بدأ الامر بمحض الصُدفة حين انضممت لصديق في متجرٍ يقوم ببيع الاثاث البيتيّ القروي في ״بيت يتسحاك" على أطراف إم خالد قبل يومين في 18 حزيران تحديدًا، خلال تجوالنا في المتجر لمحت جرّة معروضة للبيع بثمن 1,400 شيكل، بعد مُعاينتها وتفحّصها يتضح فعلًا انها عتيقة، وعلى الاقل تُراثية قد يصل عمرها الى 300 عام أو يزيد، جرةٌ سليمة وهو ما يندر وجوده الّا في القُبور الاثريّة في حال كانت الجرار اكثر قدما. اثارني الفضول لمعرفة اصلها فلاحظت داخلها بعض القُصاصات من الورق، كانت الاولى ورقة جديدة من العام 2020 يبدو انها لطالب/ة مدرسة بها قواعد عربية واعراب مع مواضيع متنوعة، تحتها كانت المُفاجأة ثلاث فواتيرٍ مكتوب عليها بعدّة لُغات تعود للأعوام: 1983، 1984، و1985.
للوهلة الاولى اعتقدت ان عدم وجود العبرية قد يعني انها من الأراضي المحتلة عام 1967، لكن بكونها تحوي الانجليزية وقليلا من الفرنسية توصلت الى انها من دولة عربية كانت تخضع لاحتلال فرنسيّ اي: سوريا، لبنان، الجزائر، تونس، المغرب، جزر القمر او موريتانيا. كُتب على الفواتير: وكالة المداخيل وهو قسمٌ موجود في عدّة دول عربية، لاحقا لاحظت العُملة المُستخدمة وهي الدرهم مما يحصر الخيار في مملكة المغرب، كون بقية المستعمرات الفرنسية السابقة تستخدم الدينار في حالة الجزائر وتونس والليرة في لبنان وسوريا، الاوقيّة في موريتانيا والفرنك في جزر القمر. وبفضل مساعدة صديق يتقن الاسبانية بعد ان قمتُ بنشر الصورة، تمّ ترجيح اصل هذه الجرّة، كون المغرب خضعت لتقسيم ما بين اسبانيا وفرنسا بعد مُعاهدة فاس للعام 1912 ففي نفس العام في تشرين الثاني تقاسمت كلتا الدولتين الإمبرياليتين المغرب ليكون اقصى شماله واقصى جنوبه محميتين، اسبانيّتين وما بين المحميتين محميّة فرنسية. مما يحصر موقع الجرّة الجغرافيّ في اقصى شمال المغرب او جنوبه لا سيّما وجود الاسبانيّة والعربيّة في كل اقسام الفواتير. امّا الانجليزيّة والفرنسية فهما بالتناوّب.
الجرّة ذات سِماتٍ ريفيّة قد تكون صناعتها يدويّة، يظهر ذلك بعدم تجانس ابعادها، لونٌها باهت غير مُزخرفة، بها سِمات عتيقة منها ما يُعرف في الادبيات البحثية"بيدِ الرف"، "ويد الاذن"، مع فتحةٍ واسعة تجعل استخدامها للحبوب على الارجح كالقمح او غيره من المحاصيل.
كان هذا مثالاً واحدا عن التجارة غير الشرعية بالآثار والتراث. ففي البِلاد وفق قانون الآثار من العام 1978 يُمنع التنقيب او البحث عن الآثار خارج إطار سُلطة الآثار او دون ترخيص منها الّا انه يجيز التجارة بالآثار بترخيص، وهذا هو التناقض في هذا القانون فتتحول البِلاد الى ملاذ تُجار وسارقي الآثار لا سيّما ما مصدره من دولٍ عربية تجرّم التجارة بها وتحاربها. الجريمة الكُبرى تكمن بإخراج اللُقى الاثرية من سياقها الحفريّ الاثريّ والانثروبولوجيّ مما يُفقدِها روايتها ومعناها في كثير من الأحيان، ناهيك عن سرقّة ارثٍ انسانيّ حيّ مازال يُستخدم في اماكن نائية عديدة حول العالم، في سياق آخر هذا القانون نفسه يجيز الاستحواذ على آثار الاراضي المحتلة عام 1967. في مملكة المغرب ومع الاسف الحالة الاقتصادية الاجتماعية بالريف قد تُجبر بعض الاهالي بيع كنوزٍ اثريّة بأسعار بخسة لتجد مستقرا في المتاحف الاوروبيّة او الاسواق الاسرائيلية كهذه الحالة، وهي ظاهرة يبدو ان السُلطات المغربية تحاول التصدّي لها، ووقف تهريب والاتجّار بالآثار، لاسيّما بمناطق الريصاني، أرفود، ميدلت، وبعض الأرياف المجاورة، في جنوبيّ المغرب. وقد كانت بعض المُحاولات الناجحة للتصدي لشبكة التجارة الدولية. لكن ما يتّم تداوله تهريبه وتخريبه مازال يغزو الاسواق وهو جرمٌ ليس فقط بحق الإرث المغربيّ بل البشريّ برُمتّه. امّا عن جشع التنقيب وسرقة الآثار في مُجتمعنا الفلسطيني بالداخل فتلك قصة اخرى بسياق مُتصّل هي ظاهرة تزيد انتشاراً في السنوات الاخيرة ولا يمكن مُعالجتها الّا بمعالجة اسبابها كجهل قيمة هذه اللُقى، وجهل الضرر الذي يتّم الحاقه. وقد ينجح نشر الوعي بثني شريحة بعد اخرى ستواجه القوانين المتناقضة بكل الاحوال. هذا القانون نفسه موروث عن قوانين الانتداب البريطانيّ، رغم تجديده في العام 1978 الّا انه ما يزال يُعرف الآثار بكُل ما هو صنع انسان قبل العام 1700 للميلاد وبكلمات اخرى امكانية محو تاريخ الثلاثة قُرون الماضيّة دون حسيبٍ او رقيبٍ.
باحث مُختص في آثار وحضارات المشرق القديم ومُهتم بالإرث الثقافيّ الانسانيّ.
20 حزيران 2023.


.jpg)




.png)

.jpg)


.png)

