سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

طويل كالمدى نفسي
وأتقن حرفة النمل.
على مهلي!
لأن وظيفة التاريخ...
أن يمشي كما نملي!!
طغاة الأرض حضرنا نهايتهم
سنجزيهم بما أبقوا
نطيل حبالهم، لا كي نطيل حياتهم
لكن..
لتكفيهم
لينشنقوا..!!

كلما قرأت قصيدة الرفيق توفيق زياد " نيران المجوس" أكاد أجزم أنها لم تكن للرفيق عصام مخول مجرد قصيدة وأنما ميثاق وأسلوب حياة. كم كان أبو حنا طويل النفس ، وكم أتقن حرفة النمل وامن أيمانا عميقا أن وظيفة التاريخ أن يمشي كما نملي.

الرفيق عصام لم يكن أنسانا عابرا في الحياة أو بين جماهير الناس ، كل من عرفه لاحظ فورا أنه أمام أنسان مختلف، فيه شموخ الانتماء للهوية التي ولد معها، فلسطينيا ابن البقيعة، واعتزاز بالهوية التي طورها واجترحها عبر السنين، شيوعيا ماركسيا أمميا مناضلا ومفكرا من الطراز الأول.

شكرا عصام،

عندما بدأت دراستي الجامعية ، تعرفت الى الأخوين مخول ، أمير وعصام ، أمير رئيسا للجنة الطلاب العرب ، وعصام الشاب القيادي الذي انهى رئاسة الاتحاد القطري للطلاب الجامعيين العرب واستقر في حبفا سكرتيرا للمنطقة الحزبية ، كانت تلك أياما صاخبة ، ارتكزت فيها الحركة الطلابية على نضالات جيل عصام ورفيقنا محمد بركة واخرين ، وكان عصام يرافقنا في نضالاتنا، يرشدنا ، يصغي لنا ، يشجعنا . عصام عرّفني على الماركسية بهدوء، وادخلني الى الحزب رفيقة. صحيح أنه وقع على طلب انتسابي للحزب موصيا بقبولي للعضوية ، ولكن الأهم أنه كان المعلم والمثقف دون ادعاء، بهدوء، وللحقيقة حتى يومه الأخير قبل الفراق بقي بالنسبة لي مرجعية الجأ لها كلما ضاقت السبل، وكلما احتجت أن أتأكد أن موقفي صحيح ، لأنني تيقنت عبر السنين أن مواقف عصام كانت دائما صميمية ، مبدئية ، لا تتلون بفعل التكتيكات أو المصالح . في الأيام العادية يعتبر البعض ذلك تحجرا ولكن عندما تهب العواصف يفهمون أنها جزيرة الخلاص في البحر الهائج . فشكرا عصام أنك نسبتني للطريق رفيق.

/على مهل، ورغم كل شيء

على مهل فكر عصام، وعلى مهل تحدث وحلل واجاد قراءة الصورة بعمق ، كان قادرا أن يحلق للأعلى فيرى المشهد الإقليمي والعالمي وأن يهبط على الأرض فيغوص بالتفاصيل أيضا على مهل . كنا يا رفيقي أحيانا نضيق ذرعا بالتفاصيل ، وأحيانا أخرى نختلف معك على فهم الاصطفافات الإقليمية ، وكان لك أيضا القدرة يا رفيق عصام أن تسمعنا على مهل ، ان تنافشنا وأن تجعلنا في الكثير من الأحيان نراجع أنفسنا ونرى زوايا قد تكون خفيت .ودائما دائما حسدتك على قدرتك  أن تسأل الأسئلة التي تدفعنا للتمهل والتفكر ؟ ومن ثم تبتسم تلك الابتسامة الهادئة وتلمع عيناك وكأنك تقول : أهه الأن بدأت تفكر.

عندما عملت في الاتحاد ، كنا ننتظر من الرفيق عصام المقالات لنشرها ، وكان دائما برأيي مقلا بها ، وكلما أردت حثه على الكتابة فهمت منه أنه يرى في الكلمة التي يكتبها مسؤولية كبيرة ، لم يكن عصام ممن يستخفون بالكلمات ، كان لديه دائما جواب: في فكرة براسي، خليني اطبخها منيح ، وعرف أن الكلمة موقف وأن للموقف سياق تاريخي له ما قبله ويجب أن يكون له ما بعده هو فعلا ايقن أن التاريخ يمشي كما نملي ، لذا وجب الحذر في الكلمة والمقال والموقف والتعبير عنه. الدقة حرفة ، وعصام أجادها واستغلها في الصياغات لتمتين الرسالة ، وكأن يعلم أنه لا يكتب فقط لمن حوله ، او للحظة التي نعيش وانمتا أيضا للأجيال القادمة وللتاريخ.

عندما صدمنا عصام ورحل، وأقول صدمنا لأن في شخصية عصام وتصرفاته ما كان يوحي أنه باق هنا الى الأبد ، ولأنني تحدثت معه أسبوع قبل الفراق محادثة طويلة وشكوت من قسوة الموت علينا وعدد الرفاق الذين خطفهم ، وقلت له اشعر بالموت يضيق الدائرة حولنا ويقترب، اجابني عصام ، أنت لا تهتمين بصحتك مثلي، انت ديري بالك على حالك فنحن أل مخول نعمر طويلا . وهذه المرة يا عصام لم تقرأ الصورة بشكل صحيح.

منذ يوم الفراق، وصورة عصام يجلس قرب طاولة الاجتماع وبيده القلم والأوراق يسجل عليها ملاحظاته وفجأة يسحب قصاصة ورق كان سجل عليها ملاحظة أو ربما نقاشا سابقا أو فكرة ويرتبها بين الأوراق ، فعلا حرفة النمل ، القصاصة تلو القصاصة ، والملاحظة في الهامش والفكرة التي لم تختمر بعد كلها أدوات عمل ، يراكمها عصام ليكتب ويصوغ النضال.

في كل حزب يريد الحياة والاستمرار وحزبنا كذلك ، يجب أن يكون ثلاث شخصيات توازن فيما بينها الحياة الحزبية ، شخصية المفكر ، الذي ينتج وحدات القياس والموقف من كل جديد ، وشخصية السياسي الذي يتعاطى مع التطورات الأنية ويلاحق العمل السياسي ،والشخصية التنظيمية التي تجيد تنظيم الجماهير في قوة تهتدي بالفكر في النضال السياسي ونادرا أو في حالات خاصة تجتمع الثلاث قدرات في شخص واحد ، وعصام عمل على المستويات الثلاثة في مراحل مختلفة من حياته وفي كل موقع أجاد الا أن الزمن والتجربة والعمق التحليلي دفعه ليكون شخصية المفكر في حزبنا ولكن ليس فقط ، في السنتين الاخيرتين وخلال حرب الإبادة شكل عصام صوتا فريدا في المنطقة برمتها ، بقي ثابتا واضحا ، جريئا وأجج في داخله وفي داخلنا الاستعداد للمواجهة والقدرة على الدفاع عن الموقف الإنساني الوطني الطبقي بشجاعة ودون خوف من قمع أو اضطهاد ، كما كان تماما عصام الشاب الذي تعرفت عليه في الثمانينات من القرن الماضي وكأن الزمن لم يمر.

في تلك المحادثة الأخيرة التي كانت تشبه حديث عصام معنا جميعا ، ففيها الكثير من الجدية  يتخللها مزحة هنا ونكزة هناك، قلت لعصام أن ما يخيفني هو فراق الرفاق الكبار في السن، وها نحن نصبح كبار السن في الحزب. ضحك عصام وقال : لا تحشري حالك مع الكبار فما زال امامك عشر سنوات عليك اتمامها. وكأنك يا عصام كنت تحملني وتحملنا رسالة في هذه الممازحة ، كنت تقول ما زال أمامكم ما تقدمونه ، وعليكم ذلك ، من اجل كل ما نؤمن به من عدالة قضية شعبنا الفلسطيني ومطلبه بالتحرر،  من حقنا جميعا بالمساواة التامة والعدالة الاجتماعية.

ما زلنا نحاول نحن الرفاق والرفيقات أن نستوعب هذا الغياب ، وما زلنا نتلمس ابعاده وعمقه والفراغ الذي خلفه ، ولكننا بالتأكيد سوف نكمل الطريق وسوف نتساءل بين الفينة والأخرى: ما موقف عصام في هذه الحالة ؟ . سوف نحمل تفاؤلك الدائم ، تفاؤل الثوري المؤمن بأن التاريخ يمشي كما نملي ، سوف نخوض النضالات ، نحصن حزبنا، ندافع عن جماهيرنا ، نقارع الفاشية ونغلبها ونلتحم بشعبنا وكل قوى التحرر هنا وفي العالم لنخلق عالما أجمل.

نم قرير العين يا رفيق فلقد حضرت اجيالا تكمل الطريق رغم قسوة الفراق.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية