فنزويلا تحت وطأة الهيمنة الامبريالية البلطجية
في تصعيد غير مسبوق، شهدت فنزويلا مؤخرًا هجومًا خارجيًا استهدف اختطاف رئيسها الشرعي، في محاولة صريحة لزعزعة استقرار البلاد وفرض أجندات خارجية باسم "تحرير الشعب". هذا الاعتداء لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد لسياسات الهيمنة التي تتذرع بالقانون الدولي وحقوق الإنسان لتبرير أهدافها الحقيقية: السيطرة على الموارد واستغلال النفوذ الجيوسياسي. وبينما العالم يراقب، يبقى السؤال الأساسي: هل هذا التدخل دفاع عن القانون أم سرقة مقنعة باسم الأخلاق؟
في الوقت الذي تُعلن فيه الولايات المتحدة عن سعيها "لتحرير" فنزويلا من قوى تعتبرها خارجة عن القانون، تتضح بشكل صارخ ازدواجية المعايير التي تنتهجها واشنطن في سياساتها الدولية. فمن هي هذه القوى الخارجة عن القانون؟ ومن يحددها؟ الواقع يكشف أن المصطلحات الأخلاقية والقانونية تُستغل لتبرير مصالح استراتيجية ضيقة، بينما القانون الدولي الذي وضعته الشعوب بعد الحرب العالمية الثانية لحماية الإنسانية ومنع تكرار الفظائع يُسحق على مذبح النفوذ السياسي والاقتصادي.
المفارقة الصادمة تكمن في أن أمريكا نفسها تحتضن أكثر الحكومات الخارجة عن القانون الدولي، تلك التي تنتهك حقوق الشعوب وتهدد السلام العالمي بشكل مستمر. الولايات المتحدة، التي تدّعي الدفاع عن النظام الدولي وحقوق الإنسان، تمارس عبر تدخلاتها العسكرية والاقتصادية سلوكًا معاكسًا تمامًا لما تدّعيه. من دعم حروب بالوكالة إلى فرض حصارا اقتصاديا، يتضح جليًا أن ما يُسمّى "تحرير الشعوب" ليس سوى غطاء لأهداف استراتيجية، غالبًا مرتبطة بالسيطرة على الموارد والموارد الجيوسياسية.
فنزويلا اليوم ضحية هذه السياسة المزدوجة؛ فهي تتعرض لضغوط اقتصادية وسياسية وعسكرية باسم القانون وحقوق الإنسان، بينما الواقع يعكس استغلال القوة لإعادة رسم الخرائط الاقتصادية والسياسية على حساب شعب أعزل. إعلان أمريكا عن "تحرير فنزويلا" يشبه تكرار التاريخ نفسه: القوة العظمى تقرر من هو الخارج عن القانون، بينما تتجاهل انتهاكاتها هي، تستمر في فرض إرادتها على الآخرين تحت شعارات براقة.
عندما تتصرف دولة كالقوة العظمى وكأنها القاضية العليا للأخلاقيات، وترسم قواعد "ما هو قانوني وما هو غير قانوني" بحسب مصالحها الخاصة، يظهر السؤال الحاسم: هل ما يحدث هو فعلاً تحرير للشعوب، أم مجرد استغلال وسرقة الموارد؟ التاريخ الحديث يقدم الإجابة بوضوح؛ العراق قبل عقدين كان نموذجًا صارخًا على "لعنة النفط"، فقد ذُكر التدخل كذريعة لتحرير الشعب من الديكتاتورية، بينما الحقيقة كانت السيطرة على النفط والكنوز الطبيعية. ما حصل في العراق يُعيد نفسه اليوم في فنزويلا؛ تحت ستار الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، تُمارس ضغوط اقتصادية وسياسية وحتى تهديدات عسكرية، بينما الهدف الأبعد يتعلق بالموارد والسيطرة الجيوسياسية.
هذا يعني أن ما يُسمّى تحريرًا يتحول في الواقع إلى نهب واستغلال، وما يُعلن أخلاقيات عالمية ليس إلا واجهة لتبرير الهيمنة. الشعوب الواقعة تحت هذه السياسات ليست في حاجة إلى "تحرير" مزيف، بل إلى احترام سيادتها ومواردها وحقوقها الحقيقية.
والآن يفرض السؤال نفسه بقوة على قيادات العالم: من سيأخذ على محمل الجد الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان؟ هل بمقدور الأمم المتحدة ومجلس الأمن أن يكونوا فاعلين، أم أنهم مجرد واجهة لا تحمي ولا تجدي نفعًا؟ الواقع الجديد يفرض نفسه بقوة وقسوة: المنظومة الدولية فشلت في حماية شعوب تتعرض للإبادة، وفشلت في حفظ السلام، وضمان سيادة الدول الضعيفة أمام اعتداء القوى الكبرى. القانون الدولي، الذي صُمم لحماية الضعفاء ومنع تكرار فظائع الحرب العالمية الثانية، أصبح عاجزًا، وتعاود قوانين الغاب فرض نفسها من جديد.
في هذا السياق، يصبح كل حديث عن "تحرير" أو "أخلاقيات دولية" مجرد شعارات براقة، بينما الواقع على الأرض هو استمرار للهيمنة والاستغلال، وإمعان في الظلم وانتهاك حقوق الشعوب. ما يحدث في فنزويلا ليس أزمة محلية، بل درس جديد للعالم: الحرية والعدالة لا تُفرض بالقوة، والتحرير الحقيقي لا يكون بزخارف لفظية أو ذريعة زائفة، بل بالاحترام الفعلي لحقوق الإنسان وسيادة الدول، وعدم السماح لأي قوة إمبريالية بأن تعيد ترسيم ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي بحسب مصالحها هي وحلفاؤها.
فالشعوب التي عانت التاريخ البشع بعد الحرب العالمية الثانية تستحق أن تُسمَع، وأن تُحترَم سيادتها وكرامتها، بعيدًا عن السياسات الإمبريالية التي تحول القانون والأخلاق إلى أدوات للهيمنة والسيطرة، وتعيد التاريخ نفسه بوجوه جديدة وألوان براقة.
.png)
.jpg)





.jpg)


.png)

