كش ملك... قالها أخي إسلام لي وهو يضع أمام ملكي الأسود قلعته البيضاء والتي كانت تساندها إحدى خيولة، وبعد أن أطلق النظر محاولاً أن أجد مخرجاً لملكي، أزحت رأسي محاولاً الهروب من هزيمتي، وقلت حيلتي في إيجاد مخرج من موتي المحقق، فرأيت أخي أبو جامع هو الآخر يطيل النظر إلى رقعة الشطرنج، وشيء من القلق يعلو وجه.
سألته أن كان بحوزته حيلة أو مخرجاً، لأنقذ الملك؟ فابتسم وقال: المخرج الوحيد والمتوفر للملك ولك ولي، ولنا جميعاً هو الموت، فدع الملك يموت بسلام، وحرر روحه من عجزه وقهره، فلا مفر إلا الموت ولا تجعله رهين محابس الخزي والذل، فقادته وبنادقه انهزموا وتساقطوا في غير ساحات الحرب والثورة.
حينها نظرة إليه وشيء من الدهشة والحيرة تملكني أنا وأخي إسلام، وذلك لأننا لم نعهد أخينا أبو جامع هذه الأحاديث والتعليقات العميقة بعمق ظلام زنزانته والمغطاه بشيء من فلسفة العارف، فهو صاحب الروح المرحة والبسيطة التي زرعت على مدار سنوات أسره المستمر أكثر من ثلاثين عاماً البسمة على وجوه من حوله، وهو الذي كان يوزع الأمل غير المرتبط بالأسباب أو الأحاديث لأنه المتوكل على ربه في السراء والضراء والحرية والأسر.
وعندما اجتمعت عندنا كل عوامل الفضول والقلق مما يرزح تحت ثقل تلك الكلمات، سألته عن سبب حديثه هذا؟ فما هي إلا رقعة شطرنج ولعبة نلعبها حتى تقتل أيامنا المؤبده قبل أن تقتلنا بالفراغ وضيق المكان؟
عندها أدار بوجه عنا ونظر إلى نقطة معلقة في فضاء المكان وبدون اي مقدمات قال لنا:
"لقد أخبرني اليوم ضابط عيادة السجن أنهم سوف يأخذون مني خزعةً لأنهم يشكون اني أصبت بمرض لسرطان".
وبشكل عفوي وانفعالي نهضت من مكاني وأخذته في حضني وأنا اطبطب على كتفه قائلاً له: الف مبروك يا اخي وأخيراً سوف يتم الإفراج عنك أو عن روحك الأسيره في المرحلة الأولى ويستقر حالك واسمك وصفنتك، واشكر تلك الخلايا السرطانية التي وبحمد الله وفضله العظيم بدأت تعمل بكل إخلاص وتفانٍ، حتى تحررنا من اسرنا بعد أن عجزت خلايانا الثورية والعسكرية من أن تفرج عن أحدنا، فها هي مجموعات وخلايا السرطان استطاعت أن تفرج عن ميسرة أبو حمديه، وسامي أبو دياب وكمال ابو وعر، وناصر أبو حميد وبسام السايح وغيرهم، هذا ناهيك عن باقي الخلايا والمجموعات التابعة لبعض الأمراض الأخرى.
أن هذه الواقعة وما تم فيها من حوار ليست قصة من روح الخيال ولاهي حوار في مسرحيه أو مشهد من فلم بل هي قصة حياة رجل حقيقي من دم ولحم وروح، وليس من خيال كاتب؛ رجل وهب حياته ليعيش شعبه بكرامة وحرية، ولم يكن دوري سوى أن قمت بنقل هذا الحوار الذي وقع في ساحة قسم (٨) في سجن رمون، الى من قد يهمه الأمر.
لا شك بأن هذا المقال وعلى أقل تقدير سوف يدخل بعض الحزن أو الكثير منه الى كل قلب ينبض بالكرامة الوطنية وتعتريه المشاعر الإنسانية ولكن ماذا بعد؟
لا شيء، فلن يحرك هذا المقال الا كما تتحرك دكة الميت لكي توصله إلى قبره بسلام، ومع الأسف حتى فكرة القبر اصبحنا محرومين منها، فعلى الرغم مما تقوم به الخلايا السرطانية والتي تساندها القوانين العنصرية والتي كان آخرها قانون حرمان الأسرى من العلاج، وقانون اعدام الأسرى وجرثومة بن غفير وسموطرتش ونتنياهو العنصرية على مساعدتنا للخروج من هذه السجون ملفوفاً بأكياس سوداء اللون، إلا أنها في غلب الأحيان تعجز عن الإفراج عن أجسادنا...
إن ما يقتل ارواحنا ليس موت أجسادنا بسهام الأمراض، وعنصرية الاحتلال وليس قلقنا واحباطنا برماح السنين التي نغرست في قلب شبابنا وحولتنا إلى شيوخ وكهول، بل أن ما يقتلنا هو هذا الصمت الذي يعتري قيادة شعبنا تجاه ما يحدث معنا في هذه الأيام الأصعب والأكثر ظلمة في تاريخ نضال حركتنا الأسيرة في ظل وقوانين وقرارات هذه الحكومة النازية فأين هم من قانون الاعدام للأسرى الذي تم المصادقة عليه في القراءة الأولى؟
وأين هم من قانون حرماننا من العلاج؟ وأين هم وشعبنا أيضاً من الممارسات القمعية التي تتم بحقنا كل يوم؟
فنحن نشاهد على شاشات التلفاز الأعداد القليلة جداً التي تقف في وقفات خجولة لا تغني من فسحة أمل في حرية هي حق أصيل لنا، او ترفع من ذرة ظلم يقع كل يوم علينا.
بل إن أغلب الذين نراهم في تلك الوقفات إما موظفون في المؤسسات التي تعتني بشؤن الأسرى، او بعض الكوادر التنظيمية، بالإضافة إلى بعض من أمهات الأسرى وأهاليهم المغلوبين على أمرهم والذين من شأنهم أن يكرموا في بيوتهم لا أن يتم استدعاؤهم في كل مرة لإكمال العدد وتجميل المشهد.
ثم اين عشرات الآلاف من الأسرى الذين عاشوا معنا معاناة الأسر عشرات السنين وباتوا محررين، وأين آلاف المنتمين للفصائل والذين نراهم طوابير حاشدة عند أي استحقاق انتخابي أو وزاري؟
هل سيترك الأسرى وحدهم في معركتهم القادمة مع ارهاب بن غفير وسموترتش واجرام حكومة عنصرية فاشية مجرمة؟
إن المطلوب من قادة شعبنا وفصائله الوطنية والإسلامية وشعبنا بشكل عام ومن إخوة القيد المحررين بشكل خاص أن يقفوا وقفة عز وكرامة وإباء مع ابنائهم وإخوانهم الأسرى وأخواتهم الأسيرات وعسى أن يشعل ذلك شمعة امل ينير عتمة الظلم والزنزانة ويحقن دماء الأسرى ويخفف عن أرواحهم ثقل المرحلة القادمة والصعبة.
إن الأسرى يقاتلون في فم ذئب لوحدهم، فاطلقوا ثورتكم وغضبكم على رأسه حتى يفلتنا من بين أنيابه الحاده وقبل أن يغرزها عميقاً في أجسادنا المهترئة.
ولقيادتنا المسالمة في رام الله، وتلك المهادنة في غزة نقول:
لا شكر لكم، فما استطاعت خلايا السرطان فعله بنا أكثر بكثير مما فعلتم، وما تدّعون أنكم فعلتموه فهو حق وواجب وليس منّه.
إن هذه صرخة غضب وعتب إلى من يهمهُ الأمر قبل فوات أوان الكرامة التي سيقاتل عليها الأسرى حتى آخر غرام من لحمهم ودمهم بركان ثورة لن تهدأ إلا بالحرية.
فيا شعب المخلصين الأوفياء إن عهدنا بكم الوفاء لأهل التضحية والوفاء فسيروا خلفنا واحموا ظهورنا، وإنا أمامكم ماضون رغماً عن الألم والجوع، ولا رجوع ولا ركوع ولا خنوع.
- الاسير رائد عبد الجليل من نابلس محكوم بالسجن المؤبد مدى الحياة منذ العام 2002 وهو من رموز الانتفاضة الثانية ومن كتائب شهداء الاقصى وواحد من الوجوه القيادية الوطنية والثقافية في سجون الاحتلال







.png)


.png)