لا لعودة سياسة المقامرة

A+
A-
طفلة فلسطينية تقف في الخارج بعد هطول الأمطار في مدينة غزة، في 12 كانون الأول/ديسمبر 2025 (شينخوا)

طفلة فلسطينية تقف في الخارج بعد هطول الأمطار في مدينة غزة، في 12 كانون الأول/ديسمبر 2025 (شينخوا)

اختتمت المقال الفائت بتساؤل عن كيفية استدعاء قيادات تنظيماتنا، فصائلنا، أحزابنا السياسية، لتراث سياسة المقامرة، بنتيجتها الكارثية العام 47 - النكبة -، لإعادة تطبيقها على غزة ولتكون النتيجة ما تكون. تقديري أن محاولة الإجابة تستند إلى شقين. يتطلب الشق الأول منها استذكارا سريعا لوقائع العام 47 الحقيقية وليس المتداولة. فيما يوجب الشق الثاني قراءة مقارنة لما يتم تداوله من كتابات وسياسات خاصة بقرار مجلس الأمن 2803 ومشاريع إعادة إعمار غزة.

كما لا بد تذكرون أن بريطانيا في العام 47 أعادت القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة من منطلق قناعتها بأنها أنجزت تكليفها المحدد في صك الانتداب بتهيئة كل متطلبات إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين. الأمم المتحدة بدورها شكلت لجنة تحقيق وتقصي عرفت بالأونسكوب، من ممثلي إحدى عشرة دولة عضوة، للتأكد من صحة الزعم البريطاني، ولوضع اللمسة الأخيرة بإقامة دولة الوطن القومي اليهودي. ولأن خطوة تشكيل اللجنة سبقتها تشكيلات مثيلة عدة أوصت كلها بتقسيم البلاد لدولة فلسطينية وأخرى يهودية، بدا واضحا للقيادة الفلسطينية أن هدف الأمم المتحدة من تشكيل وتكليف اللجنة يتمثل في إنجاز مشروع تقسيم جديد تظلله الأمم المتحدة بشرعيتها. هكذا أصدرت هذه القيادة قرارا برفض مقابلة اللجنة، انطلاقا من رؤية تقول بأن المقابلة والحوار مع الأعضاء الذين في غالبيتهم غير معادين لشعبنا وغير موالين للصهيونية، قد يسقط مطالب الصهيونية، وقد يعزز الموقف الفلسطيني ويسفر عن تحسينات هنا وهناك، ولكنه لن يحول دون وقوع ما تراه القيادة ظلما تاريخيا بحق شعبنا ووطننا متمثلا في تقسيمه، وفي نقل جزء من الشعب من العيش تحت استعمار بريطاني إلى العيش تحت حكم صهيوني دائم، بالرغم من إمكانيات الحماية التي توفرها الدولة الفلسطينية الجارة، والمرتبطة مع الدولة اليهودية بِشراكات اقتصادية، عملة موحدة، موانئ بحرية وجوية، سكك حديدية، طرق سريعة.. الخ.

لم تكتف القيادة الفلسطينية برفض القرار، وإنما تعمدتْ إفشالهُ باللجوء للقوة التي لا تملك شيئا منها.

القيادة الفلسطينية آنذاك لم تستند في قرارها لسياسة عاطفية، طائشة، متهورة، أو حتى مغامرة. اعتمدت سياسة مقامرة عنوانها: يا بنربح كل فلسطين، يا بنخسرها كلها. لماذا؟ وكيف؟

لم تنتبه القيادة فيما يبدو للدور الفضائحي الذي لعبته أمريكا في التصويت على القرار في الجمعية العامة، واستثنت منه حلفاءها العرب، وذلك بالرغم من أنه جرى أمام عيونها. وفوق ذلك بنت القيادة قرارها على رفضها شرعية تجنيس المهاجرين اليهود وطرحها شعار إعادتهم من حيث أتوا. بعبارة أخرى أعلنت على الملأ رفضها لِ فخروجها على الشرعية الدولية التي تمثلت في منح المهاجرين اليهود الجنسية الفلسطينية، بما تعنيه من كسب المواطنة ومن ثم كسب حق تقرير المصير، متمثلا في حق الانفصال عن الوطن الأم الذي هو فلسطين. هذا التجنيس الذي أنجزته بريطانيا من خلال تطبيقها لخارطة الطريق في صك الانتداب. هكذا ساهم ضعف نضوج القيادة السياسية آنذاك فيما اعتبره حلفاء الصهيونية عزم هذه القيادة بالاستناد لدعم عربي محتمل على إيقاع نكبة بيهود ما يوصف باِليشوف اليهودي في فلسطين من خلال شعار إعادة كل هؤلاء المهاجرين من حيث أتوا.. حدث كل ذلك وهي لا تملك أية إمكانيات لفعل شيء منه.

ولكي نستجلي الصورة أكثر تعالوا نسأل : 1- هل كان هناك شك يخامر القيادة الفلسطينية بأن القيادة الصهيونية أعدت مخططات وتضمر نوايا تنفيذ عملية تطهير عرقي واسعة للشعب الفلسطيني؟ الجواب لآ في أغلب الظن. ذلك لأن القيادة الصهيونية، كما كشفت الأحداث اللاحقة، أبقت على سرية خطة التطهير في حرز حريز، وفي انتظار حارق للفرصة المواتية. 2- هل كانت القيادة الفلسطينية على معرفة بحجم وقدرات القوة العسكرية الصهيونية، وتفوقها الهائل على نظيرتها الفلسطينية والتي تكونت من ميليشيا فوضوية أطلق عليها مسمى جيش الجهاد المقدس، تعاونه ميليشيا مماثلة باسم جيش الإنقاذ العربي؟ الجواب نعم عرفت ذلك وبكل تأكيد. 3- هل كانت تعرف بِالاحتمالية الكبيرة لخسارة الحرب فَخسارة الأرض وحلول الكارثة؟ نعم كانت تعرف، ولكنها اعتمدت السياسة الأكثر كارثية والقائلة بحتمية استرجاع الجيوش العربية لما تمت خسارته وأكثر. 4- هل كانت تعرف أن الرؤساء والملوك العرب آنذاك، بالإضافة لبقاء الاستعمار البريطاني في بلادهم، وقيادة الضباط البريطانيين لجيوشهم، هؤلاء الملوك كانت تربطهم علاقات صداقة مميزة، تنطوي على مصالح مشتركة ومتبادلة، مع القيادة الصهيونية وعلى حساب فلسطين؟ نعم كانت تعرف ذلك يقينا للبعض، وشكا يقرب من اليقين للبعض الآخر. 5- ونختم بالسؤال الحاسم: هل كانت تضع في بالها أن مقامرتها بإعلان الحرب على قرار التقسيم يمكن أن تنتهي بكارثة للشعب والوطن؟ الجواب: نعم صحيح كانت تعرف، وبالرغم من ذلك مضت في مُقامرتها. لماذا؟ لأن كرامة القائد الأعلى الحاج أمين الحسيني لا تسمح له بالتراجع كما قال بعظمة لسانه.

خلاصة سياسة المقامرة تعدت خسارة الدولة المستقلة وتحقيق تقرير المصير إلى وقوع كارثة النكبة، تجريدنا بيد بعض الأشقاء من هويتنا الوطنية، وقبل ذلك وبعده خسارة الحق في العودة للمطالبة الصريحة بتطبيق قرار التقسيم، فَالتعويض بهذا الطرح الملتوي عن حل الدولتين، والمبادرة العربية عن الأرض مقابل السلام.

وفي الانتقال للشق الثاني نقول: يغنينا قرب أحداث ما بعد 7 أكتوبر وطوفان الأقصى عن إعادة طرح موجز لها هنا. إذ ما على المرء غير مقارنة كل حدث هنا بنظيره من العام 47. وأنا متأكد أنه سيتوصل بنفسه للحقيقة المرة، وهي أن قيادة حماس بالدرجة الأولى وقيادات التنظيمات، الفصائل والأحزاب السياسية، تقتفي أثر سياسة قيادة الحاج أمين آنذاك خطوة بخطوة، وأن الأولى تدرك أنها تطبق سياسة مقامرة محدثة، نسخة الـ 2025، ستقود إلى كارثة أكبر وأعتى من سابقتها في العام 47. السؤال المفصلي في حالتنا الجديدة هو: هل كانت قيادة حماس على دراية بالمخطط الإسرائيلي المعلن لإنهاء القضية الفلسطينية، من خلال عملية تهجير شاملة للملايين الفلسطينية السبعة غرب النهر؟ وأنها، كما كان الحال في العام 47، تنتظر الفرصة الملائمة للتنفيذ؟ يفترض المنطق أنها كانت على مثل هذه الدراية. لماذا؟ لأن المخطط معلن. والشواهد لأي مبتدئ في السياسة كانت صارخة. نتنياهو نفسه جاهد مرارا للحصول على شرعيته من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، من خلال تكرار عرضه خريطة إسرائيل الكبرى خالية من الوجود الفلسطيني. وأيضا كان هناك اضطرار العاهل الأردني عبد الله الثاني، تحذير الحليفة أمريكا من خطر المخطط الإسرائيلي على العرش الهاشمي والدولة الأردنية. صحيح أن قيادات التنظيمات والفصائل رفضت تصديق الشواهد، الاستماع للتحذيرات المتكررة، وعللت نفسها باستبعاد الخطر، لكن الوقائع واصلت عنادها، وأهمها عناد نتنياهو نفسه في مواصلة عرض خرائطه من على منصة الجمعية العامة وتبشيره بشرق أوسط جديد ودور إسرائيلي رائد في تشكيله. ذلك يعيد وضعنا أمام السؤال المحير؟ إذاً لماذا فعلت حماس في 7 أكتوبر ما فعلت؟ هل صحيح أنها هدفت استباق الفعل الإسرائيلي وإحباطه؟ الجواب جاء حاسما بـ لا في أحداث الساعات الست لذلك اليوم؟

صحيح أن فعل فتح الثغرات في الجدار أبهر كثيرين. وأكثر من ذلك الاجتياح لسبع قواعد عسكرية، بينها قاعدة فرقة دبابات. وإلى حد ما اجتياح أكثر من عشرين مستوطنة، وحيث بدا الطريق مفتوحا لتوغل أكبر في العمق الإسرائيلي. داهم المهاجمون حفلا غنائيا وعاثوا فيه قتلا وترويعا. من الكل أخذوا رهائن وعادوا بهم إلى القطاع ومنه إلى الأنفاق، مانحين الجيش الإسرائيلي ترخيصا مفتوحا لاجتياح هذا الجزء المحرر من فلسطين، وإنزال ألوان من الخسف، السَّخْط والجحيم لا حصر لها بأهله المدنيين المحرومين من أبسط وسائل الدفاع عن النفس. صحيح أن استراتيجية الأنفاق، البديلة للقلاع والأسوار في الحروب القديمة، كشفت عن إبداع يحسب لحماس، لكنها في ذات الوقت كشفت عن عجز فاضح في حماية المدنيين والتي هي الأصل. ما يعنينا أن البربرية الإسرائيلية باتت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الحلم بإلحاق الكارثة الأكبر بشعبنا وبقضيته الوطنية، لولا الموقف الحازم والثابت للنظامين المصري والأردني.

وأختم بإعادة ما سبق قوله في المقال الفائت. إسرائيل لا تريد من الأصل تنفيذ القرار 2803. تتعلل بمختلف الحجج لكسر وقف إطلاق النار والعودة لممارسة القتل. وحماس تتعلل بشرعية المقاومة وشرعية السلاح للمماطلة في تسليمه. والسياسيون، الكتاب، والمثقفون..الخ يَلوكون حكاية ازدواجية المعايير لدى أمريكا والغرب في دفاعهم عن حق حماس في الاحتفاظ بِسلاحها. وأهلنا في القطاع يشربون المر من قيعانهم وهو يواجهون عواصف الطبيعة، زمهريرها، بردها، مطرَها، غرق خيامهم واقتلاعها، وتجمد رضعهم حتى الموت. وينفجر السؤال الحارق في وجوهنا كلنا؟ هل فعلا لا تعرف حماس، وكل هؤلاء المتشددين لها وبها، أنها خسرت شرعية مقاومتها حين اجتاحت حفل الغناء في نوعا، وفعلت فيه ما فعلت؟ هل هي لا تعرف أنها خسرت شرعية سلاحها حين عادت بِ 253 رهينة بتشكيلة غريبة وعجيبة، من الرجال والنساء، الأطفال والمسنين، المدنيين والعسكريين؟ وهل لا يعرف الكتاب، السياسيون والمثقفون، أن تعبير الأسرى لا ينطبق على هؤلاء، وأن الاهتمام بهم بديهي أن يتجاوز كل اهتمام؟ وأن تعبير ازدواجية المعايير هنا خال من أي منطق ويعبر عن فقدان كامل للمعايير عند القائلين به؟

للتوضيح، تعالوا نعرض الأمر من الجانب الذي تم إغفاله حتى الآن وعن عمد. لنتصور أن حماس سخرت كل وقتها، قوتها وفعلها، للقواعد العسكرية التي سبق واجتاحتها. حرقت ودمرت كل دبابة، كل شاحنة وكل طوبة فيها. حملت كل قطعة سلاح وأسرت كل عسكري، وأضافت لهم آخرين من قواعد أخرى. تمترست فيها وقاتلت حتى النفس الأخير. هل بالإمكان تصوّر نتائج فعل كهذا على مستقبل دولة إسرائيل وعلى حلفائها؟ على حرمان نظامها الفاشي من تعبئة الجمهور الإسرائيلي بكل هذا الكره، الغل والحقد عليها وعلى شعبنا؟ أقله لو فعلت ذلك لكانت حرمت إسرائيل من تلك المظاهرة الرسمية الغربية لما وصف بحقها في الدفاع عن النفس، ناهيك عن المناصرة الفعلية لحق شعبنا في التحرر والاستقلال.

الأرصاد الجوية تعدنا بهجوم جديد للطبيعة على أهلنا في غزة. بهذه المناسبة أتمنى للقيادات السياسية ولِأتباعها من كل لون وشكل، ولحماس وملحقاتها في المقدمة، أن تنعم بنوم عميق وهانئ تتخلله أطياف من الأحلام الجميلة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية

featured
عمر فارسع
عمر فارس
·2026-01-04 07:08:18

من سيأتي ضحية ترامب بعد فنزويلا؟

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة