الحركة الأسيرة: "حلّ التنظيم" نحو تنظيم الاشباك | أمير مخول

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

عشية الشروع بالإضراب الجماعي عن الطعام في الأول من أيلول، أعلن الأسرى عن القرار بالبدء بإجراء حلّ التنظيم او بتسمية أخرى "حل الهيئات التنظيمية". قد لا تكون الخطوة مفهومة لدى الجمهور الواسع، وقد لا يدرك الكثيرون فحواها ومنطقها. إلا أنها مرحلة حاسمة في إعلان الإضراب، وفي الصدام المباشر واشتباك القوّة بالقوة – قوة إرادة الأسرى وقوة القمع الترهيبية لمصلحة سجون الاحتلال وبالأحرى لدولة الاحتلال بكامل منظوماتها. أنها خطوة تهديد فعلي وبجهوزية عالية صادر عن الحركة الاسيرة، وتعني أنه ليس هناك ما يوقف المسار سوى انصياع مصلحة السجون لمطالب الأسرى.

يشكّل حلّ التنظيم معركة سيادة بامتياز يبادر اليها الأسرى، وتتمثّل بفقدان السجون لجوهر أدوات السيطرة والضبط، فمن ناحية تشكّل الهيئات التنظيمية للأسرى إنجازًا تاريخيًا للحركة الاسيرة، فهي أسلوب التنظيم القائم على نوع من الإدارة الذاتية الكيانية لحياتهم الاعتقالية في الحالات "العادية"، وفيها ضبط من الاسرى لعلاقة السجون بهم على أساس جماعي منظّم. في حين ترى من منطلقاتها مصلحة السجون بهيئات الاسرى بمثابة منظومة "قابلة للضبط" وعند الحاجة للتفاوض وعنوان للتعاطي مع الأسرى، بدلًا من التعامل الفردي مع كل أسير على حدة، وترى فيها مصلحة بتوفير قوى بشرية كبيرة من السجانين، لكنها وبالأساس ترى بها من ناحيتها أداة رقابة وضبط، وتتيح لها بأن تدير شؤون السجون بأقل الخسائر والتكلفة. هذه البنية سارية فقط فيما يخص أسرى الحرية الفلسطينيين.

إنّ "حلّ التنظيم" هو أقصى درجات التنظيم، فمكان هيئات الأسرى الدائمة تحلّ لجنة الطوارئ الوطنيّة العليا المشرفة على الإضراب وعلى التفاوض وعلى إنهائه حين ترى ذلك مناسبًا، وهي هيئة تكون مركّبة من قادة الفصائل المشاركة بالإضراب وهي صاحبة القول الفصل.

وإذ يدرك الأسرى أنه من أوائل خطوات مصلحة السجون وخلفها "الشاباك"، عزل أعضاء لجنة الطوارئ العليا المعلنة، وتوزيعهم على زنازين العزل في سجون مختلفة، منعًا للتواصل والتأثير، واعتقادًا من استخبارات السجون أنهم سيكسرون الإضراب في أولى خطواته، تكون لجان ظل للطوارئ متفق عليها وتعمل على إدارة الإضراب كما هو مخطط له، وفي حال تمّ عزل أعضائها تكون لجان اخرى، فلا فراغ قيادي في الاشتباك. والأهم في هذه الرتابة، هو رفض هذه اللجان ومعها جموع الأسرى المضربة لأي تفاوض مع مصلحة السجون بشأن الاضراب، ويكون الضغط باتجاه واحد ومكثّف وهو إلغاء عزل أعضاء لجنة الطوارئ العليا والتفاوض معهم كهيئة مخوّلة وليس كأفراد.

إنه سور إرادات مُحكَمٌ يَبنيه الأسرى في وجه السجان، وعليه حين يتم تبليغ مصلحة السجون بقرار حلّ التنظيم فهذا يعني اشتباكًا بجهوزية كفاحية قصوى، وفيها استعداد لدفع ثمن الاشتباك ولأن تكون إمكانية الإنكسار غير واردة. إنها حرب كرامة يعلنها الاسرى وسلاحهم الأمضى هو الأمعاء الخاوية والنفوس الطافحة بالمعنويّات.

من المتوقع أن يكون الاضراب المزمع قاسيًا، كونه يأتي في سياق الموجات الارتدادية لنفق الحرية والذي يمر عليه عام كامل في هذه الأيام، وكونه لا يزال مفتوحًا في رأس سجون الاحتلال ودولتها، وكونه شكّل انتصارًا فلسطينيًا معنويًا عظيمًا في زمن حسبت إسرائيل انها باتجاه القضاء على قضية فلسطين وعلى روح الشعب الحرّة ليعيدها إلى نقطة البدايات التي لا تنفع فيها كل ترسانات العدوان، وكونه يعلَن في أجواء معركة انتخابية إسرائيلية، تصبح فيها العدوانية تجاه الفلسطينيين مادة أساسية في كسب الأصوات الصهيونية، كما أنه أساسًا يُعلَن في ظل المشروع الإسرائيلي المتميز بتعميق الاحتلال والضم وترسيخ العنصرية البنيوية العدائية وكراهية الفلسطينيين والمسّ بهم، يضاف إليها حالة العداء القصوى لأسرى الحرية، والتي يصنعها الساسة والنخب الإسرائيلية، ويقوم الإعلام الإسرائيلي بهدر دم الأسرى، بعد أن أصدرت محاكم الاحتلال، بدورها، أحكامها الظالمة ضمن منظومات صنع ومراكمة الانتقام والتفوق العرقي، وهي ذاتها منظومات تبييض الاحتلال وجرائمه مهما كانت.

عليه، فإنّ النهجُ الذي دعا اليه حصريًا كلٌّ من وزراء الأمن الداخلي السابقين تساحي هنغبي وغلعاد أردان وأمير اوحانا، والذين دعوا جهارًا الى "تكسير العظام" والى تدمير الحركة الأسيرة والى عدم التجاوب مع المطالب حتى ولو استشهد الأسرى، او بلغة الوزراء المذكورين "ليموتوا"، قد بات سياسة دولة وثقافة المجتمع الإسرائيلي العنصرية الانتقامية السائدة.

منذ العام 2017 وإضراب الكرامة الذي أعلنه الاسرى في حينه، وتحديدا منذ 2018 هناك سياسة واضحة المعالم، مفادها العمل على القضاء على بنية الحركة الأسيرة. وتنطلق هذه السياسة الحكومية الرسمية من اعتبار ظروف حياة الأسرى الاعتقالية "أفضل من اللازم"، واعتبار كل إنجاز حققته الحركة الأسيرة في تاريخها امتيازًا ينبغي إلغاؤه. بينما أداة إلغائه هي القمع المباشر وتعميق سياسة القهر المستدام. كما يشكل القرار الحكومي الإسرائيلي وخلفه جهاز "الشاباك"، بتكثيف عملية نقل الأسرى بين السجون، مسألة غاية في القهر، وبالذات تجاه الأسرى القدامى وكبار السن وذوي الأحكام العالية والأسرى المرضى، لِما فيها من معاناة، وهم الذين يبحثون عن فسحة استقرار وهدوء نفسي نسبي، حتى ولو كان متخيلًا في داخل مساحات القهر الدائم.

 إن سياسة تنقيلات الأسرى فيها كل كثافة السادية الممكنة والتلذّذ في الانتقام، وفيها مسعى لإعاقة تنظيم الأسرى الجماعي وتنغيص حياتهم الاعتقالية وإهانتهم، وفيها إرهاق مقصود للجسد والروح. كما أنّ سحب مصلحة سجون الاحتلال لالتزامتها من الربيع الماضي والتي التزمت فيها أمام ممثلي الأسرى بإلغاء كل العقوبات الجماعية التي فرضتها ردًا على نفق الحرية وبإعادة الامور كما كانت من قبل، تشكّل مؤشرًا الى قرار دولة الاحتلال بالمزيد من العدوانية.

يتميز المسعى الاستخباراتي الإسرائيلي الحالي إضافة لما ذكر من تصعيد القمع، وعند الحاجة استخدام وحدات جيش الاحتلال في قمع الأسرى، والذين حسب عقيدتهم الحربية فإن "تصفية العدو" هي أداة مباحة ومتاحة. في حين ان الجديد هو السعي الحثيث الى قتل صورة الاسرى أمام شعبهم، وتشويه سمعتهم الاخلاقية التي بلغت ذروتها في نفق الحرية. إنه انتقام الاحتلال من صورة إخفاقه ومن نشوة فرح الحرية ومعانقة المستحيل التي استحوذت على قلوب شعب فلسطين وكل انصاره ونصيراته. لذلك هناك حملة مكثّفة ومتسارعة الوتيرة يتقاسم الدور فيها المؤسسة الإعلامية والسياسية والأمنية في تشويه سمعة الأسرى أمام شعبهم أولًا، وثانيًا أمام المجتمع الإسرائيلي وتصويرهم بأنهم جماعيًا كما لو كانوا عصابة من المجرمين والمغتصبين، وأن مصلحة سجون الاحتلال هي ضحيتهم وبأن دولة الاحتلال هي ضحية ضحاياها، كل ذلك لتبرير أي إجراء قمعي، وهندسة استعداد شعبي إسرائيلي لقبول أي قمع دموي للاسرى بعد المشروع الاستخباراتي الاحتلالي الساعي الى "إزالة" اي طابع انساني عنهم وشيطنتهم. إنّ هذه الخطوات تندرج أيضًا في السعي الثابت الى إفساد الحركة الأسيرة من الداخل، واستمالة البعض، حتى يكون "سوس الخشب منه وفيه". وهي لعبة استخباراتية مكشوفة سعيا لتشويه سمعة الاسرى ككل وخلخلة بنيتهم وتشتيت هويتهم الوطنية الكفاحية، وهو المسعى ذاته المُمارس تجاه كل شعب فلسطين. وهي بتقديري سياسة لن يُكتَب لها النفاد، فشعبنا دائمًا يفاجئ ولن يتيح لهم ذلك والأسرى هم أبناء وبنات هذا الشعب ومن روحه.

كما وتعلم دولة الاحتلال أنّ أي قمع دموي للأسرى قد يتحوّل إلى حدث استراتيجي وحتى مواجهة عسكرية وله اسقاطات سياسية وإقليمية، ولذلك فهي في ورطة مع ذهنيّتها الانتقامية. أما رسالة الأسرى فهي أن أي بطش دموي سيعزز تلاحم الأسرى وسيزيدهم قوة وصلابة. هكذا هي المعادلات داخل جدران القهر.

كان من اللافت بيانات صدرت عن الحركة الاسيرة لمخاطبة جماهير الشعب الفلسطيني في الأيام الأخيرة قُبيل الإضراب، وتحضيرًا لأجواء المواجهة الصعبة، ورسالة هذه البيانات للشعب هي بأنّ إضرابهم هو معركة الشعب، وهي معركة الحرية في الطريق إلى حرية الشعب. كما تضمّنت طلبًا بتقاسم المسؤولية، وتأكيدًا بأن معركة الاسرى تُدار بالتزامن وبالتنسيق وبالتكامل من داخل السجون ومن خارجها. كما وأكدت كذلك رسالتها الإنسانية بأن لا تُترك ردود الفعل لعائلات الأسرى وذويهم المثقلين بعذابات القلق على الأبناء والجهود المضنية لزياراتهم المبتورة وسطوة انتظار الفرج. إنه نداء للشعب بأن يتحمّل مسؤولياته وأن يقوم بدوره.

سيواجه الأسرى السجان وكل الذهنية الإسرائيلية الدموية وأدواتها، لكن لا ينبغي أن يخلق هذا الانطباع بأن الأمور عادية؛ فالأسرى في خطر وحمايتهم تأتي من صلابتهم ومن شعبهم ومن كل أنصار الحرية في العالم.

إن الاضراب عن الطعام والذي تتعرّض حياة الأسرى فيه للخطر الحقيقي والمباشر، هو مشروع حياة وحرية وكرامة.

يراهن الأسرى على دور فلسطينيي الـ48، فإضافة إلى كونهم قطاعًا حيًا وناشطًا من الشعب الفلسطيني، فإنهم الوحيدون الذين يمكنهم الوصول إلى السجون والتظاهر أمامها، وإلى المشافي، في حال تم نقل الأسرى إليها كما في حالات الأسرى الإداريين المضربين عن الطعام، وحاليًا الملحمة التي يسطّرها الأسير خليل عواودة ببقايا جسده، وهي ساحات ضرورية للأسرى، إذ يكفي أن يسمعوا صوتًا من مكبرات الصوت يناصر إضرابهم، أو زمور سيارة متواصل، وهي تشق طريقها على الشارع الرئيسي المحاذي للسجن، فالأسرى يعرفون هذه اللغة من التحية، ليردوا عليها بالمزيد من الإرادة والحب والصمود.

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة