نعاك كثيرون، يا أبو حنّا، ورثاك قليلون. والرثاء لا يكون من فوق الجَوْزة. لا يرثي إلا قلبٌ محزون تفضحه عينٌ تدمع! حزن قلبي ودمعت عيني وإنّي بك لمحزون يا عصام! يأتيني صوتك بين الحين والحين أيّها الصديق العريق تسبقه ابتسامتك وضحكتك يا عاشق اللغة يا مؤدّب يا أديب! ما أجمل لطفك يا رجل! وما أكرمك وأنت تثني وتطري على مقال كتبتُه فقرأتَه! فأستحي وأتدثّر بحيائي وأتلعثم! وأنا لا أعرف كيف يردّون الثناء والإطراء بأحسن ممّا قلتَ أنت يا أبو حنّا!
فسألتك: "من أين لك هذه اللغةُ الجميلةُ النقيّةُ؟!" قلت لي من والدي. من حرصِ أبي وأذنه التي تصغي وعينه التي ترقب فكيف أجرؤ على اللحن والزلل؟! فقلتُ لك يومها: "هذا الفرع من ذاك العرق يا ابن أبيك!" فضحكتَ. وضحكنا معًا.. عرق أصيل في تراب هذا الوطن الجميل يا أبو حنّا!
ما زلت أذكر اليوم الذي جمعني بك يا عصام عام 1979. ما زلت أذكر غضباتك ونفراتك قُبيل كلّ مظاهرة أو وقفة احتجاجيّة قدّام المبنى الرئيسيّ في جامعة حيفا. أذكر الشعار الذي أحببت ترديده "الفاشيّة لن تمرّ!" وتظلّ تردّده بحنجرة لا ترتخي ولا تلين. والطالبات والطلّاب يردّدون بعدك: "لا لا لن تمرّ".. بعد مظاهرة سخنين الكبرى، قبل خمسة أشهر، ذكّرتك بهذا الكلام وقلتُ لك من قلقٍ كأنه يأس "لم تمت الفاشيّة يا أبو حنّا". فقلت أنت للتوّ كما لو كنتَ تدفع عنك المسؤوليّة: "صحيح لم تمت، لكنّها لم تمرّ ولن تمرّ!" قلتَ وكنتَ على حقّ يا أبو حنّا!
في الذكرى السنويّة الأولى لرحيل صديقنا الأصيل الأديب محمّد نفّاع، أبو هشام، التقينا وتحدّثنا في اللغة والأدب والأدباء. فاجأتني يومها بعمق معرفتك التفصيليّة في الأدب وأهله. ولمّا صعدتُ المنبر لألقي كلمتي قلتُ: "مشكلتي اليوم أنّ كلّ واحد من هؤلاء الشيوعيّين في هذه القاعة يفهم باللغة والأدب أكثر منّي". ضحكتَ وقلت لي بعدها: "اللغة والأدب ينبغي أن تكون حالة عشق قبل أن تكون مسألة وجوديّة". قلتَ وكنتَ على حقّ يا أبو حنّا!
قبل خمس سنوات نشرتَ مقالك الجميل الثاقب الغاضب "زمن الفرز السياسيّ والوطنيّ" في الاتحاد. ووظّفت فيه استعارة الغربال الفاروط والضابوط. قلتَ يومها نحن في زمن من يسقط من ثقوب الغربال لا يستحقّ أن يكون معنا في صفّ واحد.. أسرتني استعارةُ الغربال بنوعيه. فكتبتُ مقالًا على مقالك "الغربال والقفّة والتفكير الاستعماريّ". وقلتُ يومها إنّ الغربال لا يكون إلا والقفّة جنبه تلمّ ما يسقط منه من زيوان وقمح مكسّر نجعله علفًا للدجاجات.. فاتّصلت بي مباشرة وقلت وأنت تضحك: "كلّ ما يسقط من الغربال لا يصلح حتّى للدجاجات"! قلتَ وكنتَ على حقّ يا أبو حنّا!
لن أطيل الحديث إليك. بقي أن أذكّرك بالدَّيْن. يوم اتصلتَ بي قبل سنتين تقريبًا، وكنتُ أنا في سخنين، حدّثتني طويلًا عن محمّد بكري وصنيعه الفنّيّ والثقافيّ العالميّ. حدّثتني عن جهودك لترشيحه لجائزة نوبل للسلام والمراحل الإجرائيّة التي قطعتَها في عمليّة الترشيح. وطلبت منّي أن أكتب توصية أكاديميّة مفصّلة تليق بالرجل.. وظللت تتحدّث حتى برد الفطور الذي أجاءني من كابول إلى سخنين أصلًا. فقلت لك: "أنت مدين لي بفطور!" ضحكتَ وقلتَ: "هذا دين في رقبة محمّد بكري إذا فاز بالجائزة. وأنا كفيله!"
ما هذه المصادفة؟! رحل المدين والكفيل كلاهما بفارق يوم واحد! قل لي ما هذا الاتّفاق بينك وبين محمّد يا عصام؟!





.png)


.jpeg)



.png)

