news-details
مقالات

​ معتزّ بالقرية ونسيمها وأهلها

ولدت في 21/1/1955 في قرية بيت جن القائمة بين اربعة جبال شاهقة وعندما كبرت وصرت استوعب الامور، صرت اتمعن في جمال قريتي الاخاذ من كروم العنب المنتشرة بخضرتها الجذابة وتلالها الخضراء وجبالها الشماء واشجارها الساحرة الفتانة من خوخ وتفاح وجرنك وتين وتوت ولوز، الى السنديان والعبهر والشبرق والزيتون والبطم، استمد منها حب الحياة والسعي لتكون سعيدة يلفها الاستقرار والامن والامان والسلام والناس اهل واخوة، بلا  نوايا سيئة وينبذون العداوات والخلافات ويعمقون المشترك بينهم. ودرجت على التعامل مع بيت جن من موقع السهلة حتى الجرمق كقرية واحدة وحارة واحدة وبيت واحد وعائلة واحدة ومصيرها وغايتها واحد.

وعندما بلغت العاشرة من العمر صرت ارافق والدي ووالدتي الى الكروم لقطف العنب وللحراثة، وتأخذني الوعور والكروم بجمالها وروعة المناظر التي زرعت في نفسي منذ الصغر الحب للارض والتشبث بها وحب الخير للناس كل الناس، اعتز بنفسي انها شربت الجمال حتى الثمالة لذلك قبل ان اقوم بأي عمل او سلوك افكر، وأعد للعشرة لكي يقول الناس عني انني مربى وفش منو ولا ان يلعن امو. واذا دخلت في نقاش مع آخر ورأيه مغاير لرأيي ادعوه للنقاش بشكل حضاري وباحترام، من منطلق خلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وانه اذا اختلف رأيي مع رأيه مئة بالمئة فهذا لا يمنع التعاون على المشترك. فأقول له على سبيل المثال، اذا سلكنا هذا الطريق حتى النهاية لا بد ان نقطف الثمار الطيبة، فيقول لي انا اعتقد اذا سلكنا هذا الطريق تكون النتائج أفيد وثالث يقول انا اعتقد انه اذا سلكنا هذا الطريق نعيش بأمن وامان وتآخ ومحبة فاقول لهما: يبقى الواقع اكبر واصدق حكم فهو الذي يحسم اي طريق يجب سلوكه لتكون النتائج مفيدة للجميع.

ثم اننا كأولاد قرية واحدة وينقصها على سبيل المثال مدرسة فهذا يفرض علينا شبك الايادي والتعاون والنضال لانجاز مشروع المدرسة. وعندما تكون مدرسة عصرية فهي مفيدة للجميع وقس على ذلك. ومما اذكره من ايام الطفولة عندما كانت جدتي تقول ركبوا السطوح اي ان اهل الحارة الغربية وكان منهم مختار انتشروا على سطوح محاذية لدار المختار من الحارة الشمالية، واخذوا يقذفون الحجارة عليها. ويومها كان الناطور في القرية يبلغ عن اي موضوع، ويومها لم تكن خلاطات باطون وكان الاهالي يلبون نداء الناطور ويفزعون لجَبْل الباطون على الايادي. ومما اذكره عندما بنى جارنا بيته ونادى الناطور اهل النخوة للمساعدة كان بعد اسبوع من ركوب السطوح والرجم بالحجارة واذ بالراجمين فازعين ومنهم من يحمل المرّ/الكريك ومنهم الصبة والدلو ليتعاونوا مع اهل الحارة الشمالية في جبْل الباطون وكأنهم لم يركبوا السطوح قبل فترة، ويصطلحوا بلا جاهات او لجان صلح، وذلك لان النوايا السيئة معدومة بينما في هذه الايام تفشل لجان الصلح والجاهات في اصلاح ذات البين بين اشقاء تخاصموا على توافه.

وامتازت قريتي بالتعاون والمجاملة والفزعات لانجاز الاعمال، فاليوم مثلا عند هذا الرجل وبعد انجاز العمل ينتقلون الى آخر مما يزيد توطد العلاقات بين الناس كذلك المشاركة في الاعراس وصفوف السحجة.  وفي ايام الصيف كان يلفت النظر سهرات السطوحة والعلالي وكانوا يستمعون الى الحكايا ويلعبون الشدة ويتبادلون الطرائف، واذكر في احد ايام الشتوية كنا نتحلق حول الوجاق واذ بالناطور ينادي، فقال  والدي لوالدتي ان تخرج من البيت لمعرفة على ماذا ينادي وعندما رجعت قالت له "عم بنادي انه قاسم عزه بدو يصير دكتور" وعندما عندت على رأيها فش غله بالمسبه والشتائم، فقد كان الناطور ينادي ان قاسم عزه بدو يصب باطون وبدو مروّتكو.

