حراك الحسم هناك والتّمترس لمنع الحسم هنا | إياد الحاج    

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

تدور في الأشهر الثّلاثة الأخيرة معركة داخل أجنحة الحركة الصّهيونيّة، وفي المجتمع اليهوديّ، حول شكل نظام الحكم، في مشروع الحركة الصّهيونيّة والإمبرياليّة، دولة إسرائيل؛ وقد اتّخذ طابع الصّراع شكل الاحتجاج الجماهيريّ في صفوف المجتمع اليهوديّ، وصل إلى مشاركة مئات الآلاف في عمليّة الاحتجاج السّلميّة الهادفة إلى تراجع الائتلاف الحاكم عن إحداث التّغيير العميق في نظام الحكم، هذا التّغيير الذي يعتبره منظّمو الاحتجاج بأنّه يهدّد "ديمقراطيّة" النّظام، ويحوّله إلى نظام دكتاتوريّ. 

      وتبرز في هذا الصّراع ثلاثة تيّارات رئيسة:

 1- التّيّار الصّهيونيّ الذي يريد أن يكون ليبراليًّا متماشيًا مع متطلّبات الإمبرياليّة التي تتسلّح بقيم مزعومة تحكم بها على أنظمة الدّول وتدينها بها، حسب مصالحها عابرة الحدود؛ وهو يتمثّل بالمشاركين في الحراك الاحتجاجيّ في هذه الأيّام، وهم بالأساس قاعدة الدّولة العميقة 2- التّيّار اليمينيّ المتطرّف، شديد العداء للفلسطينيّين، الدّينيّ الصّهيونيّ، الاستيطانيّ الإحلاليّ، الاحتلاليّ؛ وهو يتمثّل بالائتلاف الحاكم بأحزابه المختلفة، وعلى رأسه بنيامين نتنياهو، رئيس الائتلاف والحكومة الحالية 3- تيار غير صهيونيّ، يرفض الصّهيونيّة، لعنصريّتها وعدوانيّتها وشوفينيّتها وانفصام وجهيها القوميّ الظّاهر عن حقيقتها الإمبرياليّة الباطنة والمبطّنة، وهو تيّار يرى بالمشاركة الأمميّة: العربيّة اليهوديّة، وإنهاء الاحتلال، ووحدة المصالح الطّبقيّة للشّعبين، أساسًا للوحدة الكفاحيّة، لتحقيق السّلام والمساواة والعدالة الاجتماعيّة، وهو التّيّار الأقلّ زخمًا جماهيريًّا في المجتمع اليهوديّ؛ وهو يتمثّل بالحزب الشّيوعيّ، والجبهة الديمقراطيّة للسّلام والمساواة، وأوساط قليلة أخرى. 

      وقد احتدّ الصّراع وبلغ ذروته، وهناك محاولات عديدة، داخليّة وخارجيّة، للتّوفيق بين التّيّارين المركزيّين، الأوّل والثّاني، وإبقاء الحال على ما هو عليه، والاتّفاق على تسوية ترضي الطّرفين، دون حسم واضح لطرف دون آخر، فهل ستنهي التّسوية العتيدة المحتملة هذا الصّراع، وتحافظ الحركة الصّهيونيّة بذلك على تماسكها الدّاخليّ من أجل الحفاظ على مشروعها، ولكي تهيّئ المناخ الدّاخليّ الضّروريّ لمواصلة دورها الإمبرياليّ، على صعيد المنطقة، وعلى جبهات العالم المتعدّدة؟ 

      يرى التّيّار المركزيّ الثّاني، تيّار اليمين المتطرّف أنّ الفرصة التّاريخيّة مؤاتية لقلب طبيعة نظام الحكم، بحيث يتخلّص من الرّقابة القضائيّة التي تشكّل عائقًا أمام المضيّ بمشاريعه السّياسيّة، والقضاء من خلالها على الحلّ المقبول على أكثريّة دول العالم للقضيّة الفلسطينيّة، وعلى منظّمة التّحرير نفسها، والذي أعلن ممثّلو التّيّار الأوّل الالتزام به؛ كما ويرى ممثّلو التّيّار الثّاني أنّ الوقت قد حان لبناء الحلّ الذي يريدونه للقضيّة الفلسطينيّة، وهو بناء دولتهم "اليهوديّة الدّيمقراطيّة" الواحدة على أنقاض حلّ الدّولتين، حيث يضمّون مناطق المستوطنات، وما استطاعوا نهبه من أرض كاحتياط للبناء والتّطّور لمستقبل هذه الدّولة، وترك القليل الذي تبقّى للاتّحاد مع الأردن؛ كما يرى أنّ هذا هو الوقت المناسب لترسيخ السّيطرة على الجولان المحتلّ، "فحيث وصلت أقدام الجنديّ الإسرائيليّ تكون حدود الدّولة"، ومن غير هؤلاء المتطرّفين سيطبّق هذه المقولة ويحوّلها إلى حقيقة؟!

      وهذا التّيّار المتطرّف لا يأبه بديمقراطيّة الدّولة اليهوديّة، وهو على استعداد لبناء دولة الفصل العنصريّ، وفرض حلّه الدّائم على الشّعب الفلسطينيّ بالقوّة، وعلى المنطقة، بالسّياسة المحرّضة على إيران، وبناء تحالف ضدّها، من أجل خلق عدوّ وهميّ مشترك يحرف اتّجاه البوصلة، ويضلّل الشّعوب بمظاهر التّطبيع مع الأنظمة الرّجعيّة العربيّة التي كانت شريكة في إحداث النّكبة بالشّعب الفلسطينيّ، عام 1948، وهي مستعدّة لمواصلة دورها بعد 75 عامًا، وذلك بالقضاء على حقّ تقرير المصير لهذا الشّعب. 

      أمّا التّيّار الأوّل الذي يشكّل الدّولة العميقة، يرى أنّه بتطبيق برامج اليمين المتطرّف سيصبح أداة في يد هذا اليمين وبأنه سيقوم بما يتناقض مع قناعاته، أيّ أنّه سيقضي على نفسه بنفسه كتيّار له تاريخه في بناء هذه الدّولة، وبأنّه سيوظّف من قبل خصمه وهو مغصوب الإرادة. كما ويرى هذا التّيّار أنّ مشروعه الصّهيونيّ مهدّد من أوساط صهيونيّة مغامرة مستعدّة لاتّباع الممارسات الفاشيّة في سبيل أهدافها الاحتلاليّة والعدوانيّة والدّينيّة؛ فكيف سيقبل هذا التّيّار أن يغتصبه ذلك التّيّار الثّاني سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وأن يفرّط بإنجازات التّيّار الأوّل في مسيرة بناء الدّولة وتطوّرها؟!

      لقد بلغ الصّراع بين التّيّارين ذروته، وهو يتطلّب حلًا لكي ينهيه، وإنّ حسم هذا الصّراع لصالح طرف منهما سيحقّق أضرارًا جسيمة بتماسك مشروع الحركة الصّهيونيّة والإمبرياليّة، دولة إسرائيل، وقد وقعت الأضرار بالفعل، ولكن الحسم سيعمّقها، ويضعف الدّولة في كلّ المجالات: السّياسيّة، الاقتصاديّة، الاجتماعيّة والعسكريّة، ممّا يلحق الضّرر بقدرة إسرائيل على القيام بدورها الذي أوكلتها به الإمبرياليّة العالميّة، وهذا ما لن تسمح به هذه الإمبرياليّة، لذلك فأنا أرجّح أن تُفرض تسوية على الطّرفين، حتّى لو تمّت التّضحية ببعض القيادات، فالمشروع أهمّ من الأشخاص في عرفهم. وسيعود التّناقض بين أصحاب التّسوية، وبين طروحات التّيّار الثّالث، ورغم عدم التّناسب بين الفريقين بالقوّة السّياسية، إلّا أنّ قوّة الطّرح ليس تقاس بالعدد فقط، بل بقوّة المضمون الذي يمثّل المصالح الحقيقيّة للشّعبين، وسنخوض مسيرة مريرة حتّى نصل إلى صراع جديد بين المعسكرين يفضي إلى حلول حقيقيّة. 

      أمّا في مجتمعنا فتبرز ثلاثة تيارات رئيسة، أيضًا، التّيّار الأوّل هو التّيار التّاريخيّ الذي قاده الحزب الشّيوعيّ والجبهة، وهو التّيّار الذي رأى بالطّبقة العاملة اليهوديّة شريكة طبيعيّة لنا، في الصّراع الطّبقيّ في بنية النّظام الرّأسماليّ الطّبقيّة، وأنّ هذا النّضال الطّبقيّ الأمميّ يجب أن يتحلّى بالطّابع السّياسيّ أولّا بحيث تزول المعيقات أمامه بزوال الاحتلال وتحقيق السّلام العادل، والانتصار على العنصريّة والتّمييز القوميّ، وتحقيق المساواة التّامّة، والتّفرّغ للنّضال العربيّ اليهوديّ لبناء نظام العدالة الاجتماعيّة في البلاد؛ وهو تيّار سعى للشّراكة الأمميّة وأخوّة الشّعوب، على أساس النّدّيّة وليس التّبعيّة، وسعى إلى المطالبة بالحقوق من خلال الوحدة الكفاحيّة، لا من خلال الاستجداء والاستعطاف والانبطاح أمام جبروت السّلطة الصّهيونيّة الحاكمة. 

      والتّيّار الثّاني استند إلى القوميّة، وبنى مشروعه السّياسيّ على أساس قوميّ، وقد أخذ هذا التّيّار من النّصف الأوّل للثّمانينات من القرن الماضي وحتّى اليوم بالانغلاق القوميّ أكثر فأكثر، حتّى أصبحت تعلو فيه أصوات مستهترة بوزننا النّوعيّ كجماهير عربيّة في الصّراع العامّ في الدّولة، وكأنّ وظيفتنا التّعامل مع ما يتعلّق بأمورنا الدّاخليّة، وما هو خارج هذه الدّائرة فهو ليس من شؤوننا، كما هي الأصوات المتعالية في هذه الفترة، حيث يدور صراع عموديّ عميق في الدّولة؛ وفي أصوات تدعو للمقاطعة الانتخابيّة والاستقالة من الكنيست كي لا نبيّض صفحة النّظام في العالم، وهي أصوات تسهم بشكل غير مباشر في تهميش الأقليّة العربيّة في البلاد، وإفقادها لتأثيرها، وعزلها عن الشّأن العامّ. وقد تناوبت حركات مختلفة على تمثيل هذا التّيّار، وتمثّلت أخيرًا بحزب التّجمّع الذي غامر بقسم من الوزن النّوعيّ المؤثّر للجماهير العربيّة في الانتخابات الأخيرة، تحت مختلف الذّرائع. 

      والتّيّار الثّالث هو الذي يريد الاندماج في السّلطة مقابل مكاسب للجماهير العربيّة، وهو امتداد لكلّ الذين اندمجوا بالأحزاب السّياسيّة الصّهيونيّة، في السّابق، من أجل التّأثير من الدّاخل، وصرّحوا هم أنفسهم، بعد عشرات السّنين من المضيّ في نهجهم أنّهم فشلوا، وهو يتمثّل بالقائمة الموحّدة، وعل رأسها د. منصور عبّاس. وقد خاضت القائمة الموحّدة تجربة مماثلة لتجارب ممثلي هذا التّيّار السّابقين، في الفترة الأخيرة، ولكن بحلّة قوميّة دينيّة متحالفة مع الأحزاب الصّهيونيّة الحاكمة، من اليمين ومن خارجه، وداعمة لها من خارج الحكومة مقابل مكاسب محدّدة، وقد أثبتت الأيّام أنّ الوعود الكبيرة تمخّضت عن فئران صغيرة بعضها وُلد ميتًا، أصلًا. 

      إنّ هذه التّيّارات ما زالت في حالة صراع، وصراع حادّ في أحيان كثيرة، صراع يستنزف طاقات كبيرة، على حساب النّضال المشترك من أجل المصالح العامّة لنا كأقليّة قوميّة مضطهدة في البلاد؛ وذلك رغم أنّ أحداث الماضي تشكّل تجربة جماعيّة تمكّننا من استخلاص النّتائج الواضحة، بأنّ نهج الانعزال القومي نتائجه لا تختلف عن نهج الانفتاح الجامح نحو الائتلاف الصّهيونيّ الحاكم بصرف النّظر عن وجهته السّياسيّة، فالتّطرّف في الاتّجاهين يؤدّي إلى نفس النّتيجة وهي التّفريط بالوزن النّوعيّ للجماهير العربيّة في المعركة العامّة، وفي اختيار اللّحظة التّاريخيّة المناسبة لرفع الشّعار الصّحيح، بالمطلب الحقّ، وفي المكان المناسب؛ فلا يوجد موقف صحيح بالمطلق في السّياسة، فموقف صحيح منقطع عن سياقه مصير نجاحه مشكوك فيه، لأنّ الفرصة تحتاج إلى تهيئة الظّرف لتحقيقها، وهذا هو العمل السّياسيّ النّاجح. 

      إنّ نتائج تجربة مسيرة التّيّارات الثّلاثة معروفة وواضحة للعيان، لكنّ التّمترس في المواضع يمنع الإقرار بها، فالمنفعة السّياسيّة حين تطغى تجعل الذّاتيّة الحزبيّة فوق الضّرورات الموضوعيّة للمصالح العامّة لأبناء شعبنا الفلسطينيّ، وخصوصًا ونحن تحت سلطة ائتلاف يميني حاكم يهرول نحو الفاشيّة، ويريد تغيير طابع الدّولة حتّى يزيل من أمامه كلّ ما يعترض تطبيق برنامجه الاحتلاليّ التّوسّعيّ، حتّى لو كان المحكمة العليا، وهي ركيزة من ركائز هذا النّظام، ألا يضيء ذلك على الخطر الذي يتهدّدنا في بلادنا؟!   


 

كفرياسيف 

1/4/2023  

قد يهمّكم أيضا..
featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة

featured

سقوط وهم الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل