بروفيسور ساسون سوميخ وداعا

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

في الساعة الثالثة من بعد ظهر امس، الثلاثاء 27.8.2019 ودّعتُ والعشرات من رفاق وزملاء وأصدقاء وطلاب بروفيسور ساسون سوميخ بعد أنْ رافَقناه في مشواره الأخير إلى مقابر كريات شاؤول والقبر الذي احتضنه بكلّ محبّة.

وكنتُ قبل حوالي الشهرين قد اشتركتُ في التّكريم الذي أقيم له في جامعة تل أبيب ولم يستطع هو المشاركة فيه لوَضعه الصحيّ الصّعب.

بروفيسور ساسون سوميخ الذي بلغ من العمر 86 سنة ليس كغيره من أساتذة الجامعات الذين تعرفُهم وتدرسُ لديهم وسرعان ما ينقطع حبلُالوصال بعد استلامك للشهادة ومغادرة الحَرَم الجامعي.

بروفيسور ساسون سوميخ، والذي كثيرا ما كان يُنبّهني قائلا: نبيه سيبك من بروفيسور، قولي سوميح بَكون مبسوط أكثر. يَسحرك بإنسانيّته التي لا تعرف الحدود.

بروفيسور ساسون سوميخ كان عَلَما معروفا في محيطنا الثقافي العربي داخل البلاد بكتاباته وقصائده التي كان ينشرها في مجلة "الجديد" منذ سنوات الخمسين من القرن الماضي. وكان له الفضل في اطّلاعنا على نظريّات نقديّة معروفة ومؤثّرة في الثقافة العربية. وكان من الأوائل، إنْ لم يكن الأوّل، في كتابة قصيدة التفعيلة في شعرنا المحلي هنا في منتصف الخمسينات بقصيدة "تلك القلوب"(مجلة الجديد عدد آذار 1954) التي كتبها على بحر الكامل ووزّع تفعيلة البحر بصورة مختلفة تَبَعا لمضمون الكلام والأفكار، ولم يتقيّد بعدد أشطر البيت، كما أنّه نوّع بالقافية واعتمد التكرار لبعض الكلمات ليكون اللازمة التي يتكئ عليها ويُنهي بها القصيدة كما ابتدأها، (مادة موسّعه تجدها في كتابي "الحركة الشعرية الفلسطينية في بلادنا"(صفحة 125).

تعرّفتُ عليه منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي حيث اشتركتُ وإيّاه في العديد من الندوات الأدبية والمناسبات الثقافية. حتى كان اللقاء الذي غيّر اتّجاهي في الحياة. ففي يوم احتفاليّ لاتّحاد الكتّاب العرب الذي كنتُ وسوميخ فيه، وجمعتنا جلسة أنيسة مع المرحوم الشاعر سميح القاسم والنّاقد الصديق المرحوم حبيب بولس والشاعر فاروق مواسي والكاتب محمد علي طه سألني سوميخ: نبيه شو أخبارك وين اليوم؟ وقبل أن أجيبه قال سميح: حضرته يُحَضّر نفسَه للسفر إلى الخارج للحصول على الدكتوراه غير مبال بترك الأولاد والبيت ومكان العمل". واستفسر سوميخ قائلا: صحيح؟ فشرحتُ له أنّني قُبلتُ للدراسة في جامعة "أكسفورد" في إنكلترا وأستاذي سيكون الدكتور محمد مصطفى بدوي الذي درس هو عنده للدكتوراة. وأنني في السادس من أكتوبر سأبدأ بالدراسة. وبعد حديث حول إمكانيّة الدّراسة في البلاد، والبقاء في مكان العمل مع الأولاد والعائلة اقترح عليّ أن أزوره في مكتبه في جامعة تل-أبيب للتّباحث بالأمر. وبالفعل سافرتُ إليه وتبادلنا دراسة الموضوع من كل جوانبه، وفي النهاية اتّفقنا أن أبدأ الدراسة عنده في جامعة تل-أبيب وإن لم يعجبني الأمر سيُساعدني هو بنفسه عند أستاذه مصطفى بدوي في أكسفورد لمواصلة الدّراسة.

وأذكر عندما وقّعتُ على طلب الالتحاق بالدّراسة في الجامعة، وكان يقف معي، شدّ على يدي وقال: نبيه أنا اليوم أكثر واحد سعيد، بك اكتمل المثلث بأضلاعه الثلاثة : سليمان جبران ومحمود غنايم ونبيه القاسم.

وهكذا توثقّت العلاقة بيننا، هو استاذي وموجهي في الدراسة للدكتوراة وأنا الطالب الذي أحاول التملّص من بعض القيود فيُنبهني فنضحك ونتابع الطريق معا.

مع الأيام أصبح سوميخ أحد أفراد العائلة، يزورني وزوجته في كل مناسبة تسنح له، وأزوره في البيت، ونلتقي في الجامعة، في المطعم، في الكافاتيريا. يُقدّمني لكل الأساتذة المعروفين والمهمّين في الجامعة، اشتركنا معا في أكثر من أمسية ثقافيّة، استقبل في محاضراته العديد من الشعراء والكتّاب العرب المحليين وقدّمهم بكل الاحترام لطلابه. كان يعتز بثقافته العربية ودائم الحديث عن بغداد والعراق والشعراء الذين عرفهم قبل مجيئه للبلاد.

وكان المضيف في حفل زواج فريد ورباب ويعتبر الفرحَ فرَحَه، ويوم استلامي لشهادة الدكتوراة ظلّ معنا طوال الساعات وهو يبارك لكل فرد من الأسرة، ويكرّر: إنّها مناسبتي وفرحتي وأنا سعيد جدا.

واليوم أيّها العزيز، أستاذي الغالي والصديق الوفيّ بروفيسور ساسون سوميخ أرافقك في مشوارك الأخير.

لكَ رحمة الرب، ذكراك ستظل خالدة، وعطاؤك لن ينضب، وإنسانيّتك ستظل تذكرني بك وتثير حزني لفَقدك وحنيني لتلك الساعات التي تبادلنا فيها الكلام في الأدب والإبداع والسياسة.

قد يهمّكم أيضا..
featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-07 17:59:14

كلمة تقدير أكثر من شكر مستحق

featured
جلبير الأشقرج
جلبير الأشقر
·2026-01-07 16:38:38

لا… لم يتبنّ ترامب سياسة «تغيير النظام»

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-07 10:38:53

تسفي برئيل: المسار من قرية الترابين إلى حرب أهلية يمرّ عبر بن غفير

featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا