الضّحكات، لأنهم برأيي يستحقون أن يستنشقوا رحيق السّعادة، فإن طبيعة الإنسان تواقة إلى هداة البال، كي يجلس تحت شجر الإرادة، التي ستظلله بالعزيمة، ليواصل حُبِّه للحياة، مُكَمِّلًا حياكة بدلات الآمال، حتّى يلحق أن يلبسها خلال هذا العام المتجدِّد، لتتجدّد نفسيّته المتعبة، قبل أن يتجبَّر به!!

ويبقى السؤال هل ستكتمل حياكة بدلات الآمال على أكمل وجه؟! بصراحة يصعُب الإجابة عليه في ظل الظّروف الرّاهنة التي تعيشها المنطقة العربيّة خاصّةً، مع أنها ستتفتَّق عاجلًا أو آجلًا، لأنّ مُنتَج "التطبيع الفاخر" الذي أطلقه الرّئيس الأمريكي العائد ترامب من خلال اتفاقيات أبراهام في أيلول 2020، لم يُبهر بعض الدُّول العربيّة الخارجة عن الهيمنة الأمريكيّة، مع أنهم قضُوا على القضيّة الفلسطينيّة، برفع أيديهم عن دعمها... معظم بدلات التطبيع حياكتها أمريكيّة، قالبها مصنوع على مقاس التفكير الإسرائيلي المدمِّر للفكر العربي، في حال وُجِد! 

العام المتجدِّد الذي لربّما سيكون متجبِّرًا كسابقه، سيُكمل مسيرته بحذافيرها، دون أن يحيد عن نهجه السّاخر من تطلعاتنا... المتعالي على دعواتنا بحلول السّلام... الخارج عن دائرة كواكب طموحاتنا التي ستصطدم بأرض الخيبة مجدَّدًا... سيبقى متهربًا من ديوان الإنسانيّة الخالي، الذي يردّد صداه، لأنه على ما يبدو كُتِبَ علينا أن نبقى نبحث بين الأشهُر القادمة عن خانَة الرحمة.        

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة

featured

سقوط وهم الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل