تباينت مواقف المبدعين العرب في موضوع لقائنا الثّقافي بأوروبا، حيث ذهب البعض الى اعتبار هذا التّلاقح مفتاحا الى فهم العديد من أعمالنا الفكريّة والأدبيّة الهامة في هذا العصر...
بينما اتَّخذ بعض الآخرين موقف المُتجهّم في مواجهة الحضارة الأوروبيّة، ورأى فيها آخرون بعض مظاهرها السَّطحيّة مثل الانفلات الجنسي أو اللاأخلاقيّة السياسيّة أو النزعة الماديّة...
لكن لا يخفى على الباحث المنهجي والرّائي موقف التّيّار السَّليم الممتدّ من حسن العطّار ورفاعة الطّهطاوي الذي اتّخذ أشكالا مختلفة واستعار وجوها مُتعدّدة من البحث العلمي أو القصّة أو المسرح أو الاستكشاف الفلسفي.
وفي ظنّي أنَّ سلامة هذا التيّار لم تكن لتتحقّق لولا أنّ أربابهُ كانوا على وعي عميق بجوهر تراثهم العربي قبل أنْ يواجهوا الحضارة الأوروبيّة، لذلك هم لم يتّخذوا أحد الموقفين المُتشددين، موقف الاستخذاء أمام كل ما هو أوروبي والرّفض المُطلق لكلّ ما هو موروث، أو موقف القبول السَّاذج لكلّ ما هو موروث والرّفض المطلق لكلّ ما هو أوروبي وارد.
وعليه، ضمن الموقف الوسط خرج التيّار السَّليم، وانتمى اليه عدد من مُفكّرينا ومبدعينا كتوفيق الحكيم وطه حسين وغيرهما، فاستطاع كلٌّ منهما وبطريقته أن يتجاوز هذا اللقاء المُرْبك الى مستويات جديدة أعلى مِما عرفاه مِن قبل... فتوفيق الحكيم مثلا، الذي استلهم تُراثَهُ العربي في أعمال عِدّة، كشهرزاد وأهل الكهف وأشْعب وغيرها، نراهُ يحاول أن يوفّق بين مادته التراثيّة وبين الشّكل المعماري الذي اكتسبه من الحضارة الأوروبيّة...
وفي هذا الصدد نضيف، أنّ الأشكال الأدبيّة التي تميّزت تميزا واضحا في المصطلح الأوروبي منذ القرن الثامن عشر كفن الرواية، ونشأة المسرحيّة وانفصال الفلسفة والتّاريخ عن الأدب، نعم!!! أن نضيف: أنّ هذا أرسا عنصر احترام الشّكل المعماري أو البنية الفنيّة، وجعلها نقطة الانطلاق في التعبير الأدبي... وقد ظهر هذا جليّا عند الحكيم الذي أولع بعنصر اتقان سِرّ البناء الفنّي، ونحن لا نغالي حين نُسجّل أنَّ الشّكل أوّل ما يملأ قلب الفنان العربي حين يطّلع على الآثار الأوروبيّة الأدبيّة...
رحم الله عبد المطّلب، الذي رأى في منامهِ كأنّ سلسلة من فضّة خرجت من ظهره لها طرف في الشرق وطرف في الغرب، ثمَّ كأنّها شجرة على كلّ ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق وأهل المغرب كأَنّهم يتعلّقون بها ويحمدونها...







.png)


.png)