النهر البشري الذي شارك في جنازة عصام مخول، والساحات التي جمعت صخب الحزن الصامت، شكلا مشهدا يليق بفقدٍ وقعَ على القلوب فأدمعها ووقع على الاذهان فأشعرها بحجم الرحيل وصدمته.
الكل شعر برهبة الموقف والفراغ، وفي ذات اللحظة كان الإصرار على ملء الفراغ لا الاذعان له. هذا الاصرار يشبه عناد عصام وثباته، توافقت معه ام لا، واختلفت معه في فهم العناد الثوري أم لا، إلا انه لا مكان للا-مبالاة تجاهه، ومقابلته بالحب.
في وداعه للرفيق إميل توما وقف إميل حبيبي على الشرفة وأعلنها "من الورد الى الورد يعود"، و"من الشعب الى الشعب يعود" و "من الحزب الى الحزب يعود" وها انت يا عصام من الورد والشعب والحزب واليهم تعود.
ومن مثل رفاقك ورفيقاتك يحسنون شق طريق الورد وطريق الحزب وعلى طريق الشعب، ومن مثلهم يحسنون تنظيم مسيرة الأحزان والوفاء والعهد، وهم يحملون نعشك وقد لفوه بالدمع والحلم والارادة وبعَلَمَي الحزب والوطن. يسيرون بك على اكتافهم في مسيرتك من نادي الحزب على اسم أميل توما في درج الموارنة نحو البلدة التحتى وكنيسة بيت النعمة الشاهدة على تاريخ حيفا وأهلها الباقين واللاجئين على السواء، وبعد ان حاولوا طمس معالمها وتاريخها كما كل البلد. وفي المشهد العبثي الانساني الاكثر صدقا حين يحمل نعشك رفاقك يتقاسمون الحسرة والوقار. انطلقت مسيرة الوداع على أكتاف القدامى والشباب وعلى وقع الشبيبة الشيوعية النضرة، في أداء يشبه المستحيل في ضبطه وعفويته معا.
هل للحزن من جماليات؟
حين توفي أبي وأمي بفارق سنتين 2015 و2017 وانا في السجن، اكتشفت أن للحزن فضاء وللدمعة اماكن تتسع لها، وكلما ازدادت الدموع من تلقاء نفسها تحتاج الى مساحة أصغر. فلا معنى للدمعة في ساحة السجن وصخب الاسرى، فهي تضيع هناك وتكبر بعد إطفاء ضوء الزنزانة الجماعية ليعيش كل اسير وحدته ويفتح عوالمه الخاصة به. في غيابك حبيبي عصام تغيّر الدمعة قوانين الذرف، وتنساب اينما شاءت ومتى شاءت، في يوم الجنازة وتنساب اكثر بعد ثلاثة ايام على قبرك والورود على الاكاليل بدأت تذبل لكنها بقيت ورودا وستبقى تتزين بحضورك. فالورد ابعد من أن يكون عبيرا وجمالا ملموسا فحسب، بل الورد هو معنى. والورد على قبرك هو لمسة روح ناعمة تسابقك اللطف وهي لا تستطيع مجاراة لطفك.
تنهمر الدمعة بين كلمات المواساة والحرقة على فراقك، كلٌّ يأتي بقطعة ذكريات ممن علّموك او تعلموا معك وانت طالب مدرسة وممن علمتهم عقيدةً وتجارب حياة كفاحية. لتجمع الكلمات بين الانساني والكفاحي وبين الوجداني والسياسي، وفي كل حديث كانت محطة من محطات حياتك الزاخرة بالعطاء وبالعطاء وبالمزيد من العطاء المبنى على قيمك السامية، وعلى درب القيم الشيوعية التي اقتنعت بها وشكلت جزءا لا فصام له منك. في اجتماع الكلمات حضرت الصورة ومشهدية المسيرة التي شكّلتها وشكّلتك.
من لم يحضر الجنازة او احد بيوت العزاء الثلاث في الساحل والجليل ورام الله! حضروا من اقاصي النقب وحتى اقاصي الجليل، ومن الساحل والمثلث والناصرة ومرج ابن عامر، لقد حضروا من القدس العاصمة في الوجدان ومن الجولان العربي السوري، حضر اليهود الكثر ممن اعتبروك منارة لهم وشركاء لك في مسيرتك. وما اكثر المحرومين من ملامسة الوطن الذين بكوا من بعيد وودّعوك في قلوبهم ليصل طيب كلماتهم عبر وسائل التواصل او في اتصال هاتفي تسبق الغصة الكلمات ولم اعد اعرف مَن يعزي مَن. ما اكثر رسائل ومواساة الاهل في الضفة الغربية وفي قطاع غزة الذي تكثف حزنه. لا تزال حيفا في عمقها حزينة وحين ذهبت الى سوق وادي النسناس أوقفني كل من صادفته او صادفتها ليتحدثوا عنك وعن حبهم لك وشعورهم بالعرفان لك. وادي النسناس هو مساحة المعارك الشعبية الكبرى حيث كنت في المقدمة والقيادة والريادة، الناس حزانى فقد فقدوا حضورك المُطمْئن بالنسبة لهم.
كل الطيف السياسي اجتمع من حولك بأُلفة ووقار، فمن اتفق مع مواقفك أحبك ومن اختلف مع مواقفك أحبك، وأجمعوا جميعا عليك وعلى صدق الموقف وثبات الراية مرفوعة. الحركة الطلابية التاريخية والحالية كانت هناك، والقرى التي خاضت معارك الاعتراف وأنجزت، والبلدات المهجرة كانت بأهلها نيابة عن لاجئيها، وقوى الاحتجاج الاسرائيلية والمناهضة للاحتلال كانت، وكان خطاب الكهنة بروح لاهوت التحرير يشيدون بقيمك الشيوعية والوطنية والتقدمية محترمين الاختلاف بالفكرة ومصرين على الاتفاق في قيم العدالة والتحرر من القهر.
حزب الشعب وهو شق التوأم للحزب الشيوعي والمنحدر من ذات الجذور، فتح بيت عزاء في اتحاد لجان الاغاثة الزراعية في رام الله وفي القاعة التي كانت فيها اخر محاضرة لك في الضفة، واجتمعت فيه معظم القوى السياسية، وأجمعت على هول الفقدان برحيلك وعلى ميراثك الفكري والسياسي التقدمي والوطني، وعلى الفراغ والحزن والارادة.
تبقى وقفة رفيقاتك ورفاقك كما تحب انت، الحزب والجبهة والشبيبة الشيوعية ومعهد أميل توما وصحيفة الاتحاد العريقة أصبحوا خلية متعاضدين ومتساندين، تقاسموا الحزن والارادة، وأبقوا الشعلة مرفوعة عاليا، كانت رؤوسهم مرفوعة كما تحب وكما يحبونك. وقد انشدوا على القبر ما كنت تحب ايضا:
هُبّو ضحايا الاضطهاد
ضحايا جوع الاضطرار
بركان الفكر قي اتقاد
هذا آخر انفجار
هيا نحو كل ما مر
ثوروا حطموا القيود
شيدوا الكون جديد حر
كونوا انتم الوجود

.jpg)



.png)

.jpg)


.png)

