من ذاكرة الوطن: المجاهد الشهيد سلمان قاسم غضبان 1900/1938

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في احتفال تكريم الشاعر البقيعاوي حنا سمور في النادي الارثوذكسي في 18/7/2019، بمناسبة اصدار ديوانه الجديد، وفي مداخلته الجميلة عن البقيعة، مرّ على تاريخ البقيعة النضالي المشرّف منذ عقود، ومما استذكره الشاعر حنا سمور ما ورد في مقالة شيقة للشاعر نايف سليم - ابو الوليد المبدع وهو من مؤسسي لجنة المبادرة الدرزية، كان قد نشرها في صحيفة الاتحاد في احدى السنوات الماضية، عن استشهاد المجاهد سلمان قاسم غضبان ابن البقيعة وخمسة مجاهدين آخرين ارتقوا معه في معركة جدين. وبعد ان تهادى لسمع الجمهور ما اقتبسه من تلك المقالة مال عليّ صديقي وهمس في أذني قائلا: جاءتك مادة جيّدة للكتابة فهززت رأسي ايماءة مني بالموافقة على الفكرة.

لم اتقاعس عن تنفيذ الفكرة ولم تخمد حرارتها التي ظلت تسري في عروقي، فاندفعت في مساء اليوم التالي، اعتليت سيارتي برفقة صديقي واتجهنا صوب البقيعة، قطعنا الطريق كثيرة المنعطفات الخطيرة التي تشق جبل حيدر الشامخ واصلنا سيرنا فتوغلنا في منعطفات طريق شديدة الانحدار تخترق جبل الجميجمة الشاهق، فتراءت لنا تضاريسه الجبلية الوعرية الغنية بالاحراش والغابات الكثيفة، وبخضرتها الساحرة الخلابة، فبانت لنا قرية البقيعة وهي تربض على سفحي جبلين بثلاثة اقسام احدها من الجهة الشمالية والقسم الثاني من الجهة الجنوبية يربض على جبل مطلع الشمس والقسم الثالث يربض في القاع بين الجبلين.

دخلنا القرية وولجنا البلدة القديمة مكتظة الابنية بشوارعها النظيفة، واذ بنا نقف امام بيت الرفيق نايف سليم الشيوعي العريق والشاعر الوطني المبدع، صعدنا الدرج وطرقنا باب البيت فاشرع لنا فوجدناه يقف كالاسد في عرينه ليغمرنا باستقباله الحميم العارم، وبحفاوة جارفة عبّر عنها وهو يقول والله اشتقتلكو كما ما يشتاق الانسان لاخيه لا بل لحبيبتو، ولجنا غرفة الاستقبال المتواضعة الجميلة اصطفت فيها مقاعد فاخرة وثيرة، ولفت انتباهنا المكتبة الغنية بالكتب التي اصطفت في اماكنها في رفوف من الارض حتى السقف وراحت اعناقنا تشرئب ونحن نسلط انظارنا على المكتبة وعلى الكتب التي اكتظت فيها وترنّحت من الاعياء لكثرة تناولها وتقلب صفحاتها. وقد ادهشنا ايضا شهادات التقدير العديدة التي زينت الغرفة والمعلقة على الجدران وتداخلت مع صور كثيرة منها صورة لينين مفجر وصانع ثورة اكتوبر العمالية الاشتراكية سنة 1917 وصورة القائد العربي جمال عبد الناصر وصورة الزعيم والقائد العربي سلطان باشا الاطرش وصورة القائد الاممي البطل جيفارا وصورة القائد الوطني الشيوعي الشاعر الملهم توفيق زياد رمز مأثرة يوم الارض الخالد.

جلسنا وتجاذبنا اطراف الحديث وراح الشاعر ابو الوليد يتحفنا بطرفه العذبة ونكته الجميلة وهو صاحب نكتة تنطلق منه على السليقة وبلا تكلّف، سكب لنا القهوة انتهزت الفرصة ونحن فابلغته عن غايتنا من زيارته فرحّب بالفكرة وباركها، فقلت هات ما عندك من اخبار ومعلومات عن المجاهد الشهيد سلمان قاسم غضبان ابن البقيعة. صمت ابو الوليد هنيهة ثم قال بلهجته البقعاوية الجميلة: هيّا وبيتو جنب بيتنا الحيط علحيط ولازال احد ابنائه يسكن البيت ولكنه مسافر لكنت دعوته ليشاركنا الحديث، توقف قليلا عن الكلام وقال شو بدي اقول كان عمري ثلاث سنوات يوم استشهاده، ولكن ما سمعته من المشايخ وما تناقله الناس وهم يذكرونه بالخير ويذكرون بسالته وما حصلت عليه من كتاب شهداء الجليل لمصطفى الاسعد توفّرت لدي معلومات يمكن ان تستفيد منها وضروري نشرها، اطرق قليل ثم علت وجهه ابتسامة رقيقة وقال: كان الزلمة قائد فصيل وبطل بكل معنى الكلمة، ولكن قبل ان اغوص في الحديث عن الشهيد البطل دعوني واسمحوا لي ان احدثكم قليلا عن أهل قريتنا.

البقيعة قرية قديمة وتاريخها يعود الى آلاف السنين قرية وديعة اممية يقطنها جميع الطوائف واكثرية السكان من الطائفة العربية المعروفية، وقد عاشوا دائما في تآخٍ وهناك حكايات تشرح الصدر عن رجل ثري يدعى كامل القاضي وكان احد وجهاء القرية اصله من قرية الكابري المهجرة اليوم منذ النكبة سنة 1948 قدم الكثير لجميع الاهالي وبلا تمييز او استثنتاء وساعد بما يعجز عن تقديمه الآخرون، وهو من الطائفة المسيحية. عاش أهل البقيعة في حب ووئام وسلام ولم يسجل الزمن مشكلة طائفية واحدة هذا باختصار شديد عن اممية القرية، اما من الناحية المعيشية فقد كان الاهالي مزارعين ثم نهبت السلطات 80% من ارض القرية رغم خدمة التجنيد الاجباري للشباب، وبعد النهب تحولت الى قرية تعتمد على العمل، فيها عدد هائل من الشباب رافضي التجنيد الذين حكم عليهم بالسجن الفعلي وتقدر سنوات محكوميتهم بمئات السنين لكثرة عدد الرافضين منذ تنفيذ القانون الجائر وانا احدهم.

وبعد ان اغرقنا ببعض النكت عاد ابو الوليد يتابع حديثه فانهالت الكلمات منه ليطلعنا عن النزر اليسير عن حياة البقيعاويين المعيشية فقال، البقيعة مشهورة بكثرة ينابيعها الثرّة ففيها اكثر من اثنتي عشرة عين ماء للشرب ايام الصيف وفي فصل الشتاء تتدفق الينابيع فتبلغ اكثر من اربعين ينبوعا ولهذا استثمر الاهالي هذه المياه واكثر الناس من البساتين زرعوا فيها الخضراوات وكانوا يسوّقونها في الاسواق والقرى المجاورة، وزرعوا اشجار الفاكهة من الرمان والدراق والمشمش، واهل البقيعة اشتهروا بزراعة الكرمة وكل بيت كان ينتصب عليه دالية ويستعملونها كعريشة يستظلون بها ايام الصيف.

وعندما شعر ابو الوليد انه استرسل في الحديث وخرج عن سياق غرضنا توقف وقال عكرتها وخربتها، فتقول امثالنا يا اخي ان ما انعكرت ما بتصفى وان ما خربت ما بتعمر، فضحكنا صديقي وانا وقلت لنبدأ بالحديث عن موضوعنا. صمت قليلا ومد يده على رأسه وسوّى كوفيته على رأسه وقال: كان القائد المجاهد سلمان قاسم غضبان ابو قاسم بطل من ابطال الثورة وقائد فصيل واثناء تجواله سافر الى حيفا وهناك تعرف على القائد الرمز الشيخ المجاهد عز الدين القسام وانخرط في صفوف المقاومة وبدأ يحارب الانجليز بحماس وضراوة، وترصدهم من الجاعونة حتى عكا، صمت قليلا ابو الوليد واطلق زفرة خرجت من سويداء قلبه ثم تابع يقول: في احدى المعارك التي قادها المجاهد سلمان الغضبان اخذوا مواقعهم على مرتفعات سبلان الغربية وكان ذلك في 7/3/1938 وبدأت المعركة صباحا، دفع البريطانيون الى المعركة اعدادا كبيرة من الجنود المشاة فقد صعّب ذلك على الطائرة التي كانت تحاول القضاء عليهم، وكان معه من قادة الثورة المجاهد عبدالله الاصبح وابو ابراهيم ومحمد خليل وعبد الله الصالح وسعد الخالدي. ودارت المعركة وكانت حامية الوطيس واستمرت 48 ساعة قتل وجرح فيها عشرات الجنود البريطانيين، واستشهد فيها من الثوار مجاهدان من الفصيل اللبناني كما اكد الناس وتناقلوه عبر السنين كان احدهم مسيحي والآخر درزي، كما استشهد عبد الله الصالح مناصرة من قرية اندور في مرج ابن عامر والشيخ سعد الخالدي ومعه القائد الفلسطيني عبد الله الاصبح، وتخليدا لذكراه لا زالت الارض هناك تسمى (كفّة الاصبح).

ويحكى عن بطولة المجاهد سعد الخالدي الذي جاء من الاردن من منطقة المفرق شرقا انه جرح في هذه المعركة فتسلق شجرة وراح يصطاد الجنود الانجليز وقتل منهم خمسة حتى اكتشفوه وصوبوا نحوه اسلحتهم وصرعوه وقد نقلت جثامين الشهداء ودفنت في ارض البقيعة ولا زالت قبورهم حتى اليوم تشهد لهم على بطولتهم، وقد نجا سلمان العضبان في هذه المعركة. وبالرغم من خسارة المجاهدين وارتقاء بعض القادة لم ييأس المجاهد سلمان الغضبان فواصل جهاده ونظم فصيله وراح يهاجم الانجليز ويترصد دورياتهم فقض مضاجعهم ولما اكتشفوا امره تحصن في جبل رخصون في منطقة جدين وفي موقع سريتح بالقرب من سبلان وجدين وأعد الانجليز لمهاجمتهم عددا كبيرا من الجنود البريطانيين. وحسب الاخبار التي تناقلها الناس جندل الثور من القوات المهاجمة اكثر من خمسين جنديا بريطانيا، ارتقى فيها المجاهد سلمان قاسم غضبان ومحمد علي الغضبان ابن عمه ويوسف صالح خير وفارس سليم نحلة وسعيد حمود سعيدة ومبدا موسى من سحماتا ومن الجرحى نايف اسعد عامر واسعد يوسف يكريه، وقد نُقِلت الجثامين الخمسة الى مغارة، ظلت خمسة ايام مما ادّى الى تحلّلها وبصعوبة حملها الاهالي وواروها الثرى كان ذلك في 6/10/1938 وتكريما لهؤلاء الشهداء كان اهل البقيعة يرددون بعضا من ابيات الشعر من قصيدة مطلعها (يا جبل رخصون يا غدار ريتا تولّع في جنابك نار) ( وريتو يعشش في خرابك بوم يا مقتّل الثوار في آذار) (خمسين جندي دحدل ابطالنا وقبل الشهادة كان اخذ الثأر).

استراح ابو الوليد قليلا ثم تابع يقول: كان المرحوم المجاهد سلمان قاسم الغضبان من الشخصيات العربية المرموقة فهو الوحيد من الطائفة المعروفية العربية الدرزية الذي سجن مع القائد الفلسطيني الحاج امين الحسيني في سجن صرفند ومعهم القادة الفلسطينيون عوني عبد الهادي وسليمان طوقان وعجاج نويهض. وفي هذه المناسبة اهدى الحاج امين الحسيني المجاهد سلمان الغضبان قرآنا ممهورا بخط يده ثم استذكر وقال ان حفيدة المجاهد ابنة ابنه قاسم الذي شغل رئيسا لمجلس البقيعة لسنوات خلت هي زوجة ابني، ثم استذكر وقال حفيدته الثانية سماح تعيش بقلب الشهيد الشاب احمد الخطيب ابن جنين التي تبرعت عائلته بقلبه للمرضى المحتاجين فكان نصيبها قلب الشاب فتقديرا للجميل والعرفان تقوم الحفيدة بين الحين والآخر بزيارة العائلة المتبرعة. انهى الرفيق نايف حديثه عند هذه النقطة المليئة بالإنسانية فما كان منا الا ان نشكره، شددنا على يده وودعناه شاكرين متمنين له العمر المديد.

(عرابة)

 

في الصورة: صورة قديمة لقرية البقيعة، من أرشيف مجلسها المحلي

قد يهمّكم أيضا..
featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-07 17:59:14

كلمة تقدير أكثر من شكر مستحق

featured
جلبير الأشقرج
جلبير الأشقر
·2026-01-07 16:38:38

لا… لم يتبنّ ترامب سياسة «تغيير النظام»

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-07 10:38:53

تسفي برئيل: المسار من قرية الترابين إلى حرب أهلية يمرّ عبر بن غفير

featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا