news-details
مقالات

إسرائيل تجد صعوبة في اقناع 19 ألف جندي وعائلات بنقلهم للنقب

 

 

برهوم جرايسي

 

تتواصل التقارير الإسرائيلية، التي تتحدث عن أن العقبة الأساسية أمام وزارة الحرب وحكومتها، منذ سنوات، لنقل قواعد عسكرية، وخاصة استخباراتية متطورة، من وسط منطقة تل أبيب، الى النقب، هو عدم القدرة على اقناع أكثر من 12 ألف جندي، وتقارير أخرى تتحدث عن 19 ألف جندي وعائلاتهم، للسكن في النقب، ليكونوا بجوار القواعد الجديدة، بدلا من السفر يوميا من منطقة تل ابيب وغيرها، الى الجنوب.

وقد ظهر مشروع نقل قواعد المخابرات من منطقة تل أبيب الى النقب، منذ سنوات طويلة، ولكن منذ سنوات الألفين الأولى، في حكومة أريئيل شارون الأولى، دخل مسار القرارات الحكومية، وتم وضع سلسلة من الأهداف الزمنية، وكان العام الماضي 2018، هدفا لإنهاء عملية الانتقال.

إلا أن هذا المشروع يتعثر ويتأخر. والهدف منه مزدوج، الأول اخلاء أراض لا تقدر بثمن في منطقة تل أبيب الكبرى، لاستثمارها بالسكن والاقتصاد، وثانيا، إجبار آلاف العائلات من الجنود النظاميين، على الانتقال للسكن في النقب، في إطار مشروع تهويد الجليل والنقب، ولكن هذا الهدف الثاني لا يبدو أنه سيتحقق بأكمله، لأن الجنود سيفرضون وفق تقديرات عسكرية سابقة.

إذ كان رئيسان سابقان لجهاز المخابرات العسكرية، أفيف كوخافي (رئيس الأركان الحالي)، وهيرتسي هليفي، قد حذرا الحكومة من أن عملية الانتقال هذه قد تدفع بأعداد كبيرة من العاملين في القواعد العسكرية، لمغادرة صفوف الجيش، نحو الحياة العملية المدنية. حسب التقارير، فإن جهاز المخابرات أجرى استطلاعات بين الجنود والضباط والعاملين في الوحدات الاستخباراتية والهايتك، وكان الانطباع الناشئ من نتائج الاستطلاعات، أن نقل القواعد سيجبي ثمنا باهظا من الجيش، كون أن العاملين المتفوقين في مجالهم، لن يقبلوا العيش في النقب، رغم المغريات التي ستعرض عليهم؛ خاصة وأنهم في اللحظة التي يغادرون فيها العمل في الجيش، ستُعرض عليهم فرص عمل في السوق، وقد تكون بشروط أفضل.

وتقول التقارير، إنه من المتبع أن ينتقل ضباط وجنود الجيش النظامي للعيش في مناطق قريبة من معسكراتهم، ولكن هذا صعب حينما يكون الحديث عن الوحدات ذات الاختصاص التكنولوجي، والهايتك، لأن أمامهم مغريات أكبر في السوق المفتوح. وتبين أن رفض الانتقال، حتى حينما يجري الحديث عن منطقة تبعد عن مدينة بئر السبع الكبرى بحوالي 10 دقائق سفر بالسيارة. ولكن من ناحيتهم، فإنه لا يمكن المقارنة بين الحياة في مدينة تل أبيب ومنطقتها الكبرى، وبين مدينة بئر السبع.

وعلى ضوء هذه الحالة، طُرحت فكرة مد سكة حديد مباشرة، إلى المنطقة التي تم التخطيط لنقل القواعد العسكرية اليها. وتبين أن كلفة المشروع قد تصل إلى 2,4 مليار شاقل. وكان اللافت أن وزير المالية موشيه كحلون، وافق على هذه الفكرة، رغم كلفتها العالية، وعرض ميزانية لغرض تخطيط سكة الحديد. ويرى كحلون بفكرة كهذه، كجزء من الاستثمار في النقب.

وفي هذا الأسبوع، تلقت وزارة الحرب ثلاثة عروض لتنفيذ مخططات بناء لقسم من القواعد العسكرية، وسيتم الإعلان عن الشركة الفائزة في غضون ثلاثة أشهر، وحسب التخطيط فإن على هذا المشروع أن ينتهي حتى العام 2025، ولكن طالما لم تحل قضية نقل العاملين (الجنود) فإن الانتقال الفعلي سيتعثر.

 

خلفيات نقل القواعد ودوافع الرفض

 

من الواضح، كما ذكر، أن الجانب العسكري كهدف، لنقل القواعد العسكرية من مركز البلاد، إلى شمال منطقة الجنوب، في هذه الحالة العينية، هو ضعيف للغاية، إذ أن طول الخط الهوائي بين المنطقة المخصصة للقواعد العسكرية في الجنوب، وبين مواقعها في مركز البلاد، في حدود 80 كيلومترا بالمعدل، لذا فإن لهذا المشروع، هدفان مركزيان: الأول، اخلاء أراض ذات قيمة من الصعب تقديرها بثمن، في قلب منطقة تل أبيب الكبرى، لاستغلالها لأغراض تجارية واسكانية، والثاني له ارتباط بالأول، وهو السعي لنشر اليهود في شمال البلاد وجنوبها، فهذا التوزيع الديمغرافي الذي تسعى له إسرائيل منذ قيامها، يفشل في تحقيق اهدافه بالحجم المطلوب.

إذ تشهد منطقة مركز البلاد، وبشكل خاص منطقة تل أبيب، أشبه بحالة تفجر سكاني، كونها المنطقة الاقتصادية الأضخم، من دون منافس، وهي وجهة الأجيال الشابة، نظرا لطبيعة الحياة العصرية، وخاصة الشبابية منها. وكذا هي عنوان العاملين في الصناعات العصرية، وخاصة الهايتيك. وهذا الاكتظاظ السكاني، ينعكس في ارتفاع حاد في أسعار البيوت، التي ترتفع بالمعدل بنسبة 250% عما هي الأسعار في المدن والبلدات البعيدة عن مركز البلاد، شمالا، وبالذات جنوبا. وكذا أيضا بالنسبة لظاهرة الاختناقات المرورية، التي باتت أزمة حادة جدا، تؤثر على جودة الحياة.

ولذا فإن جهات التخطيط الاستراتيجي، شرعت منذ سنوات عديدة، في البحث عن أراض جديدة في وسط البلاد، وبالذات في مدينة تل أبيب ومنطقتها. وتم وضع مشروعين مركزيين: الأول اخلاء مرافق ضخمة من منطقة تل أبيب، فجاءت الفكرة منذ ما يزيد عن 15 عاما، لإخلاء القواعد العسكرية، وبالذات قواعد الاستخبارات، ومعها المطار الداخلي المدني المسمى "دوف"، القائم وسط الاحياء السكنية في تل أبيب. والمشروع الثاني، هو ما أطلق عليه "اخلاء وبناء"، بمعنى هدم أحياء سكنية قديمة، منها ما أقيم قبل 40 و50 عاما، مقابل تعويضات لأصحاب البيوت، لغرض بناء أحياء جديدة، ببنايات كثيرة الطوابق، ولهذا الغرض يتم أيضا إعادة تخطيط وتنظيم الأراضي التي يتم اخلاؤها.

الهدف الثاني، لمشروع نقل القواعد العسكرية، هو التوخي بأن يقتنع عشرات آلاف العاملين في الجيش، من عناصر الجيش النظامي، والعناصر ضمن الخدمة العسكرية الإلزامية، أو العاملين في مرافق الجيش من "المدنيين"، أن ينتقلوا للسكن كليا في جنوب البلاد، في منطقة بئر السبع. واستنادا لما ورد سابقا، فإن الحديث يجري عن 19 ألف عامل في الوحدات ذات الطابع الاستخباراتي والهايتك، والغالبية الساحقة من هؤلاء، لهم عائلات، ما يعني أن الحديث، من جهة المخططين، بات عن عشرات الألوف، ينتقلون للسكن فرضيا إلى صحراء النقب.

إلا أن هذا، واستنادا للوقائع على الأرض على مدى السنين، سيبقى فرضية صعبة المنال، على الأقل في السنوات القريبة؛ لأن المنطق يقول، إن آلاف العائلات هذه، التي بغالبيتها الساحقة جدا من الأجيال الشابة، ولها أطفال، لن تقبل بالانتقال من منطقة الازدهار، والحياة النابضة، وخاصة الشبابية، من أجل العيش في منطقة صحراوية، ظروفها الاجتماعية، أضعف بما لا يقاس عن منطقة المركز. وكذا فإن الزوجات أو الأزواج، سيكون عليهم ترك أعمالهم في المنطقة الكبرى، من اجل عمل شريك الحياة، ومن فوق كل هذا، فإن الحديث يجري عن ذوي مؤهلات مهنية علمية عالية جدا، سيجدون فرص عمل في السوق المفتوح، ولربما بأجور أعلى.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب