قصة قصيرة: استقالة ورقة التوت

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

وجد كل مسؤول في الدولة في صندوق بريده ورقة توت خضراء يانعة، كل مسؤول  تناول الورقة وأخذ يتساءل حول المغزى والهدف من وجود ورقة التوت في صندوقه البريدي الخاص.

بصمت وهدوء قام كل واحد بإخفاء ورقة التوت، لم يقل المسؤول لزميله المسؤول  الآخر عن ورقة التوت، فقد اعتقد كل واحد أنها مرسلة اليه فقط، لذلك كان خيارهم الصمت المطبق وبلع اللسان وعدم اثارة الشكوك والانتباه، وهي من مميزات المسؤول لعدم الوقوع في المطبات السياسية.

في الاجتماع العام الذي نظمه الرئيس والقائد الأعلى في الدولة، طلب من المسؤولين في إدارة الدولة  الاصغاء جيدا لكلامه الهام، لأنه مقدم على خطوة مصيرية تصب في صالح الوطن، الموضوع باختصار أنه  سيغيّر جغرافية الدولة ويدفع السكان للعيش في رغد وبحبوحة ليبعد شبح الفقر ويختفي الفقراء والمتسولين، فقد قرر أن يبيع بعض الجبال وبعض الانهار وجزءا من الصحراء للدولة المحاذية التي تفتش عن مساحات لكي تطلق العنان لوجودها بدلًا من البقاء في جحر من الكيلومترات.

الرئيس يؤكد للشعب وللمسؤولين ان صحراء بلادهم  قاحلة والجبال جرداء والانهار قد جفت وبقايا المياه  قد تلوثت، ولم تعد صالحة للشرب و للسياحة والسباحة.

ضجت القاعة بتصفيق المسؤولين الذين وقفوا على اقدامهم مكبرين مهللين فقد وجدوا في البيع فرصة للتمتع بالمال و السفر خارج البلاد، وشراء كل ما يريدونه من مغريات حاملين شعار "اذا امطرت في بلاد بشروا بلاد" وها هو الرئيس يبشرهم بهذه البشرى التي ستفتح شهيتهم على الاقتناص.

 اصطفت الطوابير.. جميعهم سيوقعون ويختمون ويبصمون للرئيس، وحتى ينالوا رضى الرئيس، كانوا بعد التوقيع يقفون ويسلمون عليه بحرارة معتبرين هذه الخطوة الجبارة صالحة للوطن والشعب وتطوير دولتهم الفتية.

بعد التوقيع على أوراق البيع وامام المسؤولين الذين جاءوا من  الدولة المجاورة محملين بالأكياس المليئة بالمال وقاموا بوضعها امامهم انتظارًا للكاميرات التي ستنقل عملية التسليم، نصبوا خيام الرقص والغناء والدبكات ومنصات للشعر وعلقوا مكبرات الصوت التي ستحمل رنين المدح  وهمس الفرح  الذي  سيصدح ويملأ الأجواء.

في اليوم التالي اتصل الرئيس بكل مسؤول طالبًا منه القدوم الى الجلسة الخاصة والتي سيقومون فيها بتسليم الجبال والصحراء والانهار لرئيس الدولة المجاورة، دون ملابس رسمية، فقط على المسؤول وضع ورقة التوت على عورته.

وفي القاعة التي ضمت المسؤولين كان العري مترهلًا فوق الكراسي المخملية، وأوراق التوت قد اتخذت عدة اشكال، لكن جميعها لم تستطع إخفاء العورات، الغريب ان العري لم يخجل، بل وقف الرئيس مفتخرًا بورقة التوت التي قام بتزينها بعدة الوان، لأنه عندما تناولها صباحًا من الصندوق وجد أن أطرافها قد أصيبت بالاصفرار.

أثناء وقوف الرئيس على المنصة وبينما هو يلقي بخطبته العصماء، سقطت ورقة التوت واخذت تهرول بسرعة خارج القاعة، هاربة من المكان، ولم يستطع أحد اللحاق بها، فتشوا عنها في كتب التاريخ وفي معاهدات السلام وبين اقبية اللقاءات الدولية  السرية واللقاءات الدولية العلنية التي لم تعد تخجل من إعلانها.

في الصباح الباكر حملت وسائل الاعلام والفضائيات اخبارًا تؤكد ان ورقة التوت قد قدمت استقالتها أمام الجماهير بالبث المباشر،  لكن الرئيس رفض الاستقالة  وقد طالب الجيش ورجال الأمن بملاحقتها والقاء القبض عليها، ثم ارجاعها الى مكانها، لأنه لا يستطيع البقاء عاريًا دون ورقة التوت.

 

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-07 17:59:14

كلمة تقدير أكثر من شكر مستحق

featured
جلبير الأشقرج
جلبير الأشقر
·2026-01-07 16:38:38

لا… لم يتبنّ ترامب سياسة «تغيير النظام»

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-07 10:38:53

تسفي برئيل: المسار من قرية الترابين إلى حرب أهلية يمرّ عبر بن غفير

featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا