news
مقالات

المجاهد أسعد محمد فواز الهيب (أبو منصور) 1900-1983

 التقيت مع نجله نصر الفواز (ابو الكريم) امدّ الله في عمره في قرية عيلبون اثناء حفل تكريم الشيوعي العريق حبيب زريق (ابو زياد) بمناسبة بلوغه السابعة والتسعين اطال الله عمره، فاقترب مني الجبهوي الشامخ (ابو الكريم) وهمس في اذني وقال بلهجته البدوية الخالصة، يقولون ان الشيوعيين ما يفرقون بين الناس، شلون تكتب عن المجاهدين الفلاحين وتستثني البداوة.. فتساءلت مين هذا البدوي الذي استثنيته فقال المرحوم والدي اسعد الفواز، فاستهجنت الامر، فوعدته ان أزوره في بيته ليطلعني على سيرة جهاد والده، لم يطل الوقت لأفي بالوعد وفي غضون اسبوع كنت جاهزا للقائه وفي مساء احد الايام شددنا الرحال صديقي وانا ويممنا شطر عيلبون وقبل الوصول اليه ها تفته فأرشدنا كيف الوصول الى بيته، دقائق معدودات كنا في باحة البيت الشامخ والجميل نزلنا من السيارة فوجدناه ونجليه يقفان امام البيت، وراحوا يغدقون علينا ترحيبهم الحار بلهجتهم البدوية الخالصة المحضة الرقيقة والعذبة. ولجنا ردهة الاستقبال الرحبة والجميلة اصطفت فيها ارائك فاخرة وثيرة، ومن اللحظات الاولى لفت نظرنا صورتان علقتتا على احد جدران الصالة صورة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وصورة القائد الشيوعي توفيق زياد، وبعد ان دار الحديث بيننا وكان شيقا وممتعا، مازحه صديقي وقال له:

تركت بيت الشعر وسكنت بيت الحجر، فبذكاء البدوي الفطري عقّب قائلا: تركنا بيت الشعر لنلحق الحضر، وبعد الترحيب العارم والحار وفي غمرة ترحيبه قلت ها نحن جئناك لنفي بالعهد لتزودنا بأخبار والدك المجاهد فقال: من عاداتنا نشرب القهوة اولا ثم نتجاذب الحديث، سكبت ام الكريم حرمه المصون القهوة واخذنا نحتسيها عذبة الطعم والمذاق، فعلّق صديقي مازحا هذا فعلا قد تركتم البداوة وانتقلتم الى الحضر اين القهوة السادة التي هي من عاداتكم وتفاخرون بها، فرد ابو الكريم ضاحكا، وهو بطبيعته بشوشا وضحوكا، قال ما بعد فينا يا خيّي من البداوة غير لهجتنا وضحك مرة اخرى، سوّى عقاله من على كوفيته، وقال قبل الحديث عن سيرة حياة والدي اسمحوا لي ان اتحدث قليلا عن نفسي. وتساءل والابتسامة تغمر وجهه الاسمر العربي الاصيل: هذا حقي مسموح ولّا لا ؟ فقلنا تفضل هات ما عندك. فاطرق قليلا ونظر الينا نظرة تشع بنور الاعتزاز والافتخار وقال : انا جبهوي اليوم ومن قيادة الجبهة المحلية في عيلبون وكنت في الاول صديقا للحزب الشيوعي. وعندي حكاية كيف تعرفت على الحزب الشيوعي قالها والبسمة غمرت وجهه وتستغربون حكايتي المثيرة، اصغينا اليه لنسمع حكايته. قال: في عز الشباب كان للرفيق عمر اخ يكبره، يعمل عندينا وكنت واياه اصدقاء نرعى الماعز والبقر، وكان ذلك في اوائل الخمسينيات زمن الحكم العسكري البغيض، ففي ايام الربيع والصيف كان يطلب مني مرافقته الى عرابة والى عيلبون ودير حنا، كان الشاب كل يوم جمعة يتسلل من منازلنا في مزقة ويذهب الى عيلبون ويحضر جريدة الاتحاد ويقرأ لي الاخبار، فيعرف مواعيد الاجتماعات ويحفظها وعند موعد الاجتماع نسير مشيا على رجلينا من مضاربنا في مزقة الى هناك الى القرى، لنسمع خطابات لإميل حبيبي او توفيق طوبي او إميل توما كان الشاب متولع بالحزب ايه والله، "تدرون شلون يعني من بير المزقة شرق عيلبون الى عرابة او دير حنا ونعود في الليل ووالدي وعمي صالح الفواز لا يدرون شنو نعمل لوين رايحين ولا وين جايين". وكنت اسمع كلام الشيوعيين فدخل كلامهم لراسي انا أمّي لا اقرأ ولا اكتب فكلامهم يختلف عن الكلام الي يدور بديرتنا فدخل لمخي كلامهم الجميل، وبقينا خمس سنوات الله وكيلكو على هذه الحال حتى غادر اخوه علي ديرتنا؛ وفيما بعد غادرنا المزقة وانتقلنا الى عيلبون وهناك تعرفت على الرفيق حبيب زريق (ابو زياد) ولّا هو بنفس الخط! فصار لي ابو زياد مع الوقت الاب والاخ والصديق والرفيق والمعلم فابو زياد رجل مثقف وفهمان رسخ في ذهني الفكر التقدمي والجبهوي، وبعد سنوات انضممت للجبهة ولا زلت حتى الساعة فالفضل اولا لوالدي الوطني الحر وثانيا للشقيق الرفيق عمر الذي ساهم في تنوير فكري، والفضل الثالث لأبو زياد. وفي غمرة الحديث عادت ام الكريم امد الله بعمرها وسكبت القهوة ثانية واخذت تحضنا على تناول المزيد من الفاكهة والمعجنات وهي تقول مازحة كلوا لقد اثقلها عليكم ابو الكريم.

 صمت قليلا ابو الكريم وقال مازحا، بكفي هذا الحديث عني، فرد عليه صديقي من باب المداعبة جئنا لنكتب عنك ام عن والدك فابتسم مضيفنا وهو يقول عن الاثنين فرصة ولاحت وشنو يصير، فعلقت قائلا: سمعنا حكايتك هات واسمعنا حكاية والدك، تململ ابو الكريم وغاص في بحر تفكيره، ورمانا بنظرة الواثق من نفسه وقال حكاية والدي قصة طويلة وظريفة، اما كيف تعرّف على رجال الثورة قال: كان الحاج حسين الهيب من عشيرتنا التي انتشرت مضاربها من اراضي صفورية غربا حتى سهل البطوف شرقا، وكان حسين الهيب ابو علي وجيها من بين الوجهاء وقد نصبه البريطانيون مسؤولا عن عشيرة الهيب والطوافرة وعشيرة الوهيب والخوالد في قرية ناصر الدين (ورد ذكرها في اكثر من مناسبة ع. س.) فذات يوم جمحت فرس احد المواطنين ودخلت مستوطنة يمّا غرب طبريا فراح صاحبها يبحث عنها وبعد ثلاثة ايام افلتت الفرس وغادرت المستوطنة وعادت الى مربضها، وقد جاء المستوطنون مع ثلاثة من الانجليز لاسترجاع الفرس عنوة وعندما رفض صاحبها اجهزوا عليه وأردوه قتيلا.. فلما رأى والدي تلك الجريمة النكراء اهتز من الاعماق واثارت حفيظته واوقدت فيه ثورته وكان ذلك سنة 1936 فقام ومن معه من الرجال برجم المستوطن والانجليز بالحجارة وانتم تدرون رمية البدوي ما تخيب فاضطر المستوطن ومن معه للهرب، تاركين خيولهم الثلاث استولى عليها والدي ومن معه سحبها برفقة نمر القاسم من سخنين وسلمها لقائد الثورة المجاهد عبد الله الاصبح الذي تواجد في قرية ناصر الدين جنوب غرب مدينة طبريا وروى له والدي ما حدث فأثنى عليه واستقبله بحفاوة جارفة.

عاد والدي الى البيت وفي احد الأيام حل ضيفا على مختار طرعان خير الله وفي هذه الاثناء اقتحم الجنود البريطانيون بيت المختار وانهالوا عليه بالضرب المبرح، اهتز والدي ثانية لما شاهد صلف وقسوة الانجليز، وعندما علم الضابط البريطاني بدور والدي الانساني جاءه وطلب منه ان يعمل معهم بوظيفة ويتقاضى راتبا رفض والدي بشكل قاطع فغضب الضابط وبالتهديد طلب منه ان يسلمه عبدالله الاصبح ، وعندما لم يجد مناصا وبحذاقته الفطرية رأى ان لا سبيل الا المراوغة ولكي يفلت من كيده وافق على طلب الضابط فطلب منه الضابط ان يقسم اليمين، ففعل فصدقه الضابط وطلب منه الذهاب حالا لتنفيذ المهمة، نهض والدي وامتطى صهوة فرسه ويمم شطر قرية ناصر الدين وعندما وصل القرية واقترب من القائد المجاهد عبد الله الاصبح فخاطبه قائلا وقعت بين يدي يا عبدالله وامسك به فاستهجن القائد ذلك التصرف فقص عليه والدي الحكاية برمّتها وقال :ما فعلته من القبض عليك هو تنفيذا للقسم الذي فرض عليّ عنوة، فطلب منه الانخراط في صفوف الثورة فوافق وعينه قائد فصيل مع قائد الفصيل أبو ابراهيم الصغير من قرية اندور.

 وكما روى لنا فقد شارك القائد ابو ابراهيم الصغير في عدد من المعارك منها معركة الجاعونة ومعركة صفد ومعركة كفر مصر ومعركة كفر كنا واندور، وظل والدي في صفوف الثورة حتى اخفقت سنة 1939، عاش والدي وطنيا بامتياز وعندما نشبت الحرب سنة 1948 امتشق بندقيته وحارب جنبا الى جنب مع القائد في جيش الانقاذ دمرجان وكان مركزه في عرابة فسلمه قطعة سلاح أوتوماتيكية ( برن) ولديه حكايات طويلة في هذا الصدد وعندما وضعت الحرب أوزارها اعلنت عشيرة الهيب ولاءها للسلطة بعد قيام الدولة عارض والدي الفكرة فعرضوا عليه اغراءات عديدة فرفضها وعندما وشى احد الأقارب ان والدي في سنة الحرب كان يحمل برن اعتقلته الشرطة لمدة عشرة أيام وطلبت منه تسليم (البرن) وبوساطة قريبه المختار صالح الهيب طلبوا مقابل البرن ولاطلاق صراحه تسليم 25 بندقية، فقام عمي صالح الفواز وزار قرى البطوف وجمعها وسلمها للضابط (وندرمان) في الناصرة، فضّل والدي ان يعيش فقيرا يرعى مواشي الفلاحين على الثراء الذي غرق فيه أفراد العشيرة.

 وكان نتيجة العوز يقوم أحيانا بالسطو على قطعان الماعز او الابقار ليوفر لنا لقمة العيش وهناك حكاية مثيرة، وطريفة سأرويها لكم، ذات يوم سطاعلى قطيع من البقر ونهب بقرة وذبحها واطعمنا وإذ البقرة لامرأة فجاءته المرأة تطلب منه إعادة البقرة فانكر التهمة وقالت عليك باليمين يوم الجمعة في الجامع فقال حاضر. وفي يوم الجمعة ذهب الى الجامع وامام بعض المصلين امسك القرآن وقال اقسم بالله العظيم كررها ثلاث مرات اني سرقت البقرة وذبحتها واكلناها. فضحك الحضور وقالوا الله يسامحك. انهى الحكاية ابو الكريم ليقول انا جبهوي وكما ذكرت في حديثي الفضل اولا لشقيقي الرفيق عمر الذي عمل على تنوير فكري، انا شاب ثم من أبو زياد الذي كان معلمي وقائدي لـ 50 سنة ونيف ثم والدي بموقفه الوطني الصادق المشرف فاجلّه الناس واحترموه الرفيق المعلم العريق ابو زياد الجماهير ورغم فقره كان وجيها ورجل اصلاح ، وهذا كان عنده اسمى شيء.

 انهى ابو الكريم كلامه وقال هناك أشياء كثيرة نتحدث عنها نتركها بمناسبة أخرى انهى حديثه بالترحم على والده والبسمة تغمر وجهه قائلا نعم انا افتخر واعتز بهكذا والد وطني، استمعنا لحكاية المجاهد اسعد محمد فواز أبو منصور من نجله الجبهوي الأصيل ابو الكريم وهذا غيض من فيض من سيرة حياة مجاهد، نهضنا صديقي وأنا استودعناه وام الكريم شاكرين واعتلينا مركبتنا وفي جعبتنا ما يستحق نشره.

(عرابة)

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب