وتجود عليك الحياة، وتنعم احيانا بلحظات سعادة، قد تطول، تزحزح المنغصات الثقيلة المزمنة وويلاتها المتراكمة.
في مدخل الدار، علقت ورقة سنديان يابسة بخيط عنكبوت، تتأرجح وتبرم مع النسمات الى هذه الجهة وتلك، وبسرعة تفقدها شكلها، تفرن كبلبل الخشب الملون عندما نفلته من عروة الخيطان الملكوكة عليه الى الارض الصلبة الناشفة، او مسطبة البيت المحفّرة بثقوب هنا وهناك من مسمار البلبل الذي يحن بصوت حاد مرنان ويفرن بسرعة هائلة، او كدولاب الورق في مواجهة هبّات الريح المزمجرة. فهل هذا كاف لموجة الفرح والسعادة لولا ما حدث!!
اشياء عديدة عادية جدا، لا نوليها اهتمامنا تحدث حولنا، ورقة سنديان عالقة، خيوط عنكبوت في الهواء، تلتصق بالوجه، خاصة في تشارين، يطيّرها العنكبوت لينتقل من مكان الى مكان، او ان نسلا جديدا اتى الى هذا العالم!! رحت أتفقّد الورقة العالقة في حركتها كل يوم وكأنها شيء ضروري وعزيز على القلب وأفرح لرؤيتها على حالها. منذ سنوات وأنا أحافظ على عدد من اشجار وجباب البطم والسّويد الى جانب التين والدوالي المتعربشة على الشجر، وأعلق ابريق ماء في عُبّ البطم والسنديان، في الظل، تشرب منه العصافير، وأحلم بأنواع انقطعت علها تعود، واطير فرحا وأنا ارى في الصباح مجموعة منها، الاسود راس والاحمر راس والشحتوت بصدره الاصفر، كلها تتقافز، تأكل وتشرب، لماذا غابت كل هذه السنين وأين!!
-
أهلا وسهلا!! طولتوا، وين الغيبة!! مجاري الهنا.
يبدو ان الناس هناك، في بلدان اخرى توقفوا عن صيد هذه الانواع، ومن كل العصافير، لذلك تتكاثر البلابل – العطاعِط – والرقطيات، تنقد اكواز التين، وقطوف العنب المعلقة، وتأتي على كبوش البطم، فكيف لا أفرح بالعودة!! وفضل كبير الى ما حدث، والى إصراري على ضرورة البهجة والسعادة في هذه الحياة رغم كل المنغصات الثقيلة منذ الطفولة وحتى اليوم، يجب تجديد النشاط، لقهر الصعاب مهما كانت قسوتها، واستعرض الذكريات الطيبة الزاهية لشحذ الارادة.
قبل شهر زمان، رشقتني جارتنا بفنجان فهوة، وهي في الشباك الشرقي من عليّة بيتهم غربي دارنا، أصاب الرشاش المنعش رأسي ووجهي والثوب، وهي تضحك بكل وجهها وصوتها المحبب المألوف على هذه المزحة التي تفرح القلب، جاءت في وقتها، وهي رد لطيف كما يبدو على كل محاولاتي للتقرب منها قبل ان تتزوج، واليوم بعد ان ترمّلت.
جارتنا أرملة عن حق وحقيق، لم تتأثر بموت زوجها.
-
العلم عند الله جوّزوها غصيبة عن غير خاطرها، عينها لبَرّا، مدوم في الشباك الشرقي، ما بغيبوا اجريها تيطل راسها. شفقت عليها الايام، مفرفحة مثل بيت الحبق.
أنا لست أرملا من هذا النوع، لم أتزوج، لم يُكتب كتاب ولم يكتب نصيب، حيّدت هذا النصيب برأيي واختياري. فأطلقوا عليّ اسم الأرمل.
صرت أطيل الجلوس في شباكنا الغربي، في الليل، على العتمة، فقد تكون هناك في عتمة بيتهم. صبية قمحاوية، شرط ان يكون القمح مصوّلا نظيفا من نوع الهيتي وكفّ الرحمن، بسفّيره الابيض وسنابله المربوعة، وليس القمح النّورْسي بأهدابه السوداء والباهت. القمح الهيتي أصفى وأشلب، وحيّيل اكثر، فهو ابن بلد من ميّات السنين. من طين بلادَكْ لزّق عخدادَك. شعرها اسود ناعم ثقيل، والجدايل العنّابية تردح على الاكتاف والارداف، وعيون سود، سوادها اسود، وبياضها ابيض، مرة واحدة نفدت من باب بيتهم وهي تشطف رجليها من فوق الزمع، دقّر نظري هناك.
-
إهْ!! لعب الفار في عبّي وظل يسرح ويمرح، فكيف لا استحلي ورقة السنديان المعلقة، وعودة العصافير بعد هذه الغيبة الطويلة، وخيوط العنكبوت السابحة في الهواء حتى تحطّ في مكان آخر وتمشي عليها هذه العناكب، ويقولون لك أوهى من خيط العنكبوت!!
كانت في حلقة الدبكة، ولعّاب القصب ينجر على الشبابة الستّاوية، وأنا أتفرج وأنصت الى الصوت المتموج، عيني عليها، مالي ومال بقية الناس في الحلقة!!
فكّت الحلقة وروّحت، وأنا!! روّحت، عندها قالت:
-
دخيل الله ما أحنّ صوت الشبّابة، شبابة القصب.
لي تجربة قليلة مع الشبابة وأنا اسرح مع المعزى، الأساس عامر، مرّ عليه الزمن. ورحت أحدّث نفسي:
-
هيك لكان، إبشري، "عيّني خير"، الخير لقُدام.
مع ساعة الصبح المبكر، بعد ان تركت ورقة السنديان المعلقة تدور، والعصافير العائدة تطلق مواويلها المرحة، قصدت الى هناك، الى وادي اللمون تحت صفد. ومالي ولليمون والتين والعليق والمصبغة والمطحنة، الى القصب، القصب!! قطعت طاروحا مناسبا، ليس من ذلك الرفيع في اول عمره، ولا العتيق الذي يدب فيه الهرم.
ورحت أقيس المطلوب بدقة، وأقشر محل الثقوب الستة بالسكين على مهلي، وأشعط الشبابة على النار الخفيفة كما يجب، حتى تصلب، فالدافع قوي وبهيج، لم اشعر بتعب في هذا المشوار الطويل، من البلد الى عين البيضا وجْرانة العصافير وسكّرة ميرون ووادي اللمون.
لا لا، لن أنجر على انغام جفرا وزريف الطول ودبكات الشمالية والشعراوية والكرادية، هذه يتقنها آخرون، في البلد اكثر من عشرين لعّيب شبابة، ولا في الوعر مع المعزى او حلقات الدبكة. بل على تقاسيم اخرى جديدة عن شباكنا الغربي وعلى العتمة. تقاسيم متداخلة متآلفة متواصلة، عن الرياح المزوبعة على جبالنا، وطيور الليل الزاعقة، وهمسات النسيم على سنابل القمح، وزفرات البقر وهو يحرث الارض، وغربان القيظ والقيقان تنبش زوادة الحرّاث وتأكلها، على شقعات المياه في وادي الغميق، ورنات مناجل الحصادين في موارس الحرية ومرج الغزلان، ورقّ العجين على مرقات الخشب، ووهج اللهب تحت الصاج، ودفقات المطحنة الرتيبة الهوجاء، على وشوشة ورقات الثلج المترنّحة وهي تتكدس بنعومة على الحقل الخافي، وترنيم السُّرّك والطيطبوس والزّاغ، ورشقات القهوة من الشباك، وصهيل الامهار الطري وراء الخيول الاصايل، ونغمات المصلين الجماعية ليلة العيد الزغير، تنكفِت في كفافي النّقرة وكروم الحسنِه، وتكسّر القش تحت لوح الدراس على البيادر، وعواء الذئب الجائع الأخَن.
إيه!! لو أنجح في نقل صوت القمح المنسكِب من المذاري على الصّبه وغناني الدراسين، وفرط الزيتون السوري المعمّر، والبرق الصوري يتغلغل في بطن الغيم بلونه الناري، والرعد المتدحرج الهدّار، ورشح الحجل الحنون المنادي ونحن نتمعشر معه ونغني:
يا ديك الحجل يلّلي في الخلِّه
تمام تْقاقي يا مالي العِلّه
والجاجِه تطبخ والديك يقلي
والفرخة تنادي تَعو تعشّونا
بعدها ندق الحجل بالدقماقة على البلاطة ويصب كبّة مصبوغة في الشخاتير، حولها صحون القابولية وخبز الصاج ونبدأ:
سبحان من قسّم الأرزاق ولا ينسى من فضله أحد، وأنا سأنقل دقة الكبة ورنة المهباج على جرن البطم الشذي للقهوة المُرة، وغنّاية:
راحتْ عالحقْلِه تلقط شمايل
حرَقْلا قلْبا بُعقال المايل
طلعت عالتينة تسأل وتْسايل
وتنادي لوِلْفا تعال لهونا
تقاسيم عن صيحة الديك وسرسكة المدحلة والماعوص لدحل السطوح، زيانة العريس وتحديرة العروس امّ الذهب والدّبوس، وشُخبات الحليب في سطل النحاس، قرط الحطب وتعمير المشاحر، ومناداة الناطور ودبة الصوت: جاي يا غلمان جاي، المروّه يا أهل المروه، وين راحت النشاما!!
من نبرات الرضيع يتفعفل ويتعربش على صدر أمه، ومداعبة الثدي المترع، منبع الحياة، والبهجة، يعصره بيديه الصغيرتين الطريتين كزهر اللوز، يحادثه ويحاكيه، بلغة الاطفال، لغة الغطمّس، ويضحك بفوضى جميلة، تدب الحركة المباركة في يديه ورجليه ووجهه الطافح بالحياة، ويوزع نظرات الحب الى وجه الأم، عيونها ترغرغ بدموع الفرح، فرح الأمومة الغامر الجبار لحماية هذا المخلوق الغالي، عن التهليلة والمكاغاه بصوت حنون عميق نابع من صماصيم القلب، لو تتآلف جموع الأمهات، ونبرات الأطفال، في نغم واحد، تحمله الرياح والغيوم الى كل مكان تروي به الارض والكون بميّة نيسان الصافية العطرة، وتحملها هذه التقاسيم!!
أجراس الجمال المحمّلة بالقمح، تحمل الموسم الى البيادر، قُصف السنديان تمرش السنابل عن ظهور الجمال، تغف عليها العصافير وتترزّق، مواسم الخير على الجميع، لو تنقل هذه القصبة الايدي الخشنة تدب الحياة في الارض، مع دركات الحجارة وفنود العليق والشوك تحف في الملابس المدعوكة والايدي القوية المجرّحة بالوشم، وهي تزرع الخير للجميع ولأمومة الطير والوحش، الامومة!!
باب المدخل مفتوح على صيّاره، في عتمة آخر الليل، وقد تدخل هي، خفيفة كالظل، وللحظة تتشهّل التقاسيم والحواجب، تدخل حية مستحية إجر لوَرا وإجر لقدّام، في عينيها بريق وحشي ضار متحفّز للوثوب والانقضاض، تحمل أنفاس الفجر، وشفاه وافرة لمياء ملبلبة مرتعشة مستعدة للعراك عن عِشرِه، كجراء الذئاب المتمرنة حول الأم السعيدة الساهمة الحارسة. لتدخل التقاسيم في شوط الحلّه والنهاية كتوالي العاصفة المولولة في الجبال الوعرة، وقصف السنديان تأخذ روعها بعد التخبط والاصطفاق الصاخب. ويظل صدى وترجيع التقاسيم المتموج المتآلف، ونفح الانفاس الحيّة، والخدود السمراء المشرّبة بحمرة الورد الخفيفة في المظاليل، والعنق الغزلاني العرقان الغرقان، وزوج فراخ اليمام تتململ للنهوض والمشاركة في اغنية الارامل عن جبالنا العاليه والمرجات والارض الفجاج الباقية كالنجم القطبي، نجم الشمال، والناس والحُب والحياة.
كلام الصورة: علقت ورقة سنديان يابسة بخيط عنكبوت، تتأرجح وتبرم مع النسمات الى هذه الجهة وتلك (صورة توضيحية)


.jpg)




.png)

.jpg)


.png)