وكانت مواسم القرية كلها زهر وتشهق بعبير التعاون والمساعدة من منطلق طيبة القلب والبساطة والتواصلات الاجتماعية والتعاون على البر والتقوى ونبذ المنكر والعدوان، ما يزيد النخوة والشهامة والهمة وان الوفق بيعين عالرزق، ومما لفت انتباهي ان ثمر الاشجار المتدلية نحو الطريق هي من نصيب الغادين والرائحين وهناك من لم يكن يمد ايده لقطف كوز تين او قلب خوخ او مشمش، فيصيح عليه والدي يا بو فلان سايق عليك الله تجابرنا بكوز تين، ومما كان منتشرا وبشكل ايجابي الخبز المرقوق او كما يسمونه في بيت جن خبز الصاج ولرقه على المرقة نغمة لذيذة وممتعة فما ان تبدأ احداهن بالخبز، واذ بالجارات يتكومن حولها ويأكلن الخبز السخن مع الزعتر واللبنة. وقد اوحى لي ذلك بتأليف رده تقول: رقة الخبز عزامه/ عالقهوة العربية /وينك يا ابن الكرامة / شرفنا  عالصبحية /الحمدلله عنا دامه / جابرنا وكلك طلمية/ حتى يصير بيناتنا / خبز وملح ونعيش هالعمر اهل وخلان.

كذلك تناول الكبة النية واذا تعذر وصول الجيران تصلهم حصتهم من الكبة الى البيت ما يدل على عمق العلاقات الطيبة بين الاهالي، الامر الذي يؤكد قولهم ما النا اعداء، وتعتز قرية بيت جن، مثلما يعتز هو بها، بالكاتب المبدع محمد نفاع وتتفاخر انه من ابنائها البررة ومن صفوة الشجعان الذي نجح يراعه في وصفه للقرية وكل ما فيها ان ينطق الصخور والشجر والزهور وذرات التراب والينابيع وعيون الماء والتلال الخضراء التي تنشد في جوقة واحدة وكلامها يقول: احلى كلام الحب لي ولجيراني واهلي سلموا لي عالحبايب في كل الاقطار فكل قرية بالنسبة لي قطر رائع وبديع يفاخر برشفة من جوفي الملآن شهدا وكلما سكبته في القرى فاض من جديد، لان رحمه خصيب وطيوره تردد  اجمل تغريد ولا اعرف النحيب ويا احبابي فراقكم مر فزوروني، ابوابي مشرعة لكم واهلي قراة ضيف نضرب بهم المثل ووقفتهم جميعا في الزابود لحفظ الارض وعدم مصادرتها من قبل الحكومة النهابة الشفاطة، هي بمثابة وسام أزين به صدري معتزة بأهلي ونخوتهم وطيبتهم وشجاعتهم.

وأنا المهد الذي حبوا فيه وتصلبت اعوادهم وهدموا كل ما يحول دون تآخيهم وتقول بيت جن من خلال قلم المبدع الاصيل والشهم النبيل الكاتب محمد نفاع: امد لاهل وطني جميعا يدي الجبلية العابقة عبر السهول والجبال لتصافح حلفاء الكفاح من اجل الابداع والصمود واعتز انه يمنح مداد يراعه برشفة من نسائمي الوعرية العابقة لتظل كل كلمة من قصصه ورقة من اوراق زهوري، واذا كانت اوراق الورد تذبل وتصوح فأوراق كلامه لا تذبل لانها عندما تعانق الانسان وتكحل عيونه تذوب في عقله ودمه ووجدانه وتضمخ ضميره، وتحثه على العمل الطيب الانساني الجميل لينال الاحترام والتقدير من اكثر ما يمكن من البشر وهو الذي اثبت للعالم بأدبه انه عملاق وهو عندي سر هذه الغرة الشماء في خلدي ومنبع جمالي وهو ما اعتز مفاخرة به بانه وسامي الشامخ على جبيني الرائع.

 

 

كلام الصورة: منظر عام للقرية في يوم شتوي (تصوير: نزيه قبلان)

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب