سجل الإمبراطورية الأسود

A+
A-
الديوكسين وحرب فيتنام: العنف البيئي بين الحرب الباردة والاستعمار الجديد. مروحيات ترش "العامل البرتقالي" في دلتا نهر ميكونغ. صورة من مجموعة الجيش الأمريكي، عن ويكيبيديا

الديوكسين وحرب فيتنام: العنف البيئي بين الحرب الباردة والاستعمار الجديد. مروحيات ترش "العامل البرتقالي" في دلتا نهر ميكونغ. صورة من مجموعة الجيش الأمريكي، عن ويكيبيديا

 يمثّل استخدام الولايات المتحدة لمبيدات الأعشاب الملوَّثة بمركّبات الديوكسين (TCDD) خلال حرب فيتنام (1961–1971) إحدى أكثر القضايا دلالة على تحوّل العنف العسكري الحديث من القتل المباشر إلى تدمير بيئي–بيولوجي طويل الأمد. ففي إطار برنامج Operation Ranch Hand، رُشَّ ما يزيد على 80 مليون لتر من مبيدات الأعشاب على مساحات شاسعة من جنوب فيتنام، كان أشهرها Agent Orange العامل البرتقالي، الذي تبيّن لاحقًا أنّه ملوَّث بكميات مرتفعة من الديوكسين، أحد أكثر السموم الاصطناعية فتكًا واستدامة في البيئة.

من الناحية العسكرية، برّرت القيادة الأميركية هذه العمليات بوصفها وسيلة «تقنية» لإزالة الغطاء النباتي وتدمير المحاصيل، بما يحرم قوات الفيتكونغ من الحماية والموارد. غير أنّ هذا التبرير التقني أخفى، كما أظهرت دراسات لاحقة، انتقالًا نوعيًا في مفهوم الحرب ذاتها: من مواجهة عسكرية محدودة إلى إدارة عنيفة للطبيعة والسكان معًا. فالديوكسين لا يقتل فورًا، بل يتراكم في الدهون البشرية، وينتقل عبر السلسلة الغذائية، ويُحدث آثاره الكارثية عبر أزمنة ممتدّة، ما يجعل منه مثالًا نموذجيًا لما سمّاه باحثون معاصرون «العنف البطيء» (Slow Violence).

تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) ومنظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أنّ ما يقارب 3 ملايين فيتنامي تعرّضوا لآثار مباشرة أو غير مباشرة للتلوّث بالديوكسين، بما في ذلك ارتفاع معدلات السرطان، واضطرابات الجهاز المناعي والهرموني، وتشوهات خلقية استمرّت عبر أجيال لاحقة. كما حدّدت هذه التقارير «نقاطًا ساخنة» للتلوّث حول قواعد جوية أميركية سابقة مثل دا نانغ وبيان هوا، حيث بقيت مستويات الديوكسين أعلى بكثير من المعايير الدولية لعقود بعد انتهاء الحرب. ويكشف هذا الاستمرار الزمني للأذى عن فجوة عميقة بين نهاية الصراع العسكري رسميًا واستمراره فعليًا في أجساد البشر وبيئاتهم.

من منظور تاريخ-كتابي، شهد تفسير هذه الظاهرة تحوّلات مهمّة. فقد هيمنت في البداية (خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين) مقاربة تقنية–عسكرية قدّمت استخدام مبيدات الأعشاب بوصفه إجراءً مشروعًا لا يندرج ضمن الأسلحة الكيميائية المحظورة. غير أنّ أبحاثًا لاحقة، ولا سيما منذ ثمانينيات القرن العشرين، بدأت تربط بين الديوكسين والاستمرارية الاستعمارية في سياسات القوى الغربية، معتبرةً أنّ ما جرى في فيتنام ليس استثناءً، بل امتدادٌ لمنطق استعماري قديم يُخضِع الطبيعة والسكان معًا لإرادة القوة المهيمنة.

في هذا السياق، شدّد باحثون مثل W. F. Albright وآخرين على أنّ العنف البيئي في فيتنام لا يمكن فصله عن تراث أوسع من استخدام السموم والأوبئة والتجويع في الحروب الاستعمارية. ومع تطوّر الدراسات ما بعد الاستعمار، أُعيدت قراءة حرب فيتنام بوصفها مختبرًا مبكرًا لـ الاستعمار الجديد في زمن الحرب الباردة، حيث تُوظَّف التكنولوجيا المتقدّمة لإدارة السكان «غير المرغوب فيهم» عبر تدمير شروط الحياة نفسها، لا عبر الإبادة الفورية فقط.

كما أثار هذا الملف نقاشًا قانونيًا وأخلاقيًا مستمرًا. فعلى الرغم من اعتراف الولايات المتحدة لاحقًا بتأثير الديوكسين على قدامى محاربيها وتعويضهم جزئيًا، ظلّ الاعتراف بحقوق الضحايا الفيتناميين محدودًا ومتأخرًا. وقد اعتبرت تقارير UNDP أنّ هذا التمييز في التعويض يعكس لا مساواة بنيوية في النظام الدولي، حيث يُعترف بالضرر حين يصيب مواطني الدولة المهيمنة، ويُهمَّش حين يصيب شعوبًا خاضعة سابقًا للاستعمار.

ضمن النقاشات النظرية الأوسع، جرى توظيف حالة الديوكسين في فيتنام لإعادة التفكير في مفاهيم مثل جرائم الحرب والإبادة. فبدل الاقتصار على نماذج القتل الجماعي السريع، تدفع هذه الحالة نحو إدراج التدمير البيئي طويل الأمد ضمن أشكال العنف القصوى، بما يتقاطع مع أطروحات حول العنف البنيوي والسيادة البيولوجية. وهكذا، تغدو فيتنام مثالًا كاشفًا عن كيفية تحوّل الحرب الحديثة إلى عملية إعادة تشكيل للزمن البيولوجي والاجتماعي للشعوب المستهدفة.

لم تكن بريطانيا، بوصفها إحدى القوى الاستعمارية الكبرى، عندها، بمنأى عن هذا النمط من العنف، بل شكّلت أحد مختبراته المبكرة. فقبل التدخل الأميركي في فيتنام، كانت بريطانيا قد استخدمت سياسات العقاب الجماعي، والتجويع، والتدمير البيئي في مستعمراتها، من الهند إلى مالايا وكينيا. ففي حالة مالايا (1948–1960)، لجأت السلطات البريطانية إلى إزالة الغابات، وحرق القرى، واستخدام مبيدات كيميائية ضمن استراتيجية «مكافحة التمرّد»، وهي ممارسات يرى عدد من المؤرخين أنها شكّلت سابقة مباشرة لما طوّرته الولايات المتحدة لاحقًا في فيتنام. وبذلك، لا يظهر العنف الأميركي بوصفه انحرافًا استثنائيًا، بل امتدادًا لمنطق إمبريالي أقدم ساهمت بريطانيا في ترسيخه، حيث يُدار الصراع عبر الهندسة القسرية للبيئة والسكان معًا.

مراجع أساسية :

UNEP, Environmental Assessment of Dioxin Contamination in Viet Nam

WHO, Dioxins and their Effects on Human Health

UNDP, The Legacy of Agent Orange in Viet Nam

Stellman et al., “The Extent and Patterns of Usage of Agent Orange and Other Herbicides in Vietnam,” Nature

الكرمل حيفا، كانون ثاني 2026 

قد يهمّكم أيضا..
featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة

featured

سقوط وهم الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل