news-details
مقالات

حدث وموقف//أمريكا تدفع نحو دوامة جديدة من سباق التسلح

حدث وموقف

يخرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بين الحين والأخر بقرارات جديدة خطيرة تشعل الجدل على نطاق محلي ودولي واسع، وليس فقط بين المنافسين والاعداء، انما داخل أوساط من يعتبرهم حلفاء له. ومن ضمن هذه القرارات: الانسحاب من اتفاق التجارة عبر المحيط الهادي، والانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، والانسحاب من اليونسكو، والانسحاب من مجلس حقوق الانسان الدولي، وأخيرًا الانسحاب من المعاهدة الدولية لحظر الصواريخ متوسطة المدى.

هذا عدا عن القرارات الأخرى، التي تنم عن الكثير من العربدة العنصرية والعنجهية الكبيرة والابتزاز، وتتعارض مع أسس السياسة الدولية، مثل تقييد حرية الهجرة لأمريكا والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وقطع التمويل عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الاونروا) والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، والاعتراف بخوان غوايدو رئيسًا مؤقتًا لفنزويلا، بدلًا من رئيسها المنتخب ديمقراطيًا من قبل الشعب مادورو!! هذا بالإضافة الى الحرب التجارية على الصين وفرض رسوم جمركية على استيراد الحديد والالمنيوم من الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك.

والخطير في الامر ان المبررات التي كان يسوقها ترامب لمثل هذه القرارات تنطوي على الكثير من العنصرية والكراهية وعربدة الحاكم المستبد، التي يمكن تلخيصها بالشعار الذي يردده منذ جاء الى البيت الأبيض "أمريكا اولًا".. وهذا الشعار قد لا يختلف عن تلك الشعارات التي قادت العالم الى الحربين الكونيتين المدمرتين في النصف الأول من القرن الماضي.

ففي الثاني من شباط الماضي علّق ترامب المعاهدة الدولية لحظر الصواريخ متوسطة المدى بادعاء: انتهاكات من قبل الروس لسنوات!

وفي اليوم ذاته أعلن بوتين تعليق روسيا للمعاهدة، واتهم الولايات المتحدة بالتخطيط للقضاء عليها، حيث بدأت قبل سنتين بتصنيع صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى في مصنع عسكري في أريزونا.

وفي الثاني من آب الجاري أعلن مايك بومبيو، وزير الخارجية الامريكي، انسحاب الولايات المتحدة الرسمي من المعاهدة وحمَّل روسيا المسؤولية. وأدعى: "عدم التزام روسيا بالمعاهدة يهدد المصالح الأمريكية العليا؛ إذ إن تطوير روسيا لأنظمة صواريخ تنتهك المعاهدة ونشرها لها يشكل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة الأمريكية ولحلفائنا وشركائنا".

ورأت روسيا في ذلك خطوة خطيرة، اذ اعتبر مصدر في الخارجية الروسية أن الولايات المتحدة تحلم بأن تكون هي القوة الوحيدة المهيمنة على العالم بقرارها الانسحاب من المعاهدة. ونقلت وكالة "ريا نوفوستي" الروسية قوله: "الدافع الرئيسي هو الحلم بعالم أحادي القطب".

وقد يمهد انسحاب واشنطن من هذه الاتفاقية الى مرحلة جديدة من سباق تسلح غير مسبوق والى تعطيل اتفاقية " نيو ستارت" للحد من الاسلحة الاستراتيجية التي دخلت حيز التنفيذ عامَ 2011 وتنص على خفض عدد الرؤوس النووية التي تملكها القوتان الكبريان والحد من عدد الصواريخ، التي من المفترض أن تتجدّد تلقائيًا عام 2021.

يبدو أن للانسحاب الأمريكي من هذه المعاهدة التي وقعت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في العام 1987 للحد من استخدام الصواريخ التقليدية والنووية التي يتراوح مداها ما بين 500 و5500 كلم له أسباب أخرى أكثر من مجرد المزاعم بانتهاك روسيا للاتفاقية.

في السنوات الأخيرة ظهر بشكل واضح للعيان عجز الاقتصاد الأمريكي في مواجهة ازدهار وتعاظم الاقتصاد الصيني وان قدرة الولايات المتحدة على المنافسة الاقتصادية مع الصين في تراجع متواصل على النطاق المحلي والاوروبي والعالمي. والتجربة التاريخية أظهرت انه عندما تعجز الامبريالية عن تحقيق ما تصبو له سلميا لا تتورع عن ابراز قدراتها العسكرية غير آبهة بالنتائج مهما كانت مأساوية ومدمرة.

وقول ترامب: "أموالنا أكثر من أي أحد غيرنا.. سوف نقوم بزيادة الأسلحة النووية حتى تعود روسيا والصين إلى رشديهما، وحينها سنكون حكماء وسوف نتوقف، ولن نتوقف فحسب، بل سنخفض الكمية، سوف نفعل ذلك بسرور، لكنهما اليوم لا تلتزمان بالاتفاق"! هذا القول قد نجد فيه التفسير الواضح لما تسعى اليه السياسة الامريكية.

يبدو ان دوافع ترامب للانسحاب من معاهدة الصواريخ تكمن في أن هذه المعاهدة كانت تمنعه من تثبيت صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى بالقرب من الأراضي الصينية، حيث من الممكن أن تكون بمنزلة حافز له ضد عدوه التجاري. وما صرح به وزير الحرب الأميركي مارك إسبر السبت الماضي أنّ الولايات المتّحدة تُريد الإسراع في نشر صواريخ جديدة في آسيا، خلال الأشهر المقبلة إذا كان ذلك ممكنًا، لاحتواء توسّع النفوذ الصيني في المنطقة هو تأكيد على ذلك.

وتحاول الإدارة الامريكية من خلال هذه التحركات الى استدراج الصين الى دوامة سباق تسلح تستهدف وقف تطور الاقتصاد الصيني وتضطر الصين، في نهاية المطاف، الى الخنوع وتوقيع اتفاق يرضي أمريكا.

بعد مجيء ترامب الى البيت الأبيض زادت حدة التناقضات بين دول الاتحاد الأوروبي وبين أمريكا واشتدت النزعة لدى هذه الدول نحو الابتعاد عن أمريكا في العديد من القضايا السياسية الدولية الامر الذي يزيد من ضعف الإدارة الامريكية وهذا ما لا تسلم به هذه الإدارة ويضطرها الى اختلاق تهديد جديد لهذه الدول من خلال العودة الى التلويح بشبح التهديد الروسي عن طريق جر روسيا الى سباق تسلح جديد يعيد أوروبا الى الحظيرة الامريكية.

كما ان جر روسيا الى سباق تسلح جديد من شأنه ان يحد من تطور روسيا ويتهدد استقرارها الامر الذي يمكّن الولايات المتحدة ارغام روسيا على اتخاذ مواقف قد لا تروق للصين بهدف الإيقاع بين الدولتين لإبعادهما عن بعض. يجب التذكيران سباق التسلح خلال الحرب الباردة كان من أبرز أسباب انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب