على صدوركم باقون كالجدار | مليح الكوكاني

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

ما يشغل البال الآن واستمرارًا لمعركه البقاء والتجذر، في أرض الوطن، هو عنوان ما سجلته ودونته في بالي ووجداني، عن عذابات كنت قد استمددتها من أحاديث وحوارات ودواوين البسطاء والمهمشين على حافة الحياة اليومية، تلك الفئات الغلبانة والمحرومة من الكادحين المغيبين الناطرين على شواطئ الإنسانية المعذبة، سواء من بلدي أبو سنان أو غيرها من قرى المجتمع العربي المزروعة والمنتشرة على ناصية الأمل والحلم في ربوع الجغرافيا الوطنية، والحالمة بالسكن والمأوى الكريم واللائق لهم ولأولادهم الذين يكبرون يومًا بعد آخر، مع تزايد تكاليف معركة البقاء والصمود والعيش المستور وصعوبة طردية في ظل الضربات الاقتصادية والاجتماعية وجنون الغلاء الفاحش الذي تنزله حكومة الكوارث السياسية اليمينية الفاشية الاستيطانية، التي يقف على رأس الهرم فيها نتنياهو وزمرته الفاسدة من أقطاب الفاشية ووحوش رأس المال في هذه البلاد، وهذا  يؤدي بالتالي إلى إنزال الكوارث بالطبقات الضعيفة التي "تتمتع" بالدخل المحدود..

وفي هذه الحالة نجد أن الفقراء يزدادون فقرًا وهم الأكثر عددًا والأكثر انتشارًا وإنتاجًا وارتباطًا بعملية الانتاج والاستهلاك اليومي. مقابل هذا نجد الثراء الفاحش في ازدياد إلى درجة التخمة، لحفنة من مصاصي الدماء والناهبين لقوت ولقمة الأكثرية من الناس الغلابى. مثل هذا الوضع بالضرورة يخلق أزمات ونقاشات حادة وتوترات اجتماعية ومعيشية واحتجاجات تتسع وتضيق معالمها الحقيقية، ومنها أزمة السكن التي تعصف بالمجتمع العربي وخاصة بين جمهور الشباب، التي تدفع به هذه الحكومة نحو الهاوية، إلى مستنقع العنف والجريمة والهروب من مواجهة أسباب الأزمة في ظل السياسة الرسمية، لحمله على المغادرة والرحيل من أرض الوطن.

تصوروا أعزائي القراء، أن ثمن المتر الواحد من الأرض المخصصة للبناء بملكية خاصة (إذا وجدت!)، تساوي (5000) شاقل، ما يعني أن قسيمة بناء (500) متر تكلف اليوم حوالي (2) مليون شاقل، هذا فضلًا عن رسوم الطابو والضرائب المختلفة، والتي قد تصل إلى ما قيمته (2,5 مليون شاقل)، في الوقت الذي يجري فيه توسيع مسطحات البناء في قرانا بالقطارة السلطوية العنصرية التي تمتد لعشرات السنين، دون الأخذ بعين الاعتبار الزيادة والنمو السكاني للمجتمع العربي. إن مثل هذا الوضع يدفع بالكثير من المواطنين للبناء غير المنظم بدون رخص البناء على أرض بملكية خاصة ورثوها أبًا عن جد، وفي أبو سنان لوحدها هنالك أكثر من ثمانين بيتًا بدون ترخيص. إن مثل هذا الوضع يجعل المشكلة بعيدة عن الحل، بل ويزيدها تعقيدًا مبرمجًا كسياسة عليا لدى المؤسسات الحكومية ذات الشأن من لجان التنظيم بكل درجاتها وأسمائها المختلفة.

إن بلدًا مثل أبو سنان يقارب عدد سكانه (15000) نسمة على سبيل المثال لهو نموذج صارخ لمعظم قرانا العربية، وهو يحتاج فعلًا لأكثر من (1000) قسيمة بناء، هذا إذا توفرت الأرض، في ظل تقليص مساحات البناء والحصار الاستيطاني ومصادرة المتبقي من مشاريع سلطات الهدم، كخط تيفن المتوقف زمنيًّا بفضل هبّة الأهالي والسلطة المحلية، والذى خطط له أن يمر بوسط شوارع أبو سنان الداخلية، وهو مشروع يشكل خطرًا على الصحة العامة، "كُرمال عيون" مجلس تيفن الصناعي والنمو الاقتصادي لحفنة من كبار الرأسماليين والمستثمرين المحليين والأجانب، بغية تطوير منطقة الشمال، فيما تنعدم الصناعة في أبو سنان والمجتمع العربي في الجليل الغربي. كل هذا يجري تحت مختلف الذرائع والحجج العنصرية، وعلى حساب عدم توسيع مناطق النفوذ ومسطحات البناء للمجتمع العربي، للحيلولة دون حل المشاكل الأكثر تعقيدًا، كالسكن للأزواج الشابة وغيرها.

إن هذه العراقيل التي تضعها المؤسسات الحكومية الرسمية والمختصة أمام الأجيال الجديدة والمجتمع العربي ككل، تهدف إلى إبقاء قرانا وناسنا وإنسانيتنا في دائرة الغيتوات المغلقة والمنعزلة غير القابلة للتطور العصري، بل لقتل روح التحدي والنمو الحضاري وإبقاء المجتمع العربي في دائرة التهميش والنسيان خارج المنظومة الإنسانية، بلا أرض ووطن وهوية، ودفعه إلى مهالك الاقتتال والاحتراب الداخلي الذي يؤدي  إلى التهلكة في عملية البحث عن سراب المجهول، في عالم الفوضى الافتراضي والمخدرات وعصابات الخاوة وتجارة السلاح والتي تغذيها السلطة بسياساتها التهميشية والإلغائية لحمل المزيد من العرب والأجيال الشابّة على الرحيل بغيه ترك الأرض والوطن وإفراغه من أصحابه الأصليين.

 إن غياب التخطيط الشمولي طويل الأمد، من سلطاتنا المحلية، ليس هو السبب الأساسي في المشكلة، على الرغم من أن سلطاتنا المحلية ونوابنا في البرلمان لا يوفرون جهدًا في النضال ضد السياسة العليا. لهذا يتطلب الأمر وقفة جدّية أمام المرآة، بالسعي الدؤوب لتجنيد الجماهير، وتوسيع دائرة الغليان الشعبي وصولًا إلى دائرة القضاء والفضاء الدولي، إذ إن التمييز العنصري في "دولة اليهود" هو سياسة يجب مواجهتها والقضاء عليها، من أجل رفع الغبن اللاحق بحق 22% من سكان الدولة التي ترتكب أفظع الجرائم التمييزية المبنية على الأبرتهايد بحق مواطنيها العرب. واجبنا أن نوفع صوتناوإيصاله للرأي العام والمؤسسات الدولية، في دولة ونظام لا يحترم مواطنيه، ولا تعطى الحقوق المتساوية لأفراده، كي يعيشوا بكرامة واحترام،  فمهما عمل أساطين الفاشية والعنصرية الاستيطانية، عليهم أن يعرفوا أننا هنا على صدورهم باقون. نحن لن نرحل ولن نرضى بأقل من المساواة والسلام العادل. إنه شعارنا الذي كان وما زال وسينتقل من الجد إلى الابن ثم الحفيد. لن نتنازل عن حقنا في العيش الكريم في أرض آبائنا وأجدادنا قيد أنمُلة. ولن نساوم أبدًا.

 أبو سنان

قد يهمّكم أيضا..
featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة

featured

سقوط وهم الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل