*حينما يتم حظر حركة وسائل النقل، وحظر الحركة التجارية لعشرات الأيام سنويًا (17% من أيام السنة) *حينما نضطر لأن ندفع 25% زيادة على أسعار المواد الغذائية بسبب "الحلال اليهودي" * وحينما يمتزج التطرف الديني المتزايد، مع التطرف السياسي العقائدي، فإن إسرائيل لا يمكنها مقارنة نفسها مع الدول المتطورة، والمجتمع الإنساني الحضاري*
تدخل البلدات الإسرائيلية ابتداء من مساء اليوم الثلاثاء، وحتى حلول ظلام مساء يوم غد الأربعاء، بحالة حظر تجوال، ومنع أي حركة لوسائل النقل، واغلاق مطبق كليا لكافة المؤسسات التجارية وغيرها، في حين تعمل المؤسسات الطبية، وبالذات المستشفيات، تحت قيود مشددة، وكل هذا لإحياء يوم الصوم اليهودي الأكبر، "يوم العفران"، إذ هناك أيام صيام أخرى، ولكنها ليست بهذه الدرجة من التشدد، وتقتصر على المتدينين المتشددين وحدهم.
وكان من الممكن القول، إن هذه عقائد دينية نجدها لدى شعوب كثيرة في العالم، كلٌ حسب ديانته ومعتقداته، ولكن إسرائيل بالذات، تسعى طيلة الوقت لموضعة نفسها ضمن الدول المتطورة، وغالبا ما تتحدث وسائل إعلامها، عما تسميه "التخلف" أو "التشدد الديني" في الدول الأخرى. وما يهمهما هو مقارعة الدول الإسلامية، ولهذا نراها تُبرز الأنظمة المتشددة دينيا، وتتبع أحكاما قديمة. ولكن من المفارقة، أن مثل هذه الأحكام، كشكل الاعدامات وبضمنها الرجم، كلها موجودة في التوراة اليهودية، أولى الديانات السماوية الثلاث، ولكنها حاليا ليست مطبقة في إسرائيل.
ومن يقرأ تفاصيل التقلبات المجتمعية اليهودية الإسرائيلية، يعرف أن بقاء إسرائيل قد يقودها الى تلك الشرائع، وهذه تمنيات عبّر عنها من جعله بنيامين نتنياهو وزيرا للمواصلات في حكومته الانتقالية، الإرهابي الأزعر بتسلئيل سموتريتش، الذي كرر في شهري أيار وحزيران الماضيين، أنه يريد حقيبة القضاء، لأنه يريد عودة إسرائيل لتكون دولة شريعة، "كما في أيام داود الملك، وسليمان الملك"، حسب تعبيره.
التطرف يستفحل
قبل أن ندخل في تفاصيل فرض الشريعة اليهودية وآثارها على مختلف نواحي الحياة، من الضروري الإشارة الى أننا ما نشهده بالذات في العقدين الأخيرين، هو حالة من التطرف الديني، الذي يفرض نفسه على الحياة العامة، ممزوجا بالتطرف السياسي.
فحينما كنت أعمل في صحيفة "الاتحاد" في سنوات الثمانين والتسعين من القرن الماضي، أذكر تماما، أنه كان بإمكاني السفر بسيارتي من الناصرة إلى حيفا، في مثل هذا اليوم، يوم الغفران، وأعمل هناك. فصحيح أن معظم الطريق كانت خارج البلدات، ولكن كنت أمر من بلدات ذات طابع علماني، وحينما أصل الى حيفا، المدينة القديمة، كنت أرى سيارات كثيرة تقل يهودا. أما في السنوات الأخيرة، فإن مثل هذا بات خطرا محدقا على الحياة، إذ أن السيارة المتحركة ستكون عرضة للرشق بالحجارة، بشكل قد يتسبب بالقتل.
والقضية لا تقتصر على "يوم الغفران"، الذي فيه الأنظمة الدينية الأكثر تشددا، بل هذا يسري أيضا على أيام السبت العبري، الذي يبدأ من غروب شمس كل يوم الجمعة، وحتى حلول ظلام مساء كل يوم السبت. وفي الأحياء والبلدات المتدينة، تسري عليها أنظمة كتلك القائمة في يوم الغفران، بينما الوضع أقل تشددا في باقي الأماكن، ولكن تبقى 97% من الحركة التجارية محظورة، بما في ذلك المؤسسات التجارية والرسمية.
"احتكار الحلال"
وجانب آخر، هو مسألة "الحلال اليهودي" على جميع أنواع الأغذية، فحسب كل الأبحاث والتقارير، منها الرسمية أو الخاصة، فإن أسعار المواد الغذائية في إسرائيل أغلى بنسبة 25% من أسعارها في العالم، مقارنة مع مستويات الدخل، ومستوى المعيشة. والارتفاع الأعلى نجده في أسعار اللحوم، التي هي أعلى بنسبة 30% مقارنة بأسعارها في العالم.
وهذا لا يعني أن الأسعار مرتفعة فقط على الأغذية الملائمة للحلال اليهودي، بل كل الأغذية عامة، حتى لو كانت تنتج وتباع في أسواق العرب؛ لأن تسعيرة البضائع تأخذ بالحسبان البيئة التي تباع فيها، ومقارنتها مع أسعار البضائع المثيلة، بمعنى أن كيلو اللحمة في مدينة الناصرة، إن كانت طازجة أو مثلجة، لا تختلف عما هو في المدن اليهودية.
وغلاء أسعار المواد الغذائية، يقود تلقائيا الى ارتفاع الأسعار في كل المواد الاستهلاكية، لأن شبكة الأسعار ترتبط بقاعدة واحدة، وهذا ما يقود الى ارتفاع كلفة المعيشة بشكل عام في إسرائيل، في كل ما يتعلق بالاحتياجات الاستهلاكية الأساسية، ومنها الى الحياة العامة والترفيه.
والأمر البارز في هذا المجال، أن مسألة "الأغذية الحلال" ليست محكومة فقط لأنظمة دينية يجب الالتزام بها، وإنما أيضا بأن كل هذه الأنظمة مرهونة بمصادقة المؤسسة الدينية التي تحتكر اصدار شهادات الاحتكار، وبضمن هذا الاحتكار كلفة تشغيل عالية لرجال دين يهود مؤهلين لاصدار شهادات. وجرت في السنوات الأخيرة سلسلة من المحاولات لكسر هذا الاحتكار، من أجل تخفيف النفقات على استصدار الشهادات، وكلها باءت بالفشل، بسبب رفض الأحزاب الدينية الشريكة في كل الحكومات تقريبا.
وقد بلغ الاحتكار ذروة، برفض المؤسسة الدينية اليهودية الإسرائيلية الاعتراف بشهادات الحلال التي تصدرها مؤسسات دينية يهودية في الخارج، فكل الأغذية التي تنتج في الخارج وتستوردها إسرائيل، يشرف عليها رجال دين يهود إسرائيليون، يتم ارسالهم الى الخارج، مع تمويل اقامتهم ومعيشتهم في الخارج على حساب المُنتج، ما يزيد أكثر من كلفة الإنتاج.

الصرخة تخفت تدريجيًا
في سنوات مضت، وحينما كانت نسبة المتدينين اليهود من بين الإسرائيليين أقل، كانت صرخة العلمانيين أكبر واعلى، ولكنها لم تنجح في تحقيق شيء، لأن الأحزاب الدينية هي غالبا جدا بيضة القبان، التي تقوم وتسقط عليها الحكومات. وفي السنوات الأخيرة، ومع ارتفاع نسبة المتدينين ومضاعفة تمثيلهم البرلماني، بدأت الصرخة تخفت يأسا.
وأبرز اثبات على هذا، أنه من أصل 63 نائبا يشكلون تحالف الليكود الافتراضي حاليا، وبضمنهم حزب "يسرائيل بيتينو" بزعامة افيغدور ليبرمان، فإن 30 نائبا منهم من المتدينين، والنسبة تصبح أشد، إذا ما أخرجنا من هذا التحالف حزب ليبرمان، بمعنى سيكون 30 نائبا متدينا من اصل 55 نائبا، في حين أن عددا من النواب الـ 25 الآخرين هم من المحافظين، الذين يرفضون تغيير الوضع القائم.
والحركة الصهيونية، ووليدتها المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة، تقرأ من هذه الناحية، مستقبلا سوداويا لإسرائيل، فمنذ حوالي عقد من الزمن، بدأ الحديث في الأبحاث الإسرائيلية، عن أن إسرائيل مقبلة على وضعية يشكل فيها المتدينون اليهود أغلبية من بين اليهود بداية، ثم من بين السكان عامة.
وهذا سيقود الى تقليص حيز حركة العلمانيين. وكما قال بحث في جامعة حيفا، باشراف البروفيسور أرنون سوفير في العام 2010، فإن العلمانيين سيواصلون الزحف نحو ما أسماها "دولة تل أبيب"، وحينما يحدث هناك انفجار سكاني، فإن الأجيال الشابة، ستسحب جواز سفرها الآخر، وتعود الى أوطان اهاليها، حيث فرص الحياة والمعيشة قد تكون مختلفة بـ 180 درجة، كما سيكون في إسرائيل، في المستقبل الذي بات منظورا.


.jpg)




.png)

.jpg)


.png)

