-يجيل ليفي، عالم الاجتماع الإسرائيلي المتخصص في شؤون العسكرة والحرب
سنظلّ لسنوات طويلة مقبلة منشغلين بهذه المعضلة: ما الذي دفع المجتمع في إسرائيل إلى منح دعم واسع للحرب على غزة-حرب لم تفشل فقط في تحقيق أهدافها المعلنة، بل وضعت إسرائيل أيضًا على مقعد الاتهام، وهي تواجه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية؟ يكمن مفتاحٌ جزئيّ لفهم هذا اللغز في مواقف اليسار اليهودي (الصهيوني)، وهو المعسكر الذي كان من المتوقّع أن يعارض استخدام القوة حين تكون غير أخلاقية أو غير مجدية، كما فعل في مراحل سابقة. ولا يُنتظر مثل هذا الاعتراض من اليسار العربي، الذي كان هدفًا مباشرًا للقمع خلال الحرب، ولا من أنصار "الوسط"، الذين نظروا إلى الحرب باعتبارها جزءًا من "صحوة" أو "تصحيح مسار"، علمًا بأن هذا التيار لم يكن أصلًا معروفًا بمواقف معارضة حادّة قبل الحرب.
إن تحليل مواقف اليسار إزاء الحرب يكشف عن هوّة عميقة تفصله عن تاريخه السابق. وللاستدلال على ذلك يمكن الاستعانة باستطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية بعد أيام قليلة من انتهاء الحرب. ولم تعد النتائج تعبّر عن ردّ فعلٍ آني ناتج عن ضغط "الاصطفاف" في زمن الحرب؛ ففي تلك المرحلة كانت قد تراكمت بالفعل معطيات وشهادات حول استخدام قوة نارية غير متناسبة، وحول مستويات مرتفعة من "الأضرار الجانبية" التي سمحت بها الحكومة والجيش عبر القصف الجوي، فضلًا عن تقارير عن سوء معاملة الأسرى. ومع ذلك، لم تُحدث حتى تصريحات شخصيات من اليمين أو من اليسار الصهيوني، مثل موشيه يعلون ويائير غولان، بشأن "التطهير العرقي" و"قتل الأطفال كهواية"، صدمةً شاملة داخل اليسار الصهيوني.
تكشف نتائج الاستطلاع عن مؤشرات مقلقة. فقرابة ثلث المستطلَعين من اليهود الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم يساريون يرون أن الامتناع عن القتل غير الضروري وعن إيذاء المدنيين الأبرياء يعيق الجيش عن أداء مهامه. وحتى بعد تدمير القطاع وقتل عشرات الآلاف من المدنيين، اعتبر نحو خُمس المشاركين أن المساس بالسكان المدنيين لدى الطرف الآخر ينبغي أن يؤثّر بدرجة ضئيلة أو لا يؤثّر إطلاقًا في قرارات المستوى السياسي بشأن مدة الحرب ونطاقها. كما وافق ربع المستطلَعين، أو وافقوا إلى حدٍّ ما، على قتل "مخرب" بعد تحييده حتى لو لم يعد يشكّل خطرًا، أي أنهم يبرّرون فعليًا قضية إليور أزاريا.
وأعرب خُمس المشاركين عن موافقتهم على استخدام مدني فلسطيني لفحص مبنى أو مدخل نفق يُشتبه في تفخيخه، بغية عدم تعريض الجنود للخطر -وهي ممارسة اعترف الجيش نفسه بعدم قانونيتها. ونسبة مماثلة أيّدت، في حال إطلاق صواريخ من غزة على تجمعات سكانية إسرائيلية، تنفيذ قصف كثيف على تجمعات سكانية فلسطينية من أجل "كي ثمن الاستفزاز في الوعي الجمعي الفلسطيني"، أي تنفيذ جريمة حرب واضحة عن سابق قصد.
ليس مستغربًا، في ضوء ذلك، أنه على الرغم من الشهادات حول التغيّرات التي طرأت على الجيش، يرى أكثر من 40% ممّن يعرّفون أنفسهم بأنهم يساريون أن منظومة القيم لدى القيادة العسكرية العليا قريبة، أو قريبة إلى حدٍّ ما، من منظومة قيمهم الشخصية، فيما منح قرابة نصف المشاركين تقييمًا مرتفعًا للسلوك الأخلاقي للجيش خلال الحرب. ولا يمكن لمثل هذا المزاج العام أن يُنتج ضغطًا فعليًا لإجراء مراجعة أخلاقية نقدية.
ولا تُعدّ هذه النتائج مفاجئة إذا ما تذكّرنا أنها نشأت داخل معسكر يرى نفسه حاميًا للجيش في مواجهة اليمين. فمن هذا المعسكر خرج أيضًا طيّارون وأفراد في وحدات استخبارية تحمّلوا مسؤولية مباشرة عن جزء من القتل والدمار خلال الحرب. وقد استبطن هذا التيار منطقًا مفاده أن الحفاظ على حياة الجنود يبرّر المساس بمدنيي الطرف الآخر. وهكذا تشكّلت فجوة عميقة بين الصورة الذاتية لليسار وبين جوهره الفعلي، فجوة بدأت بالتكوّن منذ الانتفاضة الثانية. وبهذا المعنى، لم يفشل اليسار في ممارسة النقد، بل تخلّى عن الحاجة إليه من الأساس.



.png)



.jpeg)


