الرفاق الأعزاء في القيادة الحزبية، التي تواصل العمل وتجتاز المحن وتشُقّ الطريق في ظروف اليوم، يا من تواصلون طريق الشيوعية بكل فخر واعتزاز، بعد أن دشّنها جيل التضحية والعطاء في الزمن البعيد، في القِدم، دون توفر مستلزمات الحياة والتكنولوجيا الحديثة.
نحن وأمثالي، جيل ما بعد الحكم العسكري سيّئ الصيت، ندرك جيدًا – وقد لا يدرك البعض – أن للحزب الشيوعي في هذه البلاد تاريخًا مشرّفًا، وصفحاتٍ مجيدةً وغنيةً من النضال، سطّرته مدرسة من الشخصيات والرجال، الرجال الحُمر، لرسم معالم فتح الطريق، ولمن أراد ويريد أن يتعلّم معنى الكفاح الذي لا هوادة فيه، لرفع شأن الراية الشيوعية والوطنية، وانتصارًا للمبادئ والقيم، ووفاءً للشعب والجماهير والكادحين. عليه أن يعود إلى الجذور التاريخية للشيوعيين والحركة الوطنية، وإلى تسلسل الأحداث، والوقوف على صفائح المنعطفات الكفاحية، منذ عشرينيات القرن الهارب وما قبل، وأن يقف عموديًا على حقيقة أن أدبيات وصفحات الشيوعيين الأوائل وطريقهم الثوري كان مُلهمًا وزاخرًا بالعمل الكفاحي والبطولات اليومية.
من يريد أن يكتسب ويتعلّم فن النضال السياسي والفكري والجماهيري، والإبداع الكفاحي بين طبقة الكادحين والمنظمات الشعبية، عليه أن يتعلّم من تجربة الرفاق الأوائل في الظروف القاهرة، والسرّية الشديدة، وقلّة المعيشة، والموت المُحدق في كل زاوية. يتعلّم معنى التضحية والوفاء والبسالة والدقة والتنظيم الصارم والموقف الواضح، في ذلك الزمن العتيق العابر، غير المسبوق والعاصف، في هذه البلاد وغيرها المجاورة. يتعلّم كيف كانت اليد تتحدى وتلاطم المخرز، وتحقق أغلى الانتصارات والمعجزات الثورية لمستقبل أفضل، وسط فضح دسائس الأعداء السياسيين والطبقيين وحلفائهم في هذه البلاد والمنطقة والعالم.
في دراستي ومطالعتي وتنقيبي عن جذور الماضي، ألهمني ذلك الكتاب: «جذور من الشجرة دائمة الخضرة» للدكتور أحمد سعد، وهو إصدار معهد إميل توما عام 1996، مما يعني قبل ثلاثين عامًا مضت. هذا الإصدار الرائع والغني جدًا، ذو تجربة كفاحية قلّ مثيلها، لحوالي (25) شخصية شيوعية تاريخية ذات سيرة ومسيرة حافلة بالعطاء والإنجازات والانتصارات، منذ التأسيس الأول للحركة الشيوعية في هذه البلاد.
السؤال: كيف كافحت وناضلت هذه الكوكبة العملاقة، وغيرها من المناضلين التاريخيين والمؤسسين الأوائل للشيوعية، على هذه الأرض الطيبة، من العرب واليهود، في إطار الحزب الواحد؟ كيف زرعوا البذرة والبذور لتنمو، وهيّأوا الأرض، ونشروا الأفكار الثورية والماركسية–اللينينية والوطنية، ورسموا الاتجاه إلى الطريق التي نسلكها الآن، بظروف أقرب إلى أيام العز والدلال السياسي؟
كان الشيوعي في الزمن المُعتم القديم يحمل فانوس النور لإضاءة الطريق، ودمه على كفّه، يجوب البلاد والمنطقة عرضًا وطولًا، لا يحسب حساب الزمن ولا لقمة العيش. كان الهم الوطني، والبيت الشيوعي، والدفاع حتى الرمق الأخير عن الجماهير والشعب وحقوقه، هو الشغل الشاغل والهاجس الأول لشيوعي ذلك الزمان. فكانت المواجهة مع المستعمرين والإمبرياليين وعملائهم من الصهاينة والرجعيين العرب.
أقول في منتهى الصراحة والوضوح: إن محاولات الشيوعيين الأوائل في منع نشوب النكبة أولًا، ومحاولاتهم عدم الرحيل ومغادرة الوطن مُكرهين، وتثبيت البقية التي تجذّرت في وطنها وبقيت وصمدت إلى النهاية، كان بفضل ذلك الجيل من الشيوعيين الأوائل الأبطال. وهذه من أهم وسائل البقاء، وأكثر طرق الانتصار للشيوعية والوطنية الحقّة. لقد ثبّت شيوعيو الزمن الأحمر الجميل المعاني الواسعة والجميلة للأممية، بأوسع تجلياتها، في تطبيق معاني الأخوّة العربية–اليهودية، على أسس واضحة المعالم والطريق، فكرًا وممارسةً في النضال المشترك، خلال عقود كثيرة من الزمن، ولغاية الآن.
المطلوب اليوم، ومن الضروريات في هذا الزمن المتغيّر والمتحرّك غير الثابت، أن نُعمّق المعرفة ونوثّق الأحداث والتاريخ الكفاحي الممتد لعشرات السنين التي خلت، في تاريخ الحركة الشيوعية في هذه البلاد، منعًا للتزييف والتشويه والتحريف، كما يحاول بعض الكتّاب والمستشرقين والأقلام المأجورة والمخابراتية، التحريض علينا وعلى مواقفنا ونضالنا.
كتاب الدكتور سعد يكشف الكثير من كفاحنا الصادق والمخلص والأمين، على لسان المتحدثين عن تجربتهم الكفاحية، ولكنه – أي الكتاب – لا يعطي للقارئ ولأجيال ما بعد النكبة أية وثائق أو مدوّنات وأسباب لحدوث الانقسام عام 1943 ولغاية 1948. هذه الفترة تكاد تكون مقطوعة من تاريخ الحركة الشيوعية في بلادنا. نتحدث عن الانقسام المذكور دون معرفة ما جرى في الواقع، وتحليل جذور الانقسام ومسبباته السياسية والفكرية والقومية. والسؤال هو: لماذا انتظم الشيوعيون اليهود سنة 1943 في إطار الحزب الشيوعي الفلسطيني، بينما انتظم الشيوعيون العرب في ما أُطلق عليه عصبة التحرر الوطني؟
شخصيًا، أعتبر كتاب «جذور من الشجرة دائمة الخضرة» مرجعًا من الشهادات الحيّة الموثقة، وفي غاية الأهمية، على أساس وكأنه الجزء الأول. ولهذا اقتراحي العملي أن يقوم معهد إميل توما، والرفيق عصام مخول الغالي (الحزب)، بالعمل على إصدار وتوثيق الجزء الثاني، استكمالًا لما وثّقه الدكتور سعد. وهذه الفترة تكون من بداية الحكم العسكري البغيض، ولغاية الانهيار اللعين في بداية التسعينيات من القرن المنصرم. هذا يتطلب الالتقاء ومحاورة العديد من الشيوعيين الحُمر، من العرب واليهود، وكتابة التاريخ الجديد والمتجدد، لأن هناك الكثير من الصفحات والتاريخ الشخصي والجماعي، ذات الكفاح والحكايات النضالية، للعديد من الرفاق الذين عايشوا الفترة المذكورة.
الانقسام أو الانشقاق المدمّر عام 1965؛ كنت آنذاك، وغيري، أبناء الخمسة أعوام. هذه الفترة كانت هامة وحاسمة في تاريخ الحزب الجديد والكفاحي للحركة الشيوعية في البلاد، ولكفاح الشعب الفلسطيني المنظور، وامتحانًا عمليًا للأخوّة العربية–اليهودية وأممية الحزب. هذه الفترة شبه غائبة عنا، وإمكانية الدراسة والاستفادة القصوى منها في كفاح الحزب حاليًا، في ظل خطر تمدد الفاشية في إسرائيل، ما بعد حرب الإبادة على غزة، وعلى الشعب الفلسطيني عامة، وخطر تآكل ما تبقّى من «الديمقراطية».
من الأهمية أن ننقل للأجيال الشابة والصاعدة، المنخرطة في غمرة الكفاح اليومي، من أعضاء الحزب والشبيبة الشيوعية، وكل السائرين على الخط الثوري والوطني عامة، تاريخ الأجيال المؤسسة للحركة الشيوعية في بلادنا، وقيمة الكفاح المخضّب بأغلى التضحيات، في زمن قلّت فيه التضحية، وساد منطق «يلا نفسي، المهم أنا ومالي ومال غيري». إن نقل وتدريس هذا التاريخ المجيد يمكن أن يتم من خلال الدراسة الذاتية إذا توفرت المصادر اللازمة لذلك، ومن خلال إقامة المدرسة الحزبية الثورية المفتوحة، ولأيام (أسبوع)، وطباعة كراريس وكتيبات صغيرة تشير إلى هذه الفترات المرصّعة بتاريخ حافل ومجيد. (تطوّع العديد من الشيوعيين والرفاق للدفاع عن الجمهورية الإسبانية، والوقوف سدًا منيعًا في وجه الفاشية وديكتاتورية فرانكو). إنارة الطريق أمام الكثير من الأجيال التي قد تجهل قيمة التضحية والكفاح بالمفهوم الماركسي–اللينيني، في ظل الأحداث المتقلّبة في بلادنا والعالم.
الكثير من الرفاق التاريخيين والمستمرين، المشتبكين في النضال، القابضين على جمرة العمل الموصول بالكفاح اليومي، الغالبية الساحقة منهم قد غادروا هذه الحياة، ويغادرها آخرون باستمرار، دون التطرق إلى تاريخهم الناصع وصفحاتهم المشبعة جدًا والمليئة بالبطولات التي سطّروها بأغلى ما عندهم. ونحن اليوم، في عصر العولمة والتحديث التكنولوجي، تعالوا نأخذ من الماضي المضيء زوّادةً للمستقبل. هناك رفاق ثوريون يواصلون الليل بالنهار، متفانين في تقديم الغالي والرخيص لتقدم الحزب والجبهة، وانتصارًا لإرادة الناس والشعب والكادحين عامة.








.png)


.png)