news
مقالات

رسالة بنيامين نتنياهو للعرب: اركعوا لتذهبوا إلى الحج بسعر أرخص

خرج علينا قبل أيام قليلة كبير الفاشيين، بنيامين نتنياهو، في مقابلة موجهة للجمهور العربي في البلاد، هؤلاء الذين لم يعهدوا منه الا التحريض والعنصرية ونزع الشرعية وهدر الدم والافقار والهدم، مرتديًا ثياب الحملان هذه المرة التي لم تنجح بالطبع إخفاء أنياب "الذئاب الخاطفة" أولئك الذين تكلم عنهم السيد المسيح، "من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشوك عنبًا أو من الحسك تينًا". مسترسلًا حول عطاياه وهباته الكريمة وانجازاته الكبيرة ومخططاته العظيمة للمواطنين العرب في البلاد، مؤكدًا أكثر من مرة أن "القائمة المشتركة لم تفعل لهم شيئًا"، مضيفًا بلغة عامية عربية مكسرة مثيرة للاشمئزاز حينما تخرج من فم كهذا،" ولا اشي"، تفوح منها نبرة مخابراتية، تلك التي يستعملها محققو الشاباك مع العرب. لكنها هنا ليست غرفة تحقيق ولا طاولة استجواب، بل طاولة حوار على قناة عربية، لجمهور عربي.


بالطبع ان مجرد إعطاء منصة لنتنياهو، رئيس الحكومة الأكثر تحريضًا على العرب، قائد حظيرة الفاشيين المسعورة في الحكم، عراب الترانسفير والاحتلال والاستيطان ودفن القضية الفلسطينية ومحاولة سحق الشعب الفلسطيني، قبل أسابيع من الانتخابات التي يسعى للفوز بها لتمرير ما بقي في جعبته من قوانين عنصرية وفاشية ضد العرب واحكام قبضته على شعبنا الفلسطيني واستمراره في التحريض الدموي على المواطنين العرب، على وسيلة اعلام عربية، هو فعل مشين بطبيعته. لكن أن تقوم فوق ذلك باعطائه مقابلة لم يكن يحلم بها حتى في وسيلة اعلام إسرائيلية يمينية، وأن لا تساؤله عن أي من سياساته الفاشية وكأن من يدير معه المقابلة مركز عمل الليكود للمجتمع العربي يُعد مقطعًا للحملة الإعلامية الرسمية، فهذا فوق العار القومي عار على العمل الصحافي والإعلامي. أميال قليلة من المكان الذي بثت منه المقابلة والمكان الذي يسكن فيه محاوره أرسل نتنياهو قبل عدة أشهر جرافات الهدم لتهدم 13 بيتًا في قلنسوة، وخرج حينها متفاخرًا على صفحته متبجحًا أن "قواتنا تهدم الآن في قلنسوة".."قواتنا"، كأنه يتكلم عن ساحة حرب وعن عملية عسكرية ضد "الأعداء"!،أولئك الأعداء\المواطنين الذي تبجح طوال المقابلة باهتمامه لأمرهم، ألم يكن بالحري للمحاور سؤاله، ما هو شعورك والمقابلة تبث خلف "خطوط العدو"؟

لكن الخطير فعلًا ليس طبيعة المقابلة بل المضمون الوارد فيها الذي توافق نتنياهو ومحاوره على تمريره والمشروع السياسي والأيديولوجي الذي يكمن خلفه. الحديث عن هبات اقتصادية قام بإعطائها نتنياهو للـ"وسط العربي"، مشاريع دمج اقتصادي، ميزانيات للسلطات المحلية موجهة لمرافق معينة، فُرص عمل، تطوير النقل العام في البلدات العربية، زيادة عدد الطلاب في الجامعات، بل ومحاولة شمل المواطنين العرب بمشاريع التطبيع مع العالم العربي واقناعهم أنه لفائدتهم- طبعًا كل هذا في ظل حكومة تصنف العرب وفقًا للقانون كمواطنين درجة ثانية وتحرض عليهم وعلى قيادتهم السياسية.

هذه الدعاية التي يحاول بيعها نتنياهو عن "تطور الوسط العربي اقتصاديًا" في ظل حكومته تحتاج إلى فهم أعمق، لا لأن الكذبات التافهة التي اجترها نتنياهو تحتاج إلى أي جهد للتفنيد، أو انها قد تنطلي على أي عربي في هذه البلاد، فقد تحول إلى محل سخرية وهزل كما ينبغي لها أن تكون، الا من الواجب تحليل وكشف أي مشروع سياسي وأيدلوجيا ورسالة تقف خلفها.  تتطرق لهذا المشروع البروفيسور "عمليا ساعر" محاضرة الانثروبولوجيا في جامعة حيفا، في مقال لها في "ذا ماركر". تقول انه «من جانب حكومة الليكود فإن دولة اسرائيل هي دولة الشعب اليهودي و"دولته فقط" كما أعلن نتنياهو، اما للمواطنين العرب فتقدم الحكومة استثمارات حكومية او بواسطة جمعيات خيرية لتعزز الإنتاجية لديهم، وتغطي على جزء من الفجوات في البنى التحتية، أي تطوير بواسطة السوق بدلًا من تطوير بمبادرة الدولة». تتطرق هناك لما تسميه "مسار مواطنة ب" الذي تقدمه السياسة الحكومية للعرب، حيث تستمر الحكومة بإقصاء العرب في كل ما يتعلق بالانتماء والهوية والمشاركة السياسية، وتستمر بإهمال أمنهم الاجتماعي والجسدي تحت وطأة آفة العنف المهمَلة، وتفتح الأبواب للتحريض ضدهم. لكن في المقابل توفر لهم مسارًا بديلًا ليصلحوا أوضاعهم بأنفسهم. تعطي بعض التشجيع للمصالح التجارية التي يملكها عرب، فيكون هناك اماكن عمل اضافية. تعطي لهم بعض المنح للتعليم العالي وتستوعب نسبا قليلة من العرب في طاقم محاضري الجامعات، المستشفيات والمحاكم أو الهاي-تك. وتضيف تشجيعهم على الاندماج في السوق والاستهلاك المستمر، وهذا التطوير الاقتصادي الفرداني سيجعل العرب «عالقين في أزمة السير وديون البنك والائتمان وينشغلون عن الاهتمام بالمطالب السياسية والأسئلة عن الديمقراطية». أي الاكتفاء بالأمر الواقع وقبول المخارج الاقتصادية الفردية مقابل التخلي عن المطالبة بالحقوق الجماعية.

كان من أشهر ما قالته رئيسة الوزراء البريطانية مارغرت تاتشر، الشخصية السياسية صاحبة الأثر الأكبر في إرساء النيوليبرالية المعاصرة المدمرة أنه «لا يوجد هناك شيء اسمه مجتمع، هناك أفراد، رجال ونساء فقط». ولسان حال نتنياهو عراب النيوليبرالية الإسرائيلية يقول، ليس هناك شيء اسمه مجتمع عربي، هناك أفراد عرب رجال ونساء، وطبعًا هؤلاء الأفراد مفصولين عن سياقهم القومي التاريخي، ولا يجب أن تربطهم أي صلة بشعبهم الفلسطيني وقضيته. والنيوليبرالية هنا مدموجة بعقلية عنصرية كولونيالية مما يجعل خطرها مضاعفًا. العرب كأفراد توفر لهم الفرص في الاندماج في السوق لكن يُسلب منهم أي حق جماعي أو أي تمثيل سياسي حقيقي. يُعرض التميّز الفردي كمخرج لعدم المساواة الاجتماعية والقومية. تُفسخ النيوليبرالية الفاشية في هذه الحالة كُل الروابط والتشكيلات الاجتماعية والهوية السياسية الجمعية، فيصبح المواطن العربي مُجرد ذات مستهلكة مفصولة عن أي سياق سياسي وتاريخي. وفيما تُقدم "المخارج" الفردية في الاندماج في السوق تُترك الفئات الشعبية للتحطيم والفقر ودوامة العنف والجريمة والضائقة السكنية والاقصاء السياسي في ظل منظومة قهر قومي-طبقي مزدوجة.

يتحدث نتنياهو عن زيادة نسبة الطلاب في الجامعات على انها انجاز لحكومته، وهي إنجاز متراكم لمجتمع مسحوق نفض عن نفسه التراب واستنهض طاقاته على مر عقود، مصرًا على البقاء والتطور والحياة رغمًا عن نتنياهو وحكومته ليس بفضلها، أولئك الطلاب ذاتهم الذين تتعامل معهم حكومة نتنياهو كـ"خطر أمني"، حيث كشفت قبل أيام قليلة تقارير صحفية، ليست من درج أرشيف الحكم العسكري، بل عن لقاء تم قبل أشهر جمع بين مدير عام وزارة التعليم وقوة الشاباك لمناقشة أمر الطلاب العرب والمعلمين العرب وتوجهاتهم السياسية. وتحدث عن الأطباء العرب الذي يملؤون المستشفيات الإسرائيلية، تلك المستشفيات ذاتها التي يعتقد وزيره وشريكه العنصري سموتريتش أنها يجب أن تخضع لفصل عنصري بين العرب واليهود على غرار نظام الابارتهايد البائد. 

ويترافق تعداد هذه الإنجازات الوهمية التي يدعيها نتنياهو، بمهاجمة القائمة المشتركة والادعاء أنها لا تهتم بالهموم اليومية للعرب-كما يفعل هو طبعًا-لأن العقبة أمام هذا المشروع والخطاب الذي يروج له نتنياهو الذي يبتغي مخاطبة الهم اليومي للجماهير العربية واستغلاله في تمرير الخنوع والقبول بالأمر الواقع والتخلي عن الحقوق الجماعية والتوق الى قلب المنظومة القائمة، تقف عقبة أساسية، وهي الوسيط السياسي، الوحيد بين الجماهير العربية القادر والساعي لصهر النزعات الفردية والسعي لصهر الهموم اليومية للأفراد في بوتقة الفعل السياسي الجماعي، توجيه الآمال الشخصية للأفراد ومقاربتهم للواقع، يأسهم وسخطهم تجاه الوضع الاقتصادي والاجتماعي وصبها في قنوات التنظيم السياسي والتمثيل السياسي. وهي الأحزاب السياسية الممثلة في القائمة المشتركة وبرنامجها وخطابها.

يقول نتنياهو في المقابلة عن موضوع الترانسفير بحق أهل المُثلث، «هذا مُجرد بالون لن يحصل ذلك»، مع أننا نعرف جيدًا أنه هو شخصيًا من أدخل هذا البند إلى خطة القرن الأمريكية- بالتأكيد ليس الغلام التافه كوشنير ولا الغبي بومبيو يعرفون أين يقع المثلث أصلاً- ونذكر كيف طرح الموضوع على ترامب قبل سنتين في أثناء زيارته الى إسرائيل حينما كانت صفقة القرن قيد الاعداد، ويتحدث عن "بالون" الآن ذلك قبل أسبوعين من الانتخابات لأنه بحاجة لتخفيف التوتر مع العرب كي لا يخرجوا للتصويت للقائمة المشتركة بنسب عالية مما يعني نهايته. واذا كان موضوع الترانسفير "بالونًا"-وهو أكثر من ذلك- فنحن نعرف جيدًا من نفخه. فيما يخرج في ذات الوقت وزيره ياريف ليفين ومرافقه في الرحلة "التاريخية" إلى البيت الأبيض ويتكلم عن هذا البند في تصريح واضح في فاشيته ومقاصده الترهيبية القمعية، قائلًا أن «على أهل المثلث أن يجروا حسابًا مع أنفسهم فهم من يخرجون الى الشوارع ويحملون أعلام فلسطين ويتظاهرون ضد الجيش». أي انه يربط بين مواطنة العرب في الدولة وبين ولائهم لا للدولة ورموزها فقط بل لسياسية الحكومة الرسمية والا فان الترانسفير هو العقاب! هل يلعب نتنياهو ووزيره لعبة الشرطي الجيد والشرطي السيء؟ عدنا إلى غرفة التحقيق لدى الشاباك مجددًا، هذه العقلية الوحيدة التي تحكم علاقة هذه الحكومة بمواطنيها العرب أصلاً.

رسالة نتنياهو ومشروعه للمواطنين العرب هنا هو: اخفض رأسك وأعلن ولاءك وتخلى عن حقوقك الجمعية وهويتك السياسية ومطالبتك بحرية شعبك وفي المقابل سنرمي عليك بعض الفتات، فرصة للاندماج في السوق، فرصة في أن تكون مستهلكًا مفرغ الهوية، وفرصة أن تذهب إلى الحج والعمرة بسعر أقل. وهو في مقابله الأخيرة يضاعف اهانته واستعلائه العنصري البغيض النابع عن عقلية فوقية عرقية وكولونيالية، حيث ظن سابقًا أن ترهيبه سيخيف المواطنين العرب ويمنعهم من الخروج الى صناديق الاقتراع، والآن يظن أنه بكذبه السخيف يُمكن أن يخدع العرب "السُذج" أو يمكنه أن يشتريهم بإنجازات وهمية ووعود فارغة بعطايا وفتات من "فضله" و"كرمه" وبالطبع، بحج بسعر أرخص. والرد على هذه الإهانة لا شك سيكون مدويًا في صناديق الاقتراع صفعة أخرى على وجهه تساقط أنياب "الذئاب الخاطفة".

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب