news-details

هل تستعيد المعارضة الشعبية لحكومة نتنياهو حيويتها| امير مخول

تظاهر عشرات الالاف من الاسرائيليين وفي المدن المركزية مساء السبت 24 شباط وتم اعتقال عشرات المتظاهرين الذين اقتحموا شوارع رئيسية وساحات عامة وحصريا في تل ابيب. ترافقت مع عنف غير مألوف من الشرطة تجاه حركة الاحتجاج الاسرائيلية. وثمة ما يشير الى احتمال تطور هذه التظاهرات وعودتها الى زخم الاحتجاجات على التعديلات القضائية التي سبقت الحرب على غزة. لكن بالمقابل تعاني قوى المعارضة وحركة الاحتجاج من الضعف والتشرذم وغياب البدائل السياسية لاستمرار الحرب، في وقت يشهد فيه الشارع الاسرائيلي تحولا ملموسا نحو التطرف اليميني ذو السمات الفاشية والذي يجمع بغالبيته على إبادة الفلسطينيين والانتصار الساحق عليهم.

من ملامح هذه التظاهرات الجديدة انها جمعت عدة مشارب وروافد من حركات الاحتجاج وارتفع منسوب المطالب السياسية فيها، الى جانب حراك عائلات الاسرائيليين المحتجزين في غزة. كما تزامنت مع حملة اعلامية تجتاح وسائل الاعلام المرئي والمسموع ووسائل التواصل الاجتماعي ولافتات الشوارع تحت شعار "انت الرئيس وانت المُدان" والموجهة الى نتنياهو، تتهمه فيها بالمسؤولية التي لا يريد ان يعترف بها عن اخفاق السابع من اكتوبر 2023 وادارة الحرب. وتعتبر هذه الحملة والتي تقوم بها جمعية "محاربو حرب يوم الغفران" وفقا لصحيفة "معاريف" الاكثر أثرا ونفادا على مستوى الاثر الشعبي وفي بلورة الراي العام، وأكثر ما يقلق نتنياهو واحتمالية بقاء حكمه".

في المقابل تدار حملة قوية من قبل اوساط مؤثرة في الليكود واقصى اليمين ومكتب رئيس الحكومة تسعى الى تقويض حراك عائلات الاسرى والرهائن المحتجزين في غزة، واشاعة انهم من سكان الكيبوتسات ويتماثلون مع "اليسار المتطرف" لدرجة وصمهم بالمعادين للجهد الحربي، وهي مفردات يقصد بها اسرائيلياً نزع شرعيتهم وشرعية المحتجزين في غزة.

بات واضحا الفرز في الموقف والسلوك بين الاجهزة الامنية الرئيسية، ففي معظم الحالات نجد ان موقف الجيش والشاباك لديهما تقديرات موقف مشتركة، بينما بات التحدي لهذه التقديرات يأتي من جهاز الشرطة الذي نجح وزير الامن القومي بن غفير بفرض سطوته السياسية على قادته، فمقابل قرار الجيش والشاباك منع اغلاق المستوطنين واوساط اقصى اليمين لمعبر "كرم ابو سالم" ومنع دخول حافلات المساعدات الغذائية والطبية الى غزة، اعتبرت الشرطة ذلك حرية تعبير وتظاهر، ومقابل توصيات الجيش والشاباك للحكومة بعدم فرض تقييدات على دخول المصلين للمسجد الاقصى في شهر رمضان باستثناء الشخصيات الممنوعة "أمنياً"، فقد ساندت الشرطة مطلب التقييدات الشاملة بروح الوزير المسؤول عنها بن غفير ومعظم وزراء الليكود والصهيونية الدينية. يتعاظم وزن موقف الشرطة على القرار السياسي، ويكثر الحديث اسرائيليا عن الشرطة بأنها باتت مطوعة للوزير بل وان "شرطة بن غفير" تحمي انشطة أقصى اليمين وتقمع كل من يناهض الحكومة.

هناك عقبتان اساسيتان تقفان امام هذا الحراك الاحتجاجي: الاولى ان الرأي العام الاسرائيلي قد تغير بعد السابع من اكتوبر، وهناك اتجاهات قوية للغاية نحو تبني روح "الكهانية" القائمة على الانتقام وعلى اعتبار "جميع الفلسطينيين حماس وينبغي التخلص منهم والانتصار عليهم"، وهي تدعو الى مواصلة الحرب وعدم الاكتراث لأية محاذير قانونية او انسانية تقف في وجه "الانتصار الساحق وابادة العدو".

 العقبة الثانية، هي ضعف البدائل لحكومة نتنياهو وحصريا وجود حزب المعسكر الرسمي برئاسة غانتس في كابنيت الحرب واتهامه بان ما يحركه هو الاستطلاعات التي تمنحه شعبية واسعة وانه بات رهينة لموقف ادارة بايدن التي تدفعه الى البقاء في الكابنيت خوفا من تفرّد بن غفير وسموتريتش بالقرار، فهذا الحزب المرشح حاليا لرئاسة الحكومة، لا يطرح اي تصور استراتيجي لمخرج سياسي من الحرب، بل يعتمد التكتيك الانتخابي الذي يضمن له الفوز لاحقا معززرا بنشوة الاستطلاعات.

تجمع التقديرات بأن حكومة نتنياهو ستكون أضعف وأقل قدرة على مواصلة الحرب في حال انسحب المعسكر الرسمي منها، وبأن مثل هذا الخروج سيدفع نحو سقوط الحكومة وانتخابات جديدة وسريعة تنقذ البلاد من مضاعفة وزن بن غفير وسموتريتش في حال استمرارها.

من بين اصحاب هذه التقديرات رئيسا الوزراء السابقين ايهود براك وايهود اولمرت، وكلاهما يدعو الى مخرج سياسي وعملية سياسية مع الفلسطينيين وحصريا مع القيادة الفلسطينية التي سعت وتسعى ادارة نتنياهو لتقويضها وإلغاء دورها، وكلاهما يشدد على الضرورة القصوى لتغيير الحكومة، وهما ليسا من صانعي السلام بل من باب إنقاذ اسرائيل وامنها القومي.

الدمج بين مطالب عائلات الاسرى والمحتجزين في غزة وبين حركة الاحتجاج من اجل انتخابات جديدة، يعزز في الواقع قناعة نتنياهو واقصى اليمين بأن الحراك هو حراك سياسي لتغيير الحكومة في زمن الحرب (غير محدودة الأمد)، بينما من شأنه أيضا ان يعزز حركة الاحتجاج الاسرائيلية ويوسع صفوفها لتطرح بدائل سياسية لحكومة نتنياهو وحتى للمعارضة الرسمية ولحزب المعسكر الرسمي بقيادة غانتس.    قد يكون مشروع الجنرال السابق يئير غولان من حزب ميرتس نحو تشكيل تكتل من "اليسار الصهيوني" والقوى اللبرالية تحديا لكل من غانتس ولبيد ومسعى لتأسيس "حركة انقاذ" وفقا لغولان، وليس فقط شخصيا وانما برنامجا يقوم على "وضع قضية السلام الاسرائيلي الفلسطيني وحل الدولتين" في المحور، وهو مشروع بحد ذاته لا يجد مقومات النجاح الكاملة خاصة وان حزب العمل لغاية الان لا يقبل ان ينضوي تحت مثل هذه المبادرة.

للخلاصة: توجد ملامح لتنامي سعة وأثر حراك عائلات المحتجزين في غزة ولحركة الاحتجاج المناهضة للحكومة وتتسع حلقة القوى المعنية بانتخابات برلمانية سريعة وبتغيير حكومة نتنياهو بن غفير وسموتريتش، مقابل اتساع حلقة مؤيدي الاخيرين. وتتزايد الأصوات التي تطالب غانتس بالانسحاب من كابنيت الحرب التي تعتبر بقاءه يشكل شراكة لنتنياهو في سياساته واخفاقاته، وبأنه يعوّق دور حركة الاحتجاج.

من المتوقع ان يدفع عنف الشرطة القمعي ضد حركات الاحتجاج مقابل حمايته لحراكات اقصى اليمين الى خلق نقيضه واستنفار القاعدة الواسعة لحركة الاحتجاج كي تعود الى الشارع نحو اسقاط الائتلاف الحاكم. وبالمقابل، لا تزال المعارضة الرسمية تعاني من الضعف وعدم التجانس وتفتقر لأي تصور معلن عن المخرج السياسي من الحرب والبديل للحكومة الحالية. ورغم الادراك العميق ان للإدارة الامريكية دور في التفاعلات الداخلية الإسرائيلية، الا ان الخطاب اللفظي المتلعثم لهده الإدارة حول استمرار الحرب والموقف من "دولة فلسطينية"، لا يكفي لترجيح كفة قوى المعارضة لحكومة نتنياهو، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الامريكية.

(تصوير: أورن زيف – أكتفستلز)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب