news-details
مقالات

من ذاكرة الوطن: المجاهد شاكر حامد طه بدارنة (ابو فرج) 1908 - 2004

اقترح صديقي ان نفاجئ نجله فرج (ابو حامد) بزيارتنا له في بيته. اعتلينا متن السيارة وبعد مدة قصيرة كنا نقف امام بيته الفاخر الضخم و الجميل في عرابة، قرع صديقي الباب، وتربطه معه علاقة صداقة عريقة و حميمة، تهادى لسمعنا صوت يأذن لنا الدخول، ولجنا صالة الاستقبال الرحبة والجميلة، وعندما رآنا طغت عليه المفاجأة فحدّق بعينيه لحظات ثم وقف وراح يرحب بنا ترحيبا حارا وعارما فقال حللتم اهلا ووطئتم سهلا.

 جلسنا على مقاعد فاخرة وثيرة اصطفت في الصالة وأخذنا نتجاذب اطراف الحديث وكان شيقا وذا شجون ونحن نحتسي القهوة عذبة المذاق، راح الصديقان يتمازحان وتشعب المزاح، وانهاه صديقي بقوله لنترك المزاح وندخل بالجد ثم قال: اهل عرابة يتناقلون حديثا عن والدك الله يرحمه ويذكرونه بالخير كرجل ذو طوية حسنة شهم نشيط وشجاع، وكان وطنيا بامتياز وقد ساهم في ثورة القسام سنة 1936، فاحمرّ وجهه وغمرته ابتسامة رهيفة، وتابع صديقي كلامه قائلا: وهل بك يا صديقي ان تحدثنا عما سمعته من قصص وحكايات مما سردها لكم والدكم عن الثورة ودوره الجهادي منها، فصديقي العزيز عمر يقوم بمشروع مهم، توثيق اخبار اولئك المجاهدين الذين قاوموا البريطانيين والاستيطان الصهيوني في تلك الحقبة من تاريخ فلسطين. عقد حاجبيه ابو حامد وقطب جبينه وكأن به راح ينتشل من مخزون ذاكرته ما رسخ فيها من قصص وحكايات عن الثورة رواها لهم والده المجاهد.

 تناول ابو حامد لفافة واشعلها ومج منها نفسا ونفث الدخان ليتصاعد في سماء ردهة الاستقبال فرمانا بنظرة تشع بالرضى، وعادت الابتسامة وغمرت وجهه النضير وقال، لقد استمعت من والدي وحفظت الكثير ولكن اقول كان والدي فلاحا نشيطا احب الارض وكانت معبودته وعشيقته الغالية ومن صفاته انه كان كثير العمل قليل الكلام وفي سياق الثورة فقد استمعت الكثير من القصص المثيرة عن الثورة من والدي وكان يحدثني بألم انه عندما كان يشاهد في شبابه ما يقوم به الجنود البريطانيون من تنكيل واضطهاد وتعذيب للمواطنين العرب العزّل ومداهمة البيوت ويعيثون فيها الخراب والدمار والسلب والنهب اتأثر من هذه الاعمال المشينة، فأثارت فيه الغضب وتأججت حميته، وكان يتمنى لو تسمح له الفرصة وينضم الى صفوف المجاهدين الذين عجز في الوصول اليهم، وهو فلاح منهمك في فلاحة الارض وغرس اشجار الزيتون ولا يعرف للثوار سبيلا.

اطرق قليلا ابو حامد، اشعل سيجارته ومج منها نفسا ونفث الدخان ليتصاعد في سماء الصالة وعاد يقول نقلا عن والده، وذات يوم بينما كان يحرث الارض مرت من هناك كوكبة من الثوار مدججين بالسلاح، فقرروا ان يأخذوا قسطا من الراحة عنده رحّب بقدومهم وتجاذبوا الحديث، فرأوا فيه رجلا قوي البنية عريض المنكبين طويل القامة، فعرضوا عليه الانخراط في صفوف الثورة، فانفرجت اساريره فسارع وابدى استعداده وبدون ان يستشير والديه نهض و سلم الفدان لشقيقه الاصغر الذي كان يرافقه وانضم اليهم وساروا من هناك من الارض في اتجاه الشرق وفي وادي ابو العجير بالقرب من طبريا قال خيمنا هناك وبتنا ليلة، اعطوني بندقية وفي ظهيرة ذلك اليوم واصلنا طريقنا نحو طبريا وكانت مجموعتنا قد التقت بمجموعة اخرى، عندها التقيت مع عدد من المجاهدين من عرابة ذكر منهم المجاهد فايز اسماعيل الشحادة وياسين النحلة نصار وصالح المنصور وأخيه يوسف المنصور الشيخ يوسف واحمد صالح نعامنة شحادة وعبد اللطيف الموعد ومصطفى الغزال عاصلة. وفي المساء كانت فرقتنا تتمركز من الجهة الغربية وفرقة اخرى من الجهة الجنوبية واخرى من الجهة الشرقية وعندما حانت ساعة الهجوم تقدمنا نحو مركز القوات البريطانية ودارت معركة حامية واستمرت كل الليل، واحتللنا المدينة وسقط من البريطانيين العشرات من القتلى والجرحى وبعد ساعات على احتلالها امر قائد العملية بالانسحاب.

 فانسحبنا، يتابع الوالد، وكنت قد اصبت بثلاث رصاصات واحدة في كتفي كان الجرح بسيطا والاخرى في رأسي وكان الجرح ايضا بسيطا والثالثة في ساقي في العظم فعجزت عن المشي فهرع المجاهدان ياسين النحلة والمجاهد مصطفى الغزال واسعفاني ثم سارعا في نقلي الى مكان آمن، ومن هناك نقلني رجال الثورة الى دمشق في سوريا والى المستشفى الفرنسي. وعندما تعافيت عدت الى فصيلي لأزاول نشاطي ثانية.

 وكما قال لي والدي، يتابع، انه شارك في معركة باب العمود وفي معركة الجاعونة وظل يقاوم الى ان اخفقت الثورة ستة 1939 فعاد الى القرية يمارس فلاحة الارض وقد استصلح مئات الدونمات من الارض وعاد ورعى قطيع الماعز القليل العدد الذي تركه ليجعله من اكبر قطعان القرية.

 ومع نشوب حرب 1948 تقلد بندقيته وظل يحارب الى آخر دقيقة استسلمت فيها القرية وبعد بضع سنوات من قيام الدولة وشى به احد العملاء فاستدعته السلطات للتحقيق واحتجزته في سجن الجلمة بتهمة مشاركته بالهجوم على طبريا، والدليل على ذلك ان في ساقه رصاصة فشفع له ونجا من التهمة وكان قد اصيب في ساقه في احدى معارك سنة 1948 في بنفس مكان الرصاصة الذي اصيب بها سنة 1936 فعندما اثبت ان الرصاصة هي من اصابة في احدى معارك سنة 1948 بتقرير طبي اطلقوا سراحه. وهكذا خلص من كيد الوشاة ونجا من صلف المخابرات.

 انهى ابو حامد روايته مما اختزن في ذاكرته متهللا بالغبطة والسرور مما رواه لهم والده وغمرت وجهه البسمة ثانية نهضنا شكرناه ودعناه وقد شددنا على يده وغادرنا المكان وفي جعبتي ما اكتبه للقراء الأعزاء من سيرة جهاد مواطن.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب