البروة مسقط رأس الشاعر العربي الفلسطيني الكبير محمود درويش، وهي تبعد عن مدينة شفاعمرو بلدي كيلومترات قليلة. عبرت بسيارتي من هناك إلى عكا قبل أيام قليلة. كان هدفي البحث عن ذاتي بذاتي وعمّا تبقى من جمال فلسطين قاصدًا مقهى بحريًا جميلًا على أسوار عكا، أشاهد ملحمة الصراع الأبدي وقصة الحب الأزلية بين الأمواج والصخور والأسوار التي تحكي عن ماضينا وبقايا عظمتنا الغابرة التي مرّت من هناك.
أقتفي صدى سناب خيول صلاح الدين وفرسانه العرب من مصر وسوريا وأحمد الجزار وتلة نابليون وقبعته التي تركها خلف السوار وعاد مهزومًا. وقفت وسيّارتي بمحاذاة الطريق قرب أطلال البروة. تفرست بعيوني عن أطلال البروة وعن درويش وعن ذاك الحصان الذي تركه أبوه ليستأنس به البيت، والسروة القديمة وشواهد القبور وبقايا مئذنة وحجارة برج، أجراس الكنيسة وعن حوض النعناع على حفاف البئر. غدت وكانت طلا من أطلال قرية كانت مرة قرية مليئة بالحياة وأصبحت اليوم علامة فارقة في ضياع فلسطين.
رأيت الحصان إيّاه الذي بقي وحيدًا مجنحًا طائرًا في سماء القرية وعلى متنه سرج ذهبي لامع كسروج الملائكة. صهل صهيلًا موجعا ولم ينفك يطير ثم يدور في سماء القرية وبقاياها، حاله كان كحال رف الحمام الذي طار وطار حول بقايا مئذنة عصفتها الرياح الهوجاء. حط الحمام وطار الحمام على فروع تينة يتيمة خلفها جد درويش هناك ملاذا لحمام البيت الذي لم يهاجر وعصافير الدوري الصغيرة ما زالت هناك تسعى لرزقها وتنقر حبات التين الناضجة في آب اللهاب وكأنها تشهد على العهد الأول الذي كان وولّى وأصبح منذ عصور في مهب الريح.
الحصان بدوره لا ينفك يدور ويدور ساحبًا وراءه غمامة بيضاء كنتف الثلج آتى بها من بحر عكا القريب. صهل وصهل صهيلا موجعا باحثا عن طفل، صديقه الذي رحل وارتحل إلى أبدية بيضاء بعيدة بعد السماء اختارها لذاته ولا يعرف مكانها أحد. حركات الحصان وعصبيته وصهيله الموجع العميق الآتي من عمق الأرض التي أخبرتني أنه مازال يحرس الدار وبوابة الدار وينتظر صديقه وكأنه آتٍ بعد قليل معه باقة من شقائق النعمان وضمة نعناع بقيت على العهد بين سيقان الطيون وتحت الجلنار الحزين على حفاف البئر العتيقة التي لم تنضب بعد. الحياة سارية في مجراها تبعث خريرها ليتلوى بين أشجار الزيتون المهملة التي جار عليها الزمن في بستان مهجور قهرته الغربة والبعاد.
نعم تنساب في قرية أشباح مع خريرها الحزين الذي ما انفك يشتاق الدار وأصحابها وطول الغياب. أطير بسيارتي نحو الغرب وأنا أشاهد في مرآتي العاكسة مأساة ذاك الحصان ورف الحمام الذي يحوم متحديًا الوجود المعكوس وعواهن الزمن وعواصف القلب. أقول لذاتي وأنا ابتعد. لا بدّ أنه ينتظر طائر الرعد الآتي ولا شك من خلف التلال التي غارت في مدى المسافة وقدرة مرآتي العاكسة للمشهد الحزين وللواعج القلب.







.png)


.png)