هذا معلمي فجيئوني بمثله

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أيرحل عصام مخول هكذا فجأة ؟ هذا الفارس الشاهق النبيل، الذي لم تحن ظهره السنوات والحروب ومقارعة الزمن والفاشيين، ولم يحن قامته الشامخة ثقل القضايا التي حملها عن أمم العالم أجمع، عن المظلومين والمحرومين والمنسيين في زوايا الأرض. من إذًا ذلك العصي على الموت؟

هل انكسر اخيرًا هذا القلب الشجاع المقدام المثقل بهموم البشر، جميع البشر؟ القلب الذي لم تحطمه انكسارات الشعوب وهزائم مشاريع التحرر الكبرى وانهيار الأحلام العريضة ونكبات شعبه المتتالية ودرب الألام الطويلة التي يخوضها في طريقه إلى الحرية والاستقلال، وظل مع ذلك يفيض أملاً وحبًا على من حوله ويشتعل شوقًا لغدٍ أجمل. إذًا أي القلوب ذلك الذي لا ينكسر؟

هل انطفأ هذا العقل المتوقد الحاد الحاضر دائمًا،  المذهل في إلهامه، المدهش في ابتكاره الخلاق للمعاني الكبيرة من التفاصيل الصغيرة، المبهر في إحاطته الجدلية بالواقع المتحرك وإعادة صياغته بمفردات الثورة والتقدم والحرية ؟ إذًا أي العقول ذلك الذي لا ينطفئ؟
أيرحل عصام مخول هكذا بهدوء، دون جلبة أو ضجيج أو استعراض، ودون خروجٍ ملحميّ من هذا العالم؟ وهو الذي ملأت كلماته وأفكاره الدنيا، وشغلت الناس، وحرّكت الراكد والساكن، وأشعلت عقولًا شابة، ومنحتها شجاعة السؤال، ووضوح الموقف، وصوتًا عاليًا لا يساوم. أو لعلّه رحيلٌ يشبهه ويليق به: هادئ في ظاهره، عاصف في أثره، مقيم في القلوب والوجدان.وهو الذي لم يحتج يومًا أن يرفع صوته ليجذب مسامع الحاضرين، ولا أن يصرخ ليُقنع، ولا أن يبالغ في الانفعال ليؤثّر. اكتفى بطريقته الخاصة في استخدام الكلمات، وبأناقة الصياغة، وبترتيب المنطق اعتمادًا على عمق التحليل، وتكثيف المعنى، وفصاحة التعبير. يجلس هادئًا، متأمّلًا، مُصغيًا، يستوعب انفعالاتنا وثورتنا، ثم يعيد ترتيب فوضانا، بهدوء العارف، وبثقة من يرى أبعد من اللحظة الراهنة وأعمق من السطح.

أتذكر كيف تأثّرت بعمق، وأنا لا أزال أتلمّس طريقي السياسي والفكري في المرحلة الثانوية، حين قرأت رسالة محمود درويش إلى سميح القاسم في كتاب الرسائل، تحت عنوان "لا توبّخ حنيني". تحدّث درويش فيها عن أولئك الثلاثة الكبار، إميل توما وتوفيق طوبي واميل حبيبي، وكيف قادوا وعي جيله وخطواته السياسية الأولى. كتب عنهم بامتنان عميق، وبوفاء جميل، وبحنين جارف، وهو يستعيد أثرهم عليه، وإرشادهم له، واحتضانهم لقلقه وأسئلته الأولى. وفي مخاطبته لسميح، اقتبس بيت الفرزدق: "أولئك آبائي فجئني بمثلهم\إذا جمعتنا يا سميح المجامع"، ثم استدرك قائلًا: "لا تغضب يا سميح، فلستَ جريرًا ولستُ الفرزدق، ولكنني أشاركك الزهو بهذه الأبوة". وفيما كان محمود يرجو صديقه ألا يوبّخ حنينه، كنت أنا، الفتى الغضّ، أغبط ذلك الحنين وأحسده عليه. فأين لي بمثل هؤلاء العمالقة المرشدين في هذا الزمان؟

لم أكن أعرف أن الإجابة ستأتيني لاحقًا، في سنوات دراستي الجامعية، حين تعرّفت عن قرب إلى عصام مخول. هناك وجدت ذلك المعلّم والمرشد الذي نهل مباشرة من بحر هؤلاء العمالقة، وحمل أثرهم فيه، فوجدت فيه ضالّتي وحاجتي معًا. إذ أغدق عليّ حبًا وتقديرًا ورعاية وإرشادًا لم يكن متوقَّعًا أن تمنح لشخص في جيلي آنذاك. كنت ما أزال في البدايات، لم أفعل شيئًا يُذكَر، ولا حملت إنجازًا يُشار إليه. كنت أبحث فقط عن أفق، وأتلمّس الأفكار. كان يصغي إلى ما أقول وما أكتب باهتمام حقيقي، يستوعب، يناقش، ويُوجّه من دون أن يُلغي، ويقترح من دون أن يفرض. كان يفتح الأسئلة بدل أن يُغلقها، كان كريمًا في حضوره كما في اهتمامه. لم يبخل بالوقت، ولا بالإنصات، ولا بالأسئلة الصعبة. ويترك لك مساحة الخطأ والنمو معًا، وينقل لنا تجربته العميقة.

وهو مسجى أمامي قبل تشييعه إلى مثواه الأخير، وأنا أستمع إلى رفاق دربه وتلاميذه يبكونه ويرثونه ويعددون مناقبه وأثره العميق والجارف على حياتنا وتجربتنا السياسية، ويشهد له الخصم قبل الصديق بالمبدئية وثبات الموقف، وجدت نفسي أردد: "أولئك أبائي فجئني بمثلهم"، هذا معلّمي ومرشدي وأستاذي، فجيئوني بمثله إذا ما جمعتنا المجامع!

من يملأ هذا الفراغ الآن؟ هذا الفراغ الذي يزداد اتساعًا وفداحة كل ساعة. أتذكّر أنني نقلت له يومًا تأثّري بمقال كتبه عن معلّمه توفيق طوبي، قال فيه إنه كان "ذلك الذي نذهب إليه حين تضلّ زوارقنا في البحر الهائج، فيوجّه أشرعتنا". يومها، أحجمت عن أن أقول له ما كان يعتمل في صدري من امتنان لوجوده بيننا، كي "يوجّه أشرعتنا". تردّدت، خجلًا من المبالغة في التبجيل المباشر. لكن ما آثرت الصمت عنه آنذاك، يعود اليوم ليطرق القلب سؤالًا قلقًا خائفًا: لمن نذهب الآن حين تضلّ زوارقنا، والبحر هائج؟. كم أحببت هذا الرجل، الذي قال لي، حين علم بانتقالي للسكن في حيفا، بعتاب أبويّ حنون: "لماذا تشعر أنك غريب؟". كان يحثّني على تكثيف اللقاء، وعلى ألّا أترك المسافة تطول بيننا. وكم أتمنّى الآن لو فعلت أكثر وكنت أقل انشغالا عما لا يعوض حقا.

ليس سهلًا هذا الطريق الذي اختاره، واخترناه معه. أن تكون شيوعيًا فلسطينيًا في إسرائيل، فذلك موقع مركّب وصعب، يكاد لا يجد له نظيرًا في تاريخ الحركة الشيوعية كلّه، في أي بقعة من بقاع العالم. موقع يتطلّب توازنًا دقيقًا إلى حدّ القسوة، وتفكيرًا جدليًا عميقًا، قادرًا على استيعاب التناقضات لا الهروب منها، وعلى الاشتباك مع أسئلة صعبة لم تُصَغ لها مرجعيات جاهزة، ولا إجابات موروثة. كان عصام مخول عنوان هذا التوازن المركّب والعميق. إذ تعامل معه بوصفه عملية فكرية وسياسية مفتوحة، تستند إلى تجربة الرعيل الأول، وتنهل منها، من دون أن تتجمّد عندها. وفي مرحلة صعبة ومعقدة بعد رحيل القادة التاريخيين للحزب والاباء المؤسسين قادة معركة البقاء، وفي ظل انهيار المعسكر الاشتراكي والتجربة الأم، وفي زمن اعلان انتصار الرأسمالية والنيولبرالية و"نهاية التاريخ" ونهاية "السرديات الكبرى" والايدلوجيا. استلهم عصام تجربة معلميه الأوائل، وأضاف إليها من فهمه لتركيبات الواقع المتغيّر والمتحرّك، ومن إدراكه لتعقيدات اللحظة التاريخية، وتحوّلاتها الاجتماعية والسياسية. هذا التركيب النابع من فرادة التجربة التاريخية والاجتماعية والسياسية للجماهير العربية الفلسطينية الباقية في وطنها، والمواطِنة في دولة تحتلّ شعبها. تجربة متفردة في تاريخ المجموعات القومية، بكل ما تحمله من تناقضات قاسية بين الانتماء القومي، والمواطنة، والنضال، والهوية، والحق. وكان عصام واحدًا من أبرز الذين شاركوا في صياغة هذه التجربة نضالاً وفكرًا، وفي بلورة مفرداتها الخاصة، لا كشعارات، بل كأدوات فهم وعمل. ساهم في منحها لغة، ومنهجًا، وبوصلة، موازنًا بين انتمائه الوطني العميق لشعبه الفلسطيني وقضيته وتوقه للتحرر وبين انتمائه الأممي الواسع، من دون أن يفقدها القدرة على العيش، والتنظيم، والفعل اليومي داخل واقع بالغ التعقيد.

من يملأ هذا الفراغ ؟ أما من أحد يوبخ حنيني الان ؟ ويوبخ حزني وخوفي وفجعي وندمي، لعلي أرتدع قليلا، فإنها قاسية. وأقساها وأكثرها طغيانًا ذلك الندم. الندم أني لم أسأله كل الأسئلة التي شغلتني ولم يتسع لها الوقت.  الندم على أني لم أجلس إليه أكثر، ولم أُصغِ إليه بما يكفي، ولم أقترب منه كما ينبغي، ولم أقل له، بلا تردّد ولا حياء، كم أحببناه وكم قدرناه.  الندم من أنني لم أطلب منه أن يتريّث قليلًا، ألّا يستعجل الرحيل. وأعرف، في قرارة نفسي، أنّه لو طُلِب منه ذلك، لابتسم بدماثته المعهودة، ولأجّل انكسار القلب، ومنحنا وقتًا إضافيًا للوداع، وفسحة صغيرة نوفي فيها بعضًا من دينه الثقيل علينا. أو لسألته سؤالاً أخيرًا، وهو الذي يكاد يملك كل الاجابات: كيف لنا أن نتحمل هذا الغياب الثقيل؟

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية