المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

في صبيحة يوم الثالث من يناير استفاق العالم على عملية عدوانية لصوصية نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية على فنزويلا وقامت باختطاف الرئيس مادورو واقتياده إلى أراضي الولايات المتحدة الأمريكية حيث ستوجه له تهم "جنائية".

اختطاف رئيس دولة مستقلة بحد ذاته ليس "سابقة" في التاريخ العالمي، المفاجئ للكثيرين أن مثل هذا الأسلوب لم يكن فجًا وصريحًا بهذا الشكل، أما اليوم فإن الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب تفرض هيمنتها بدون المؤسسات الدولية، ولا تترك لها غير التنديد.

المسألة الفنزويلية تفهم على أربع مستويات متداخلة: صعود يسار أمريكا اللاتينية، الطبيعة الإمبراطورية للولايات المتحدة، الصراع مع الصين، تآكل النظام الدولي.

قصة الهيمنة الأمريكية على نصف الكرة الغربي تبدأ مع "عقيدة مونرو"، الرئيس الخامس للولايات المتحدة الأمريكي (1817-1823)، التي كانت موجهة ضد النفوذ الأوروبي في "العالم الجديد"، ومن هناك راحت الولايات المتحدة توسع نفوذها وحدودها منذ الحرب المكسيكية الأمريكية (1864) واحتلال "نيو-مكسيكو" وأكثر من نصف أراضي المكسيك، ليبدأ التاريخ الطويل من التدخلات المباشرة وغير المباشرة في أمريكا اللاتينية، التي اعتبرتها الولايات المتحدة على الدوام فنائها الخلفي.

منذ ستينات القرن الماضي باتت الولايات المتحدة تواجه خطرًا جديدًا هو الشيوعية واليسار منذ الثورة الكوبية (1961) وفشل الإطاحة بالنظام الثوري الصاعد، منذ ذلك الحين اتخذت مكافحة الشيوعية في القارة اللاتينية شكل الديكتاتوريات العسكرية، بدأ من الإطاحة بخوان بوش في جمهورية الدومينيكان، ومن ثم ستة ديكتاتوريات عسكرية في كل من تشيلي، الأرجنتين، البرازيل، أورغواي، بارغواي وبوليفيا. قادت هذه الدول الستة مجتمعة ما عرف ب"عملية كوندور" (Operation condor)، أي حملة تنسيق إقليمي للقضاء على الشيوعيين بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية وأفضت إلى تصفية واختفاء آلاف الشيوعيين واليساريين في سبعينات وثمانينات القرن الماضي.

أدت الأنظمة الموالية مهمة ترسيخ علاقات تبعية "نيوليبرالية"، أي رأسمالية متوحشة، فتم الاستعاضة عنها منذ ثمانينات وحتى بداية الألفية بشكل سياسي ديمقراطي ليبرالي، ليبدأ صعود اليسار مع هوغو تشافيز في فنزويلا كاحتجاج وتكتل فئات شعبية ضد السياسات "النيوليبرالية"، لما عرف ب"الموجة البوليفارية"، التي شملت عدة دول: فنزويلا تشافيز، برازيل لولا دا سيلفا، أرجنتين كيرشنر، موراليس بوليفيا، وغيرها كالإكوادور ونيكارغوا والأورغواي.

في فنزويلا لم يكن هناك حكم عسكري بالمعنى الكلاسيكي، بل شبكة من النخب الليبرالية الموالية للولايات المتحدة الأمريكية، وجاء صعود تشافيز كتعبير عن سخط الطبقات الشعبية على النخب اليمينية الليبرالية الموالية.

بعد "موجة البوليفارية" في مطلع الألفية لم يقم اليسار بإجراء تغيير اجتماعي عميق وثوري، على نمط الصين مثلًا، رغم الإصلاحات التقدمية كتأميم النفط في فنزويلا والغاز في بوليفيا وزيادة الإنفاق في مجالات الرعاية الاجتماعية والصحة والتعليم. ولكن كتل اليمين بدأت بالعودة لأن الانقسام الاجتماعي الذي بقي ببقاء العلاقات الإنتاجية السابقة وعدم بناء قاعدة صناعية، ولم يتقدم اليسار بخطوة موحدة لفك التبعية مع الدولار كسك عملة تجارية موحدة بديلة عن الدولار

وراحت الخلافات بين اليسار نفسه بعد أن انقسم اليسار إلى يسار بوليفاري ويسار أشبه باليسار الأوروبي ما يشغل باله المساواة الجندية والبيئة، ونجد لهذا تعبيرًا في اتهام الرئيس مادورو للرئيس التشيلي غابرييل بوريتش بأنه "جبان متواطئ ضد الثورة البوليفارية".

أما المستوى الثاني فهو الطبيعة الإمبراطورية للنظام الأمريكي منذ الحرب الباردة.

الشكل الإمبراطوري الأمريكي جاء جراء خلافة أمريكا لأوروبا في قيادة الحضارة الغربية وحكم مساحات واسعة من العالم، ويعززه داخليًا صراع النخب، أي النخب المتحكمة في الدولة لمصالحها الطبقية التي يقابلها رئيس شعبوي، شيء معاصر يشبه صراعات السلطة الرومانية.

الولايات المتحدة هي إمبراطورية في الخارج، أي أنها تحكم بشكل مباشر (أو غير مباشر) مساحات قارية كبيرة خارج حدودها، وكان لزامًا على الشكل السياسي أن يتناسب مع هذا الوضع بعد خلافة أوروبا في قيادة العالم الغربي، هذا التناسب جاء بتركيز السلطات بيد مؤسسة الرئاسة بما يسمح لها بتجاهل صلاحيات باقي المؤسسات والدستور الأمريكي نفسه في سياساتها الخارجية، كما حدث في عملية اختطاف مادورو والعدوان على فنزويلا التي حدث بقرار من مؤسسة الرئاسة وسط اتهامات بتجاوزات "قانونية" تخص صلاحيات باقي المؤسسات.

هذا الشكل من الاستبداد الديمقراطي الذي يركز صلاحيات وقرارات مصيرية بيد مؤسسة الرئاسة ويخلق بلبلة يستعصي على القانون احتواءها لأن علائق القوى وطبيعة النظام أقوى من الحبر على ورق الملزم قانونيًا ودستوريًا.

المكون الثاني للحالة الإمبراطورية هو وضع الديكتاتورية العسكرية العالمية أو "شرطي العالم"، ففي السابق كانت المراكز الرأسمالية نشيطة في تصدير الرساميل إلى "الأطراف" لاستخراج الفائض النتاج عن استغلال العمل، ولكن منذ التسعينات والأمولة لم يعد الفائض موازنًا للتوظيفات الإنتاجية بل يعيق التنمية في كثير من الدول، ولضمان بقاء الاحتكارات العالمية وامتصاص الفائض على مستوى عالمي تؤدي الديكتاتورية العسكرية هذه المهمة من خلال الغزو أو تدبير الانقلابات.

غير أن هذا الوضع الإمبراطوري ليس سلطويًا وحسب بل هناك أسطورتان في الوعي الشعبي الأمريكي تشرعنانه، كما يشرحهما هاورد زن في كتابه "التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية" هما: "قرية فوق التل" و"القدر المحتوم" ومفادهما أن الولايات المتحدة هي قلعة الحضارة والمدينية وقدرها أن تبقى حارسة الحضارة والحرية عالميًا، ونجد لهذا الوعي تعبيرات في خطب الرؤساء الأمريكيين المختلفين، مثلما وصف ترامب الجيش الأمريكي أنه "سيف الحرية".

في هذه المعادلة العالمية برز تحد جديد للإمبراطورية الأمريكية هو الصين، وخطة الحزام والطريق، حيث تقضي  الإستراتيجية الصينية بفتح أسواق جديدة أمام الصين تساعدها على الانتشار في الأسواق العالمية وتحييد الولايات المتحدة عن زعامة العالم، تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها عن طريق انتشار أوسع من الصين في الأسواق العالمية وهيمنة الدولار كعملة عالمية وديكتاتورية عسكرية عالمية. ولكن خط الحزام والطريق الإستراتيجية تهدد هذه الأركان فيكون الرد الأمريكي يكون عبر الغزو العسكري أو خنق الصين من حدودها عبر تحالفات مع الهند واليابان وطرق تجارة بديلة تقطع الطريق أمام الصين. 

والمستوى الرابع هو تآكل النظام الدولي الذي تشكل منذ الحرب الباردة والذي تم الإعلان عنه من طرف واحد، إذا صح التعبير، في "وثيقة الأمن القومي" (2025) التي صرحت بوضوح عن إبقاء الهيمنة على نص الكرة الغربي عبر بقاء الولايات المتحدة قوة وحيدة هو الأولوية، والمرتكز الأساسي هو "الأمم"، أو الدول القومية.

بغياب التحدي الأيدولوجي، أي الشيوعية ممثلة بالاتحاد السوفيتي، تعني الدولة القومية انتفاء الحاجة إلى الليبرالية، وتكتفي بالتأكيد أن التحالف مع الديمقراطية الأمريكية مفيد لمن يتحالفون معها بدون الحاجة إلى استيرادها، وكما ورد في الوثيقة آنفة الذكر فإن الولايات المتحدة هي أكبر ديمقراطية في العالم وتحافظ على "الحقوق الطبيعية التي منحها الله" وهذا بحد ذاته يجعلها جذابة للآخرين، وتؤكد على إمكانية استعمال القوة عندما يكون إنفاذ القانون فاشلًا.

النظام الدولي الجديد، الدول القومية الكلاسيكية، يعني العودة إلى شكل الاستعمار القديم بحلة جديدة، لا تحتاج بالضرورة إلى احتلال مباشر بل إلى استبدال للأنظمة "المشاغبة" كما حدث مع مادورو، والصراع في حقيقته ومعلن عنه صراحة أنه على الثروات والمواقع الإستراتيجية.

طبعًا هذا يعني غياب "التكتلات الجمعية" طويلة الأمد، وحضور المصلحة الآنية (ضمن إستراتيجية) وتقسيم مناطق نفوذ دولية لا تمنع الصدام والاحتكاك المباشر بين القوى المختلفة، وبدون "تكتلات جمعية" وأدوات تضمن أمن الدول الصغيرة فسيكون عليها انتظار مصير مشؤوم مليء بالإهانة، والتفنن بالإهانة، سواء بالطرق التقليدية عبر الاحتلال المباشر أو الانقلابات، أو بطرق أكثر إبداعًا كخطف رئيس دولة من بيته كما في حالة مادورو.

وعن فنزويلا كحالة عينية، فيمكن القول أنها كانت الساحة الأولى لانبعاث النظام الدولي الجديد، لأسباب سنذكرها، ولكن أول ما يشار إليه أن العملية اللصوصية قالت للفنزويليين، وضمنيًا لكل ما يعرف بالعالم الثالث، أنتم لستم شعوبًا و"سنستبيحكم متى شئنا بدون إعلان حرب حتى".

فنزويلا إستراتيجيًا بشكل موضوعي جمعت كل مكونات لكي تكون أول حقل تجارب للنظام الترامبي، فهي الجار العدو الصريح للولايات المتحدة، وحليفة لروسيا والصين وتمنحهما حضورًا نشطًا في استخراج الثروات الطبيعية، وهي صاحبة الثروة النفطية الهائلة، وأيضًا حاملة لواء البوليفارية.

عانت فنزويلا من انهيار اقتصادي كبير بعد انهيار قطاع النفط بفعل الحصار وراحت تبحث عن بدائل في قطاعات استثمارية أخرى، وبالتحديد في قطاع التعدين، ففنزويلا تملك معادن نادرة تستعمل في الصناعات العسكرية والتكنولوجية، وفتحت المجال أمام الروس والصينيين للاستثمار في هذا القطاع ما أثار قلق دوائر صنع القرار في واشنطن.

وفي موقعها الجيوسياسي فنزويلا تطل على بحر الكاريبي، ما يجعل حضورًا صينيًا وروسيًا هناك ليس مسألة "منافسة تجارية" وحسب من المنظور الأمريكي، إنما مسألة أمن قومي.

هكذا تحولت فنزويلا ونظامها اليساري إلى موضوع أمني أيضًا للولايات المتحدة، وبات عليها "قوننة" عدوانها عبر إسقاط الأعراف الدبلوماسية في العلاقة الثنائية فسبق العدوان تصنيف الحكومة الفنزويلية "منظمة إرهابية" بحجة تجارة المخدرات، مع وضع تجاهل المؤسسات الدولية بدون المساس بحقها في التنديد.

بسقوط آخر ما تبقى من الأعراف الدبلوماسية بات كل شيء مباح في التعامل مع فنزويلا، فكانت العملية اللصوصية في صبيحة الثالث من يناير واستهداف رأس الدولة واختطافه.

في المؤتمر الصحفي لترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، رأينا اللغة الاستعمارية المستحدثة الفجة عن "إدارة فنزويلا" و"أعطيناه أكثر من فرصة"، وتهديد صريح لأنظمة كولومبيا وكوبا، للتأكيد على الوصاية المطلقة للولايات المتحدة على ما يعرف بنصف الكرة الغربي.

ما حدث في فنزويلا، ولو ما زلنا في البدايات، هو تهديد مباشر لدول أمريكا اللاتينية دول العالم الثالث، ولا تغيب إيران عن الأذهان، ولكنها موضوع آخر لا مكان للحديث عنه الآن.

في حالة سقوط فنزويلا وإيران ووضع إحكام السيطرة على الخليج، فهذا سيضيق الخناق على الصين في صراع موارد الطاقة ودور النفط، ويعد أيضًا طعمًا لروسيا حيث يقوم ترامب بإغراء بوتين بنفوذ في أوروبا مقابل تقليل صادرات النفط للصين.

أُعلن عصر النظام الدولي الجديد البشع جدًا في فنزويلا، وأبشع ما فيه أنه يسلب الشعوب والأفراد حريتهم وإرادتهم وملكيتهم على نفوسهم، وبالتالي ينتج عندهم شعورًا بالدونية وحقدًا ينتظر الانفجار في أول فرصة مواتية، وشعب عدو للمستعمِر بشكل مزمن.

على السادة العظماء التاريخيين الذين يقودون دول المنطقة الفاشلة أن يبدؤوا بتحسس رقابهم، وأن يعوا أن الغوغائية والتخلف لن يسعفهم في شيء إذا ما رفعوا رؤوسهم ضد النظام الدولي الجديد.

يصعب التكهن أين ستصل الأمور بعد اختطاف الرئيس مادورو وزوجته رغم الأثر النفسي من الإحباط وعدم الثقة، ولكن التكتلات الاجتماعية لا تعتمد على "سوبرمان"، بل على قواعد شعبية وقدرتها على التنظيم والمواجهة. هذا سنكتشفه لاحقًا، والسيناريوهات قليلة، ترامب أعلن الإدارة المباشرة لفنزويلا أي أنه يعتبر حكومة مادورو بدون مادورو هيكلًا بلا مضمون، ولكن مصائر فنزويلا سيحكمها في التحليل الأخير قدرة فنزويلا المتهالكة على المقاومة والتضامن القاري اللاتيني معها.

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية

featured
عمر فارسع
عمر فارس
·2026-01-04 07:08:18

من سيأتي ضحية ترامب بعد فنزويلا؟

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة