news
مقالات

إدعكو بجيك دَلّلو بخزيك 

كنت وحيد أمي، بين خمس بنات: بيضة الدجاجة لي، وزغلول الحمام لي، ولا يرقد في حضن امي من الاخوات غيري. ولا أذكر في يوم من الايام أنها ضربتني أو وبختني ولو بكلمة أو مسبة تجرح قلبي.

لكني مع زيادة هذا الدلال كله، تبعرت في مواسم قطف الزيتون، أي كنت يوميا بعد الدوام في المدرسة الابتدائية، "التقط" ما بين خمسة الى عشرة كيلو زيتون اخضر او اسود. ودرست على النورج القديم "اللوح" على بيادر الدير، في مواقع البيادر الشرقية، وبيادر راس رباع البلان وبيادر المحوز على فترات طويلة. وزرعت مع والدتي واخواتي الصغيرات أرضنا التي كانت وعرية، مملوءة بالحجارة مختلفة الاحجام والبلان والبطم والسنديان.

في ذلك الحين لم يكن تراكتورات تحرث مثل هذه الايام. بل كل الزراعة مبنية على حراثة الفدان "زوج بقر أو حمار واحد بواسطة العود والمساس والنير والسكة". هذا اذا كانت الارض سهلية وخالية من النفلة، كما يسميها الفلاحون عندنا. واما اذا كانت وعرية فلا يعمل بها غير المنكوش. فهل يصدق أن والدتي رحمها الله، وقسما من بناتها كن يفلحن على المنكوش أكثر من خمسين دونما، خلال شهري تشرين الثاني وكانون الأول؟ كلام فيه غرابة. حيث في هذه الايام، يصعب على سكان بيوتنا نكش وزرع بعض الامتار المحيطة بدورنا. مع أنه من الواجب عدم ترك ولو متر أرض حول دورنا دون غرس ولو شتله دوالي أو وردة جورية لتنقية الجو، وزيادة حلاوة المنطقة من اخضرار اوراق الاشجار وزهورها وثمارها.

ولن انسى أن اكثر الفلاحين في قريتنا وفي فصل الصيف اهتموا بزراعة الدخان وبيعه لشركة دوبك الإسرائيلية، وغيرها من الشركات المحلية، بواسطة سماسرة من داخل القرية. لكن المؤسف جدا ان السماسرة منا وفينا كانوا يروّجون لصالح الشركات. فتتسلمه "في البلاش الا ربع" من المزارعين  الذين يُحصّلون لقمة عيشهم من عملهم وعرق جبينهم الذي لا يجف وخصوصا في اشهر الصيف الحارة.

وَمَن مِن جيلنا يتجاهل الشيخ صنع الله صاحب المقاثي المشهورة وبطيخها المميز باللون الاحمر الذهبي والوزن والذوق، كما هو الحال في حلب الشهباء التي اكتوت بجحيم اولئك المجرمين في التاريخ الانساني الحديث؟ وحدث ولا حرج عن بطيخ قطعة الجامع والبرنسة ، وغيرها من المواقع التي تحولت الى مناطق عمار تابعه لمدينة كرميئيل.

نعم، في تلك الحقبة التاريخية المبنية على المنكوش والعود البلدي والفدان كما اسلفنا، الكل في البيوت: الام والاب والولد والبنت يفلحون، ويزرعون ويقومون بواجباتهم البيتية على احسن حال. ينامون في ساعات محددة وينهضون من نومهم، والابتسامة مع التحيات الصباحية للوالدين اولا ثم الاغتسال واللباس النظيف المرقع والفطور على طبلية مستديرة، وبعدئذ ينصرفون لأعمالهم بنظام، وقد عبر عن الوضع اصدق تعبير شيخ الشعراء والزجالين أبو سعود الاسدي في قصيدته المشهورة، نأخذ منها بعض المقاطع: 

 

ولا مرة الشمس طلعت عليّ وانا ملقوح ومغمض عينيّ

الا حامل المنكوش بيدي ومثل السبع واقف على رجليّ

كنت اطرب على ايام الحصيدة بذيال المحوز والتوفنية

لما البس الحوره الجديدة ام سعود ما تلحق عليّ

علوا يرجع العصر الحميدي تشد العود واحرث ارضياتي

                           على الاوطان ابكي يا عينيّ

 

كانت العيشة ايام زمان، تعتمد على العيال في البيت وخيرات الارض وبركات الرب. وما اكثر خيراته سبحانه وتعالى اذا اعطى: خلايا القمح مليانه وجاهزة للبذار، وطحين القمح النورسي الاصلي متوفر وسميدة الكبة الكذابية حاضرة وغب الطلب "أي المجبولة مع البطاطا المسلوقة" ، وترافقها سلطة البندورة المجففة مع زعتر بلدي وفلفل احمر، ورأس بصل.  وشوالات الشعير والكرسنة تنادي او تنتظر اكلها من البقر والحمير. 

ومن منا ينسى رائحة وطعم الشومر مع الخُبيزة هو العلت والحُميض والسنادية... والبطيخ والشمام والصبر والتين والزيتون؟ وقد يتهمني البعض من القراء بالكذبة التي لا تطاق اذا قلت: ابو لطفي عيد وابو صبحي احمد عيد الاسدي. كان الواحد منهما يأكل صندوقا من الصبر عدد اكوازه ما يزيد عن المئة كوز في الوجبة الواحدة.

هذه العيشة البسيطة التي تعتمد على منتجات ارضنا الطيبة، ربت شبابا "وزُلم"، واحدهم كان ينطح الحيط برأسه. ويحكى ان وفدا ديراويا، كلف بجلب عروس من ترشيحا، وكانت العادة المتبعة لا تلبى طلبات الوفد الا برفع الشرعة، وهي عبارة عن حجر ثقيل قل من يرفعه. كان بين الوفد الديراوي الشاب صالح عيد الاسدي. في الطريق على الجانب الايسر بعض اشجار التين ، في عز موسمها، وقف الشاب صالح ودخل كرم التين وملأ بطنه تينا حتى الثمالة وبعدئذ استمر الوفد بالمشي حتى دار العروس. وبعد التأهيل والتسهيل، وقف شيخ شباب ترشيحا وقال بكبرياء ورأسه يدق السماء: هذه عروستكم إن رفعتم شرعتنا، مبروكه عليكم والا فلا. اجابه الشيخ صالح المميز بأكل الصبر والتين: ارفع الشرعه اولا. بدأ الترشحاوي يرفع ويرفع، وبعناء شديد رفعها حتى الكتفين. 

تقدم الشيخ صالح وقال: يا الله... يا اسدنا، وكأنك تعد له واحد، اثنين، ثلاثة واذا بالشرعه تمر من فوق رأس الترشحاوي متحديا كل الجميع. فعاد الشباب والعروسة معهم سالمين غانمين.

ودارت الأيام وتغير الزمان، وكبر الأبناء والبنات وكبرت همومهم وهمومهن. الابناء على مقاعد الجامعات، الصغار في الروضات والابتدائية والاعدادية والثانوية. وهذا الحمل الثقيل شد الوالدين للخروج من البيت. الاب اصبح عاملا في مصنع للحديد، سبع ساعات عمل في النهار وتتلوها سبع ساعات في الليل. والام تحولت الى عاملة اجتماعية في دور المسنين. 

هذه التحولات والتغيرات نتيجة ضغوطات مادية من اهم اسبابها تعليم الابناء والبنات وحصولهم على الشهادات الممتازة من المعاهد العليا داخل الوطن وخارجه وتلبية لنداء الوطن وشعبنا الفلسطيني الذي كان يغرق في اوحال الأمية حتى الاذنين في المراحل الاولى للنكبة. وهي بدون شك من الاسباب المهمة في تشرده وشتاته في معظم الدول العالمية.

وكوني لا زلت في حمى اولئك الذين يتفانون من اجل الابناء والوطن، لا يسعني الا ان احييهم اجمل التحيات، واشد على اياديهم. ورحم الله الذي قال: "علّموا الأمة، رقّوا العامة، ان الجهل سبب كل علة. والمؤسف جدا ان هذا التطور الثقافي الكبير في قرانا، زاملة تطور اجتماعي سلبي، وكأن هذه الاجيال خلقت لزمان غير زماننا. او اننا بعد الخمسينيات والستينيات من العمر انتهينا وخلص دورنا سياسيا واجتماعيا وفي الكثير من الامور، نظل متهمين بالرجعية والموديل العتيق. مع ان المثل يقول: " البيت الي ما له كبير ما فيه تدبير"،  جيلنا جيل العمل في الارض. ايام الحصاد كنا ننام على الغمار وتعاوننا نحن الفلاحين مع بعضنا البعض لا يثمن ويضرب به المثل.

كانت حياة هادئة جدا وخالية من الأحقاد والضغائن، في ذات يوم صباحا كنت مرافقا لوالدتي رحمها الله، في طريقنا الى كرم زيتوننا. على جانب الطريق كانت صديقة لامي تعمل بزيتونها، وقفت والدتي وصبحت بالخير صديقتها، لكن الرد المفاجئ طيّر عقلي: "الله لا يسعدك ، لا صباح ولا مسا، يا ملعونه، يلعن صفحة ابوك بالتراب"... واستمرت المسبات بينهما اكثر من دقيقتين، تلاها هدوء، بعده بثوان نهرت على والدتي: انزلي اشربي كاس مي، نزلت امي وسلما على بعضهما سلاما حارا مع الكثير من القبلات، ودهشت وقلت بيني وبين نفسي: "الله يمد بعمر هذا الجيل".

هذه صورة تمثل جيلا طيبا في قلبه ونفسه وتصرفاته مدعوكا ومجبولا بماء الورد، ليس بمقدور انسان، اينما كان وكيف يكون ازالة عطره.

واذا طوينا الصفحة الاولى بما فيها من صور مضيئة وناعمة وانتقلنا الى الثانية، ندخل عالما آخر، واحوالا جوية جديدة وعاصفة، قد يسيطر عليها شبابنا وشاباتنا، وقد تعصف بهم وترميهم في المهالك والمصائب. هؤلاء المدللون الذين يتهموننا بالموديل العتيق، نتمنى لهم المستقبل الافضل والاحسن. ولكن على مهلك يا صاحبي القارئ الكريم... وصدق تماما ما صرح به مأذون الانكحة الشيخ عبد الرازق اسدي، قال: "كنت في طريقي قاصدا زيارة احد المرضى، وكانت زحمة سير لم اكن اتوقعها. اوقفت سيارتي التي اقودها على اقصى يمين الشارع، واذا بسيارة تفاجئني وتقف على يميني، وتحطم مرآة سيارتي"، قلت لسائق السيارة: "ما هذا الذي تعمله؟" واذا به يباغتني: اسكت... اسكت، والمسدس في يمينه وقريبا من وجهي، ودون احترام الشيب في رأس الذي عمره ثلاثة وثمانون عاما". سكت وبلعت ريقي، وأكلت هوا، وأجلت زيارتي الى اجل غير مسمى.

مثل هذا الشاب الصغير آلاف الشباب يحملون المسدسات غير المرخصة في قرانا ومدننا العربية لأغراض رخيصة ولا يجرؤ واحد منهم حمل هذا السلاح في المدن أو المجمعات  اليهودية . هذا السلاح وغض النظر عنه يتبع سياسة مدروسة عنوانها "فخار يكسر بعضه" . 

وماذا نقول بعد، والقول كثير، عن الاراجيل التي غزت ونصبت لها الكثير من المراكز في معظم قرانا ومدننا، ليقضي شبابنا المدللون الليل بطوله، يحرقون أنفسهم سهرا ولا يبخلون بنفس الارجلية يشق طريقه الى أي مكان في الجسم: يدمر ولا يعمر، يقصر العمر من غير ما يدرون؟ أيعلم الذين يؤرجلون وخصوصا من الشباب المدللين أن نفس الارجيلة الواحد يزيد ضرره واذاه اكثر من علبة سجائر محشوه بأخطر انواع الامراض السرطانية؟ وهل يحسون وهم عائدون الى بيوتهم عند طلوع الفجر، كيف يجرون حالهم جرا، وكأنهم سكارى وما هم بسكارى ، حالهم الويل، لا للباط ولا للمخباط؟

جيلنا المتهم بالرجعية كما اسلفنا ما تجرأ واحد من افراده أن يدخن ولو سيجارة واحدة في حضور أي واحد من الوالدين احتراما وتقديرا. جيلنا تربى والتزم بالإضافة لاحترام الوالدين: التعامل الطيب مع الجار ولو جار، والشيخ "العجوز" والمعلم مربي الاجيال... وكان صابرا وصبورا، يبتلع الغضب ويستبدله بالبسمة والسهولة واليسر وطيبة القلب. جيلنا المتهم تلبى ورضع وشبع من حليب الامهات العربيات الفلسطينيات وليس من حليب تنوفا والفرق بعيد بين الاصيل والدخيل.

اسامحك يا امي، واتمنى لك جنان النعيم، لأنك دعكتني ودعكتني، فكنت نعم الابناء ومنك اطلب السماح، وانت من اهل السماح الملاح، لأني ما ربيت أبنائي واحفادي كما ربيتني في حضنك الدافئ.

انت هيأتني للتأقلم مع الفئات الطيبة والعيش كما يجب ان تكون "العيشة" السعيدة الهادئة المثالية. اغمضت عينيّ وكأني لا ادري عن تصرفات اهل بيتي شيئا، فانقلب اليسر الى عسر، وظهرت بؤر البؤس والفقر في جميع نواحي تصرفاتنا. وهنا لا بد من الاعتراف بالخطأ الجسيم الذي ارتكبته فالاعتراف فضيلة، والسكوت على الشيء قبول، وضاع من ضاع حولي وبقيت وحدي والكتاب الذي لا يفارقني لا بالليل ولا بالنهار. وليس لي ما اقوله سوى: 

ومن دخل البلاد بغير جهد

                  يهون عليه تسليم البلاد

(دير الاسد)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب